لا يأخذ أسرى ولا يعيد أسرى

تم نشره في السبت 26 كانون الأول / ديسمبر 2009. 10:00 صباحاً
  • لا يأخذ أسرى ولا يعيد أسرى

معاريف - بن كاسبيت

خلافا للهستيريا الإعلامية، صفقة شاليط لم تصل في هذا الاسبوع الى نقطتها الحاسمة. لم نكن في وضع نعم او لا. في اخر المطاف نحن امام مرحلة اخرى في المفاوضات، مرحلة مهمة ولكنها ليست نهائية. امام وزراء السباعية كان هناك اقتراح جسر الهوة للوسيط الالماني وهم تداولوا فيه بتفاصيل التفاصيل اسما بعد الاخر. ما يزال هناك جدل حول اسماء (سبعة اسماء "ثقيلة" ما تزال معلقة على كفة الميزان كما تدعي مصادر فلسطينية)، وهناك ايضا بطبيعة الحال جدل قوي حول المبعدين. بالنسبة لحماس إن نفذت الصفقة في الظروف الحالية فستكون صفقة ابعاد وترانسفير.

إبعاد لرواية حماس التاريخية وصدمة شديدة الوقع منذ ذلك الابعاد الجماعي للمئات من اعضاء حماس الى مرج الزهور في لبنان في عهد اسحاق رابين. هناك شك في ان توافق حماس على ابتلاع هذا الضفدع بصورته الحالية. لذلك حتى ان كان التقدير بأن صفقة شاليط ستنفذ في آخر المطاف فما من شك بأن ذلك سيستغرق مدة اطول. لقد تم تجاوز القسم الاكبر من الطريق ولكن هناك مسافة طويلة تمتد امامنا.

كيف نشأ الوضع الذي تحبس فيه دولة بأكملها انفاسها وترسو عائلة معذبة لمدة ثلاثة ايام متتالية قبالة بوابات ديوان رئيس الوزراء بانتظار حكم جلعاد شاليط؟ وفقا لبعض اعضاء السباعية، كانت بداية هذا التسلسل امام عتبة وزير الحرب ايهود باراك. ففي يوم الاحد في ساعة الصباح الباكر جدا التقى باراك بالزوجين شاليط، وقد كانا في طريقهما للقدس وقدرا انها لحظة الحقيقة. ويقول مصدر بارز في السباعية إنه "تم اعلام الاسرة بالتطورات من قبل باراك، ومن هناك خرجت الاسرة مباشرة في حملة وكأن الامر اصبح مقضيا واننا وصلنا الى مرحلة الحسم. هذا كان خللا ألحق الضرر وليس لدي تفسير للسبب الذي دفع باراك للتسبب بمثل هذا الواقع الوهمي.

الأمر بدأ قبل ذلك. في يوم الاربعاء في الاسبوع الماضي بدأت في الظهور بعض الانباء التي تفيد بأن نتنياهو يعرقل الصفقة منذ اسبوعين. المعلومات ظهرت عادة في "فوكس" شبكة الانباء الاميركية ذات المصادر الاسرائيلية بالنسبة لهذه القضية. بعض هذه المصادر هم أشخاص يعملون في تل ابيب. كل شيء كان متناسقا ومتزامنا مع فترة نهاية الاسبوع، والاسبوع التالي بهدف بلورة هذه الدراما المصطنعة وجدول الاعمال الصحافي الهستيري هذا للمرة التي لا يعرف احد عددها. اية مصلحة لباراك في ذلك؟ المصالح ليست قليلة. هذه القضية جيدة لهم لانه ومن اجل التغيير يظهر فيها بصورة الرجل الطيب. الشخص الذي يحث كل الرافضين لإنجاز الصفقة. صفقة شاليط هي تفوقه النسبي. عدا ذلك من الافضل دائما التحدث عن الوسيط الالماني بدلا من التحدث عن الخادمة الفلبينية وهذا ما حصل.

في داخل الغرفة يجلس وزراء السباعية لدراسة الاسماء. واحدا بعد الاخر. اكثر من مائة منهم وفق المصادر الاجنبية لا يمكنهم ان يعودوا ليهودا والسامرة لانهم سيكونون قريبين من اصابة الاهداف الاسرائيلية. هؤلاء قتلة او قتلة محتملون. مقياس الخطورة الذي اعده الشاباك هو المقياس الحاسم في هذه المسألة. بوغي يعلون يبتلع بين الحين والاخر ابتسامة ويحدث الوزراء عن نكتة بصدد هذا السجين أو ذاك. هو يعرف اغلبيتهم شخصيا. عندما كان قائدا للمنطقة الوسطى ونائبا لرئيس هيئة الاركان ومن ثم رئيسا لهيئة الاركان، وهو يعرف الجهود الكبيرة التي كلفت بعض الارواح احيانا من اجل ادخالهم للسجن.

ليس بين وزراء السباعية (احيانا ثمانية عندما ينضم يوسي بيليد) اختلاف جوهري. كلهم يعرفون بأن الصفقة سيئة وربما ايضا سيئة جدا، ويجمعون على انها ستلحق ضررا استراتيجيا فادحا بإسرائيل وبالمعتدلين وبأبو مازن والكثيرين غيرهم. وهي ستتسبب بموجة اختطافات جديدة وربما ايضا بموجة ارهابية وإراقة للدماء واضعاف لقوة الردع وتعزيز لقوة حماس والاسلام الجهادي. الاختلاف الذي قسم السباعية الى تعادل 3 مقابل 3 (اما نتنياهو فيتأرجح بين الطرفين) يكمن في الحل. مريدور وباراك ويشاي يعتقدون بأن من الواجب اولا اعادة شاليط الى البيت ومن ثم وضع قواعد جديدة للعبة واداء يمين القسم بعدم تكرار ذلك. يعلون وليبرمان وبيغن يعتقدون بأن قواعد اللعبة الجديدة لن تعادل الورق الذي كتبت عليه وان السبيل الاوحد لوضع نهاية لهذا الانحلال يكمن هنا والان.

هذا هو الاختلاف. هذا الاختلاف سيحل في الحكومة في آخر المطاف وليس في السباعية. السباعية هي الجسم المجهز للمسألة أما الحكومة فهي الهيئة التي تصوت وتقرر. عندما سيقتنع نتنياهو بأن الصفقة قد انتهت وعندما تعيد حماس تحفظاتها على تحفظات اسرائيل وعندما سيستقر عدد المبعدين في مكان ما بين 123 الخاصة بنا والقلائل الخاصين بهم ستطرح الصفقة على التصويت في حكومة اسرائيل ورئيسها بنيامين نتنياهو، سيبلور حينئذ الأغلبية المرغوبة بالنسبة له. هو سيتخذ القرار الذي يريد اتخاذه ولكنه سيتحمل المسؤولية بعد ذلك وستكون ثقيلة.

عوزي، عوزي

على هامش قضية شاليط ظهرت هذا الأسبوع (الأسبوع الماضي) قضية عوزي اراد، حين ذكرت القناة الثانية أن احد المسؤولين الكبار في الديوان يلقب رئيس هيئة الاركان بـ "رئيس لجنة أهالي الجنود" فاهتزت الارض. في صبيحة اليوم التالي سارع اراد للتوجه الى ديوان رئيس هيئة الاركان وتقديم الاعتذار. ويبدو أنه تعلم من العواصف ومن الصعب ايجاد مفتعل مشاكل اكثر نجاعة منه، حيث لا يمر شهر واحد من دون ان ينتج لنا عاصفة جديدة، ولكن هذه المرة حسب اعتقادي هو لا يتحمل أي ذنب. نشرت في هذه الصفحات في الاشهر الاخيرة انتقادات غير قليلة لهذا الشخص وطبعه الميال للمشاكل، والاضرار التي يلحقها بعمل الديوان ومسائل كثيرة اخرى. ليس هذا تراجعا عما نشر سابقا. من حق اراد توجيه الانتقاد لرئيس هيئة الاركان هذا امر واضح. ومن المحظور ان يكون رئيس هيئة الاركان بقرة مقدسة. كانت هنا فترة في السابق كهذه ومن الجيد انها انتهت.

لو ان اراد اتصل بصحافي وسرب هذه الانتقادات نحو الخارج لكان على رئيس الوزراء ان يقيله في نفس اليوم. ولان الاستيضاح أظهر ان اراد وجه الانتقادات في غرفته وعلى اريكته وعلى مسمع المتواجدين في الديوان الا أن أحدا منهم اخرج الامور للخارج. احد الاشخاص الذي يعتقد ان من الواجب التخلص منه (وربما هو محق) أخرج الامور للخارج حتى يلطخه. اراد ليس مذنبا في ذلك. الجمهور بدوره ربح من القضية لان الانتقادات وصلت اليه وهي شرعية وكان من المفترض بها ان تكون بداية لنقاش شعبي مهم. بدلا من ذلك دار الجدل حول اراد نفسه.

لقد احسن اراد صنعا عندما توجه لرئيس هيئة الاركان واعتذر. بالمناسبة هو لم يعتذر عن الانتقادات بحد ذاتها وانما عن الاسلوب غير الملائم والاستغلال الذي ترتب على هذا الاسلوب. في ظل الوضع القائم كان من الطبيعي لو ان رئيس الوزراء أمر بفتح تحقيق لاكتشاف المسرب. واراد نفسه يطالب بين الحين والاخر وضع الجميع على آلة كشف الكذب. هذه كانت فرصة ممتازة للقيام بذلك وارسال الرسالة الصحيحة لرئيس هيئة الاركان: ليس من الممكن المس بك حتى وان كان الهدف الاساسي اراد. بدلا من ذلك فضل نتيناهو نشر بيان ضمنه تأييده لمستشاره للامن القومي. لذلك نجح نتنياهو في الخروج من هذه المسألة مع كل الاضرار المحتملة.

بمناسبة ذكر اشكنازي: الانتقادات وجهت اليه الا أنه ليس مذنبا بصورة تامة. غابي اشكنازي هو رئيس هيئة اركان ممتاز. وهو شخص صحيح في المكان والزمن الصحيحين. والجيش الاسرائيلي الذي يقوده جدي وناجع ومدرب بدرجة افضل من الصورة التي استلمه بها. منذ مدة طويلة لم نر في اسرائيل رئيس هيئة اركان يفكر اولا بإعادة كل الجنود الى بيتهم بسلام وبعد ذلك يفكر في تنفيذ المهمة. "بأي ثمن" هذا الشعار كان ذات مرة سببا في دفع اي شيء مقابل احتلال الجبل أما اليوم فقد اصبح الثمن يدفع لمنظمات الارهاب الدموية التي تتطلع لإبادتنا ومقابل جندي مخطوف.

الامور انقلبت رأسا على عقب. وكل شيء تشوش. ليس هناك سعي للتصادم كما كان الحال في السابق. وهناك بحث عن الطريق الاقصر والاكثر أمنا للعودة الى البيت. روح المبادرة اختفت والجرأة تلاشت. اربعة جنود قتلى في مارون الراس اوقفوا دولة بأكملها وجمدوا جيشا كبيرا في العام 2006. من الجيد ان حرب حزيران (يونيو) اندلعت قبل 42 عاما وليس في الاسبوع الماضي لاننا كنا سنوقفها بعد ساعتين (وربما من الخسارة ان هذا الامر لم يحدث ولكن هذه مسألة لجدل آخر). في حرب حزيران (يونيو) قتل 200 جندي في اليوم الاول ولم يكن اي واحد منا ليتحمل ذلك. ليس هناك رئيس وزراء اسرائيلي مستعد للخروج غدا الى عنتيبي أو حتى لجلب نحشون فاكسمان. الجميع سيفكرون بلجنة التحقيق ومن اجل ماذا يتوجب السعي الى ذلك؟ كل ما أردناه هو العودة الى البيت بسلام وهذا هو ما تبدو عليه الامور.

التغيرات التي طرأت على المجتمع الاسرائيلي يمكن ان تعتبر ايجابية وليبرالية وانسانية لو ان حياتنا كانت في مكان آخر. ولكننا نعيش هنا وفي الوقت الذي نصبح فيه اكثر رقة وسمنة وليونة يجتاز أعداؤنا تغييرا معاكسا تماما. هم مستعدون للتضحية ودفع اي ثمن تقريبا لإنزالنا على ركبتينا. المسألة هي انهم ليسوا بحاجة لدفع اي ثمن لإنزالنا على ركبتينا وانما المطلوب فقط منهم هو اختطاف جندي. هم فعلوا ذلك وسيفعلونه مرة أخرى. اسرائيل هي دولة تميل للتراجع والانطواء تماما مثل تلك الحلوى الموضوعة في ورق السلوفان ملفوفة بطريقة جميلة بدرجة كبيرة الا أنها ضارة.

ولنعد الى شؤون اليوم. رئيس هيئة الاركان مر بموقف مربك آخر. وهو ليس مذنبا في هذه المرة ايضا. إنه مدعو مع رؤساء الاذرع الامنية الاخرى لمداولات السباعية. وفي الفصل الاختصاصي يجلسون في الداخل وعندما يتم الانتقال للنقاش السياسي يطلبون منهم الخروج. ذات يوم وجد اشكنازي نفسه مطالبا بالبقاء في الخارج. وكان يجلس في غرفة السكرتير العسكري اللواء مئير خليفي منتظرا بصورة مخجلة. في هذه الاثناء اتضح له ان اللواء خليفي نفسه الخاضع لإمرته ورئيس الشاباك يوفال ديسكين يجلسان في الداخل. ان كان هذان الشخصان في الداخل فلماذا هو يجلس في الخارج. رئيس هيئة الاركان وجد طريقة لإيصال رسالة لوزير الحرب الذي جلس في الداخل وفي لحظة معينة ادرك احدهم الامر فسأل ايهود باراك اين غابي اشكنازي وخلال دقائق تم ادخاله للداخل ولكن ليس قبل ان تظهر طريقة التصرف الداخلي المخزي في ديوان رئيس الوزراء عارية مرة اخرى. وبالمناسبة عوزي اراد اتهم بذلك مرة أخرى مع أن يده لم تكن في هذه المسألة (رغم انه كان في النقاش الجاري في الداخل أما اشكنازي فلم يكن).

التعليق