لا ثمن للكذب

تم نشره في الأربعاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2009. 10:00 صباحاً

معاريف

عوفر شيلح

1/12/2009

جلبة عظيمة في المانيا: ان الكشف الصحافي لصحيفة "بيلد"، التي كشفت عن قضية متشعبة للطمس على الحقائق والكذب حول القصف في أفغانستان، أفضى إلى استقالة رئيس الأركان الألماني شنايدر هان ووزير العمل، (الذي كان وزير الدفاع في الماضي) يونغ. بعد أن قصفت قوات حلف شمال الأطلسي بطلب من ألمانيا، حاويتي وقود اختطفتهما طالبان، وهي عملية قتل فيها نحو بسبعين من رجال طالبان لكن قتل فيها أيضا حوالي ثلاثين مواطنا وفيهم اطفال، وقد زعم رئيس الأركان والوزير أن القصف لم يقتل أي مواطن. لكن صحيفة "بيلد" كشفت عن الاكذوبة، ودفع المسؤولون ثمن الكذب.

مطلوب منكم أن تتخيلوا ماذا كان يحدث عندنا في حالة مشابهة. قبل كل شيء، بالقرار: فإن أحدا ما يأمر باطلاق القنابل، رغم أن الوسائل التي يملكها حلف شمال الاطلسي والجيش الإسرائيلي ايضا تمكن من ملاحظة وجود المدنيين والتقدير بأن جزءا منهم سيصاب أيضا. ويحاولون في الجيش الإسرائيلي إتمام مسار منظم يفضي إلى قرار ذكي في حالة كهذه. وعلى نحو لا يقل عن ذلك يعتمدون عندنا، بقدر كبير من الحق على القائد الميداني. في حالات غير قليلة كان قادة البنية الجوية هم الذين قرروا آخر الأمر عدم اطلاق الصاروخ.

مقابل ذلك وجد الكثير من القرارات تقرر فيها ببرود أعصاب أن يقتل مدنيون. مثلا بقرار اغتيال صلاح شحادة مع العلم بأن أبناء عائلته موجودون في المبنى. لم يكن من الممكن في أفغانستان إتمام مسار طويل فقد كان الوقت ضيقا؛ وتكثر في تاريخ الجيش الإسرائيلي الحالات التي كانت فيها الإصبع على الزناد في حالات كهذه خفيفة هوجاء.

وفي الأساس، كما في الحالة الألمانية تماما، يوجد عندنا فصام أخذ يزداد بين الفعل والنتيجة. فالقتال الجوي الحديث يتم في جزئه الذي أخذ يزداد على يد مستعملين لطائرات بلا طيارين، أو بواسطة إطلاق سلاح موجه إلى نقطة ما يحددها 12 رقما في الحاسوب. لا يرى الطيار الهدف، ومن يرى موجود بعيدا. وهكذا قتل مئات من المواطنين الفلسطينيين في عملية "رصاص مصهور".

أكان رئيس هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي يكذب كما كذب شنايدر هان؟ يبين التاريخ على الأقل أن الجواب هو: لا. سارع أمنون ليبكين – شاحك الى تحمل المسؤولية عن اطلاق النار على كفر قانا في عملية "عناقيد الغضب". وفي حرب لبنان الثانية أقيم حفل صحافي بعد ساعات من القصف الذي قتل مدنيين في نفس المكان. لا يعني ذلك ان الجيش يقول الحقيقة دائما، لكن سجله في شؤون كهذه ولا سيما في السنين الأخيرة، يدل على أننا كنا نسمع صيغة أقرب إلى الحقيقة.

ليس هذا بالضرورة بسبب الأخلاق. أشك في أن يشعر أحد عندنا بالحاجة إلى الكذب، وأشك أكثر في أنه كان يدفع ثمنا ما عن أكذوبة كشف النقاب عنها. تلقى الجمهور الإسرائيلي نتائج كفر قانا، واغتيال شحادة أو "الرصاص المصهور" بهز الكتفين. فالطرف الثاني أقسى دائما، ويطلق النار على المواطنين عمدا، ويختبىء بين السكان المدنيين. كففنا منذ زمن عن أن نحكم على أنفسنا بحسب سلم قيم، ننظر إليه على أنه مطلب عالم متلون معاد. لو وجدت أكذوبة لما ثار أحد. كما لم يثر أحد لسرعة إغلاق الجيش الإسرائيلي التحقيق في الأعمال الشاذة في عملية "رصاص مصهور" – وتحطم إسرائيل اليوم رأسها لآثار تقرير غولدستون الخطيرة. كانت أكذوبة الجيش في تصور الذات على أنها ضحية وتباكي المجتمع ترى حماية عادلة للذات من انتقاد العالم المعادي للسامية. يستطيع رئيس الأركان اشكنازي أن يقول لصديقه شنايدر هان: تعال إلينا، فعندنا لن تضطر إلى الكذب، وإذا كذبت فلن يطلب أحد منك الانصراف.

التعليق