يوم عرفة: تواصل روحي يجمع قلوب المسلمين رغم بعد المسافات

تم نشره في الأربعاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 09:00 صباحاً

سوسن مكحل

عمّان- مع صعود الحجاج جبل عرفة، تتسارع دقات قلب أم فهد (60 عاما) لتعود بها الذاكرة إلى خمسة أعوام مضت عندما قامت بأداء مناسك الحج، لترتبط وجدانيا معهم وتتبع خطواتهم بكل شعيرة يؤدونها.

هذا اليوم، الذي ترقبه أم فهد بفارغ الصبر من خلال متابعتها لمناسك تلك الفريضة عبر الشاشة، تصفه "بمشهد قريب إلى قلبي وعيني رغم بعد المسافات".

صورة الحجاج منذ بدء انطلاقتهم بدخول الحرم الشريف وانتهاء بنزولهم من جبل عرفة لا تكاد تغيب لحظة عن أبو محمد (56 عاما)، الذي يستعد لهذا اليوم روحانيا من خلال تواصله مع الحجاج الذين يشحذون همته ونشاطه الديني.

من جهته، تتسابق خطوات الشاب العشريني محمد السيد في يوم عرفة لجلب احتياجات العائلة حتى يتسنى له الجلوس مع والدته وقضاء يوم اعتاد فيه الصوم والمداومة على الذكر ومتابعة الحجاج وما يؤدون من مناسك عبر الشاشة.

من جانبه، يصف اختصاصي علم الاجتماع في جامعة فيلادلفيا فاتح مثقال عساف يوم وقفة عرفة بـ"وحدة للمسلمين".

وعن ظاهرة تجمع العائلات وتواصلهم مع الحجاج وجدانيا ومداومتهم على الذكر من خلال "التلبية" التي تتعالى أصواتها الصادرة من الراديو أو التلفاز في غالبية البيوت، فهي برهان على أواصر المحبة والإخاء التي توحد قلوب المسلمين في جميع انحاء العالم وتشد أنظارهم وقلوبهم الى مكة حيث الحجاج.

يوم عرفة "أجمل يوم في السنة"، هكذا يصفه سالم أبو غزالة (14 عاما)، فما أن ينتهي من اللعب مع أقرانه الصائمين حتى يلتف مع العائلة حول المائدة بانتظار أذان المغرب، فرحا بالأجواء الحميمية التي تسود البيت في ذلك اليوم. ليستعد بعدها للتسوق وشراء ما ينقص من مستلزمات العيد.

أطفال عيونهم ترقب الصباح لارتداء الملابس الجديدة يعبرون عن فرحتهم بكلمات حفظوها عن ظهر قلب يطلقونها على المارة ليرسموا الابتسامة أيضا على شفاههم في كل عيد أضحى وهم يرددون "بكرة العيد وبنعيد وبنذبح بقرة السيد.. والسيد مالو بقرة بنذبح بنتو هالشقرة".

طفولة بريئة يغلفها الإيمان والروحانية ويسهم في تعزيزهما حرص الفضائيات على نقل وقائع الحج عبر شاشة التلفزة، حيث دموع المستغيثين ودعوات المسلمين تترك أثرها في نفوس الأطفال والشباب والشيوخ.

فالشاب محمد تيسير (21 عاماً) يشير إلى أن مشاعره في هذا اليوم لم تتبدل منذ كان طفلا، فتجمع العائلة ومتابعتهم للحجاج وترداد التلبية معهم تشيع في أجواء المنزل، مضيفا "ما يشعرني ذلك بأنني معهم أشاركهم مناسك الحج".

وللكبار "وقفة" أخرى بانشغالهم في صنع سعادة على وجوه أبنائهم وأحفادهم التي تتجاوز فرحتهم أنفسهم، فالحاج أبو أيمن (77 عاماً) يعود بذاكرته إلى الوراء راويا لأحفاده الصغار؛ محمد ومازن وأيمن، حكايته مع الحج بسرد يتسلل إلى ذاكرتهم لتستقر الصورة فيها ويستحضرونها عندما يغدون شبابا.

ويستثمر ابو ايمن هذا اليوم في الدعاء والصلاة والصوم ولا ينسى في خضم هذه الأجواء الدينية أن يطمئن ان أحفاده اشتروا ثياب العيد ولا ينقصهم شيء.

وفي الإطار نفسه، يرى عساف أن التقارب بين الأفراد مع الحجاج هو "حديث العهد"، عازيا ذلك إلى تطور وسائل التكنولوجيا وانتشار الفضائيات، التي مكنت الشخص من تواصله مع الحجاج "صوتا وصورة".

ويتابع عساف "في السابق كان تواصل المسلمين مع الحجاج يعتمد على الصوم في يوم عرفة والدعاء للحجاج بتسهيل أمورهم، ومن ثم تجمع العائلة في أيام عيد الأضحى وانتظار عودة الحجاج وسؤالهم عن مشاعرهم عند زيارتهم بيت الله وتأديتهم فريضة الحج".

كل ذلك، وفق عساف، في إطار بعيد عن مشاهدتهم ومراقبتهم لما يؤدون من مناسك خطوة بخطوة أو من خلال ترداد "التلبية" معهم كما يحدث في الوقت الحالي.

في هذا الصدد، يؤكد أن فريضة الحج، التي تجمع المسلمين كافة من مختلف الجنسيات من دون تمييز، لها دور في تعزيز ظاهرة تعاطف العامة مع الحجاج.

وقت أم هشام (40 عاما) متزاحم يوم الوقفة، فنهوضها مبكرا لـ"تعزيل" المنزل، إلى جانب تجهيز الباحة الامامية لأضحية العيد، هما ما يشغلانها وتستمتع بذلك في مثل هذا اليوم من كل عام.

وعلى صوت "تلبية" الحجاج، تستعد أم هشام وهي تذكر وتسبح لتجهيز طعام الصائمين، إذ تجتمع العائلة على مائدة الإفطار ومن ثم الذهاب مساء إلى التسوق للعيد.

ويوم الوقفة على جبل عرفة من أسس مناسك الحج، وهو اليوم الذي يعطي الله فيه لعباده المغفرة والرضوان، كما تبدأ فيه مناسك الحج، صيامه يكفر ذنوب سنة سابقة وسنة مقبلة، وفق اختصاصي الشريعة الإسلامية الدكتور أحمد العوايشة.

وعن تجمع الأسرة في هذا اليوم ومشاهدتهم ما ينقل عبر التلفاز لأداء وقائع فريضة الحج، يشيد بهذا الموقف ويرى فيه استشعارا دينيا لهذه الفريضة.

التواصل والقرب والتجمع بين العائلات في هذا اليوم الفضيل فيه ثواب وأجر عظيم يتضاعف كلما كثر الذكر والدعاء.

ويشير العوايشة إلى أهمية التكبير والتهليل والإكثار من الدعاوى والصدقات والاهتمام بصلة الرحم والاعتناء بالفقراء في هذا اليوم.

sawsan.moukhall@alghad.jo

التعليق