المعضلة الاستعمارية

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 09:00 صباحاً

معاريف  - نداف ايل

يتم التمرد دائما في هامش الامبراطورية. ان افغانستان هي هامش الامبراطورية الأميركية – ويبدو انها أكثر الامبراطوريات استنارة وتعددا مما عرف العالم، لكنها ما تزال امبراطورية. لقد انشأت لنفسها دولة مرعية صغيرة هناك، كما كانت تفعل روما لنفترض. وهي مضطرة مثل روما الى مواجهة التمرد في الاقاليم المتطرفة – يسمى المتمردون هناك احيانا برابرة – وفي حالة أفغانستان هم طالبان.

ان احتلال أفغانستان – توسيع السيطرة الأميركية – نتيجة مباشرة للمشكلة الامنية التي نشأت إثر هذا التهديد البربري الحديث. خرج الرومان في حملاتهم الانتقامية على القبائل الجيرمانية كروتين استعماري؛ واضطروا الى التوسع والى حماية الحدود التي أقرها اوغسطس بعد ذلك لصد غزوات مدن الامبراطورية. كذلك كانت دعوى جورج بوش العليا للسيطرة على العراق وأفغانستان دعوى امبراطوريات كلاسيكية: نحن نحارب هناك كي لا نضطر الى ان نحارب هنا. وتوجد بطبيعة الامر فروق عظيمة بين روما والولايات المتحدة، لكن احد الفروق المهمة هو ان أميركا لا تتبنى دورها الاستعماري. ومن المحقق انها لا تفعل في  الايام التي تلت جورج بوش. "نحن امبراطورية حرية"، قال توماس جيفرسون، وأكثر الأميركيين يشعرون بالاهانة عندما يذكر لفظ الامبراطورية.

كانت اخر هزيمة لامبراطورية في أفغانستان هي الاتحاد السوفياتي وقبلها كان البريطانيون. كانت بريطانيا اوسع امبراطورية عرفها العالم، وقد سارعت الاصولية الاسلامية في القرن التاسع عشر إلى التمرد عليها. كانت الصومال اقليما هامشيا من الامبراطورية، ومنطقة مهمة جدا في الطريق الى المحيط الهندي. وقبل حوالي مائة سنة من ولادة أسامة بن لادن، قاد الملا محمد عبدالله حسان هناك تمردا قاسيا، لم يسبق له مثيل على البريطانيين. لقد سموه "الملا المجنون"، واصبح اسمه ذا سمعة سيئة في العالم كله. وهو يعد الى اليوم بطلا في نظر مسلمين متطرفين ويقتبس من كلامه بحب في مواقع انترنت تابعة للقاعدة. ويتركز الحديث خاصة على قصيدة نظمها الملا، يحاول فيها ان يصف ما يجب على ضابط بريطاني ذبحته قواته ان يقول لملائكة الجحيم. "قل لهم لقد لفونا بالغضب/ واعلمهم كيف مزقتك سيوفهم بقسوة" بعد ذلك تتابع القصيدة وصف كيف استجدى الضابط الرحمة وكيف جمدت عيناه رعبا، وكيف أكلت الضباع لحمه، وكيف اقتاتت الغربان على شرايينه وغير ذلك. وقد استمر تمرد الملا المجنون عقدين. ومات بالانفلونزا في سنة 1920. ولم يمت معه النضال ضد الغربي النصراني المحتل ولا القسوة ايضا.

رئيس الولايات المتحدة الان في لحظات حسم للاستراتيجية الأميركية في افغانستان. ويدور الحديث شكليا عن قوات حلف شمال الاطلسي، لكن الأميركيين والبريطانيين فعليا مستعدون للقتال كي لا يخسروا المعركة في القاعدة الام للقاعدة.

إن معضلة اوباما هي معضلة استعمارية تقليدية: اذا ارسل جنودا آخرين وبنى نظام احتلال كبيرا غير مهندم، فانه سيعرض نفسه لهجمات اخرى، وقد يتعقد الوضع ليصبح مثل سيناريو فيتنام.

يجب على اوباما خلافا لقياصرة روما ان يفوز في الانتخابات المقبلة. اذا بدأ سياسة لطيفة للابتعاد عن سلطة الرعاية الموالية للغرب، فان افغانستان تستطيع ان تضيع لطالبان التي ستستعملها مرة اخرى قاعدة للنضال ضد الامبراطورية الكريهة. هذه حيرة صعبة، لكن في داخلها الفرق الكبير بين الامبراطورية الغربية – الأميركية وبين الامبراطوريات التي سبقت وهو الاستعداد والقدرة على دفع الثمن الدموي. ويستغرق هذا احيانا عشرين سنة.

التعليق