"نرجس والمرايا": إصدار يتناول إبداعات جبرا وعلاقته بالنثر

تم نشره في السبت 17 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 10:00 صباحاً
  • "نرجس والمرايا": إصدار يتناول إبداعات جبرا وعلاقته بالنثر

 

زياد العناني

عمان - يرى د. محمد عصفور في كتابه "نرجس والمرايا - دراسة لكتابات جبرا إبراهيم جبرا الإبداعية" الصادر أخيرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر أن جبرا اشتهر في عالمنا العربي بوصفه واحدا من ألمع روائيينا ولم ينل حقه في مجال الشعر لأن قصيدة النثر لم تنل من قبول الجماهير ما ناله الشعر الموزون آنذاك.

ويحاول عصفور في كتابه أن ينصف جبرا الشاعر من دون أن يغفل الروائي وذلك من خلال تحليل نماذج من شعره تحليلا يستفيد فيه من دراسته للأدب الانجليزي والنقد الغربي فضلا عن إفراد فصل مستقل لكل رواية من الروايات السبع التي خلفها جبرا في مسيرته الإبداعية.

ويتوقف عصفور عند احتضان مجلة الآداب شعر السياب ونازك الملائكة ومن دار في فلكهما كما يتوقف عند احتضان مجلة شعر لشعر جبرا ابراهيم جبرا وانسي الحاج ومن نسج على منوالهما. ويقول عصفور إن الصراع بين هاتين المجلتين كان صراعا سياسيا بالدرجة الاولى وان هذا الصراع السياسي انسحب ايضاً على الشعر وأشكاله.

ويضيف أن شعراء مجلة الآداب حسبوا على التيار القومي بينما حسب شعراء مجلة شعر على التيار المناهض للتيار القومي.

ويؤكد عصفور أن جبرا لم يبدأ حياته الشعرية بكتابة الشعر العربي بل كان يكتب الشعر الانجليزي في الكلية العربية في القدس حتى قبل سفره لاستكمال دراسته في جامعة كيمبرج.

ويقول: "وفي كيمبرج كان يكتب الشعر وينشره في بعض المجلات البريطانية تحت اسم Gabriel Jabra وأن شعره كان يسبق بسنوات ما اشتهر به السياب من حيث استعمال الاساطير والصور الشعرية التي تعبر عن الجدب والخطوبة والموت والحياة وهي الامور التي اعطت السياب مكانته المتميزة في الشعر العربي الحديث".

ويلفت عصفور الى أن جبرا ظل يعترض على تسمية الشعر الذي يكتبه هو وتوفيق صايغ ومحمد الماغوط بالشعر المنثور أو قصيدة النثر لأن ما كان يكتبه هؤلاء من وجهة نظره هو "شعر" من دون صفة أو اضافة اخرى تحدد هويته.

ويؤكد عصفور أن جبرا اهتدى الى قصيدة النثر بالعربية عن طريق الصدفة وليس عن طريق التخطيط المسبق والتصميم الواعي، كما أراد لنا ان نفهم من مقدمته لديوان "تموز في المدينة".

ويقول عصفور: "أنا شخصيا اكتب الشعر منذ اوائل الستينيات بشكليه العمودي والحر على غرار حرية الشعر عند السياب وخليل حاوي. وقد حاولت مرة أو مرتين أن اكتب قصيدة النثر على غرار شعر جبرا فوجدت أن اسهل انواع الشعر هو الشعر العمودي وان اصعبه هو الشعر غير الموزون".

ويضيف:"لست اقصد بهذا الادعاء انهاء النقاش بمفارقة. بل أقصد ان اقول إن كتابة القصيدة الجيدة دون الاتكاء على الوزن والقافية أمر بالغ الصعوبة لان على الشاعر في تلك الحالة ان يعوض بقوة الفكرة وأصالة الصور والرموز وتماسك العبارات وجدتها ما يفقده إياه إطراحه للموسيقى التقليدية التي تضمنها له الاوزان والقوافي".

ويزيد: أن كتاب الشعر العمودي قد انتجوا أطنانا من الهراء وكذلك فعل كتاب الشعر الحر ولا شك في ان الضعفاء من كتاب قصائد النثر انتجوا وسينتجون نصيبهم الطبيعي من هذا الهراء. ولكن النقد الممحص لا يضيع الوقت في بيان عيوب المقرزمين بل يهتم بإبداعات المبدعين تاركا لغبار السنين مهمة طمس من يستحقون النسيان.

ويتوقف عصفور عند فكرة ذكرها ولم نفصل القول فيها وهي أن قصيدة النثر الحقيقية تقدم نفسها على هيئة النثر لكنها تطلب من القراء ان يقرأوها على انها شعر. والمقصود من هذا الكلام أن قصيدة النثر- بمعناها الدقيق- لا تقسم أبياتها على الصفحة الى انصاف الاسطر (مع زيادة او نقصان قليلين) بل تقدم كلامها كما يقدم النثر كلامه بفقرات تامة قد تطول او تقصر. لكن هذا النوع من قصائد النثر ليس هو ما يقدمه لنا امثال جبرا ابراهيم جبرا (بالعربية) ومحمد الماغوط وانسي الحاج وأضرابهم لان هؤلاء في العادة يقدمون لنا أبيات قصائدهم (إن صح استعمال كلمة "ابيات" في هذا النوع من الشعر) وقد وضعت الى يمين الصفحة، مع قطع كل بيت قطعا لا نعلم على وجه اليقين سببه لان الابيات قد تقف عند عبارات كاملة نحويا وقد لا يكتمل النحو مع نهاية السطر فنضطر للمضي في القراءة حتى نصل الى الوقفة الضرورية.

ويعطي عصفور مثالا عشوائيا من قصيدة "غريب على العين" من ديوان المدار المغلق لجبرا:

نسمة الطريق المائج ليلا بالعيون

ملجأ الغرباء والانبياء

عشاق الارصفة الطوال

نسمة الطريق السادر الهادر النازل

من البيت الى الكهف والعين الصاعد

من البيت الى الجلجلة

من فرشة الاحلام الى الصليب-

نسمة الطريق، حاملة الروث والياسمين

واللهاث والموت والضحكة الاخيرة من البداية...

ويبين عصفور أننا لا نستطيع الوقوف عند نهاية كل سطر أو بيت لان الكلام لا يكتمل في كل حالة.

ويتساءل: ما الذي جعل جبرا يقطع السطر بعد كلمة النازل" أو "الصاعد".

ويقول: مما لا شك فيه أن هذا السؤال سؤال مشروع وقد لا يستطيع الشاعر أو الناقد الداعم لهذا النوع من الشعر أن يعطينا جوابا شافيا. ولكن الجواب - مهما كان- لا بد أن يعتمد على فكرة اختلاف موسيقى هذا النوع من الشعر عن موسيقى الشعر الموزون المقفى بعامة. فموسيقى الشعر الموزون المقفى تخلق توقعات من نوع ما تعتمد في الشعر العمودي اعتمادا شديدا على التكرار وحتمية الوقوف بعد كل بيت (وربما بعد كل شطر) وتعتمد في الشعر الحر (بمفهومه السيابي) على حتمية التوقف عند مفاصل معينة من الكلام سواء أأتت هذه المفاصل بحسب التقطيعات العروضية أو بحسب توزيع القوافي على مسافات متقاربة من نهايات الاسطر.

ويقول: أما في هذا النوع من الشعر فإن الموسيقى لا تعتمد على مثل هذا التكرار الواضح، وان كانت لا تتخلى عنه تماما. فجمله قد تقصر أو تطول لا بحسب القالب العروضي أو ضرورات التقفية. بل بحسب ضرورات الفكرة والصور المساندة لها بالدرجة الاولى مبينا أنه وفي القطعة المقتبسة اعلاه نلاحط قدرا غير قليل من التكرار سواء تكرار العبارات ("نسمة الطريق" مثلا تتكرر ثلاث مرات لإتاحة التوسع في الفكرة، وتتكرر عبارة "من البيت الى" مرتين للغرض نفسه) أو تكرار الأزواج المتناقصة (النازل- الصاعد - الكهف - الجلجلة - الروث- الياسمين) لا بل حتى تكرار القوافي وإن كان هذا التكرار لا يعتمد علي الوقفات المجلجلة في آخر الأبيات (كما في "الغرباء والأنبياء" وفي السادر الهادر").

التعليق