"معارك أم كلثوم": قصص عن سيدة الغناء العربي وشخصيات زمنها

تم نشره في الأربعاء 14 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 09:00 صباحاً
  • "معارك أم كلثوم": قصص عن سيدة الغناء العربي وشخصيات زمنها

دبي–  يستعرض كتاب الصحافي المصري حنفي المحلاوي "معارك أم كلثوم السياسية والفكرية والإجتماعية"، الذي يجمع بأسلوب حكائي بسيط عدداً من القصص التي مرّت في حياة سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والتي تصلح -فضلاً عن متعة التسلية التي تمنحها للقارئ، ومعرفة قصص مجهولة في حياة أم كلثوم- لتأمل مجتمع الفن والصحافة والسياسة في مصر، خلال الفترة الزمنية الطويلة التي عاشت فيها أم كلثوم، والتي كانت غنية بالأحداث الكبرى، والشخصيات التي أثّرت في تاريخ المنطقة على كل الأصعدة.

ويحمل الكتاب "معارك أم كلثوم السياسية والفكرية والإجتماعية" الرقم سبعة في قائمة كتبه الخاصة بسيدة الغناء العربي، والتي بدأت بكتاب "عبدالناصر وأم كلثوم" وانتهت بـ"شعراء أم كلثوم" قبل إصدار كتابه الجديد الذي يقسّمه مؤلفه إلى ثلاثة أبواب، أولها يتناول معارك أم كلثوم السياسية، وثانيها يختص بالمعارك الفكرية، في حين يهتم ثالثها بالمعارك الفنية، والتي تقدم مجملها لمحة عن انطلاقة سيدة الغناء العربي الفنية، ووصولها إلى القاهرة، ودخولها أجواء مجتمع البلاط والأسرة الحاكمة، والباشوات ورجال المال والصحافيين والنقاد والفنانين في مصر آنذاك، كما يبرز عمق وشدة الخلافات والانقسامات والتحزب ضمن مجتمع الفن، وصعوبة تقبلهم لوافد جديد أتى من عمق الحياة الريفية على مجتمع يحكمه سلوك شكلي يتناسب والبلاط الملكي من جهة، وغنى الطبقة الصاعدة من جهة أخرى، ويبيّن الأثر الكبير الذي أحدثته أم كلثوم في الأوساط الاجتماعية والسياسية والفنية في مصر خلال الحقبة الزمنية التي عاشت فيها.

يستعرض المحلاوي في الفصل الأول من كتابه وهو الأغنى بين فصول الكتاب، التأثير الطاغي لشخصية أم كلثوم، الذي وصل إلى خارج حدود مصر بخاصة في الحرب العالمية الثانية، إذ حاول كل معسكر من المعسكرين المتحاربين جذب صوت أم كلثوم لصفوفه، واستخدامه من دون إذن منها في كسب مستمعين جدد إلى دعاياتهم، حسب رواية الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، إلى حد وصل فيه الأمر بانجلترا إلى منع ممثلتها الشهيرة فيفيان لي من إحياء حفلة لجنودها على مسرح الأزبكية لأنه وافق يوم الخميس الأول من الشهر، وهو اليوم نفسه الذي تقيم فيه أم كلثوم حفلتها الشهرية، حتى لا يتسبب ذلك في إغضاب جماهير سيدة الغناء العربي، ما دفع بالممثلة الانجليزية لحضور جزء من حفل أم كلثوم صاحبة هذه الشعبية، لتخرج بعدها واصفة إياها بأنها معجزة من المعجزات.

ويسوق المؤلف بعضاً من معارك أم كلثوم مع القصر الملكي، ومن بينها وقوعها في حرج شديد بعد طلب الملكة نازلي منها القيام بزف الأميرة فوزية لزوجها شاه إيران محمد رضا بهلوي آنذاك، وإصرارها على أنها هي مطربة تغني فقط، وليس عالمة لزف العرسان، لكنها وبعد إلحاح ومراجعة نتائج رفضها، في وقت كانت فيه الملكة نازلي تتحكم بأمر مصر كلها بعد وفاة زوجها الملك فؤاد وافقت مكرهة، وكانت أول وآخر عروس تزفها أم كلثوم في حياتها كلها، ويمر المؤلف على قصة حب شريف باشا صبري شقيق الملكة نازلي لأم كلثوم، وقراره بالزواج منها، لكن الإرادة الملكية حالت دون ذلك، في حين رفضت هي مبدأ الزواج العرفي، ويروي قصة حبها لحسنين باشا رئيس الديوان الملكي، وأيضاً للموسيقار محمود الشريف، مؤكداً زواجها منه، وإجبارها على إلغاء هذا الزواج بسبب رفض القصر الملكي.

كما يستعرض المؤلف علاقتها مع قادة ثورة يوليو بعد سقوط النظام الملكي، والدور الذي لعبه الموسيقار محمد عبدالوهاب في تشويه صورتها لدى مجلس قيادة الثورة، لولا تدخل الرئيس جمال عبدالناصر شخصياً لوقف هذا التشويه باعتبارها صوتاً معبراً عن ثورة يوليو، واستذكار موقفها الشهير وأغنيتها للمحاصرين في الفالوجة إبان حرب فلسطين العام 1948، وزيارة الشكر التي قام بها الضباط الأحرار لمنزلها بعد عودتهم من الحصار، وكان على رأسهم جمال عبدالناصر، ويمر المحلاوي على آخر صراعاتها السياسية مع السيدة جيهان السادات، بسبب تاريخ سابق بينهما، وانتقام هذه الأخيرة من السيدة أم كلثوم لعلاقتها الوثيقة بجمال عبدالناصر.

أما عن معاركها الفكرية فهي تخص الصحافة من جهة، والشعراء من جهة أخرى حسب رأي المؤلف الذي يرى أن معاركها مع الصحافة بدأت في وقت مبكر بعد وصولها الى القاهرة، مع وجود عدد كبير من الفنانين المعروفين والمشهورين، أمثال منيرة المهدية وعبده الحامولي ومحمد عبدالوهاب، وجماهيرهم الواسعة ومؤيديهم من رجال الفكر والصحافة، وهذه المعارك استنزفت وقتاً وجهداً كبيرين من أم كلثوم التي وصلت إلى حد اليأس مرات عديدة، وكادت تترك كل شيء في القاهرة وتعود إلى قريتها، لكنها بحنكتها أصلحت أمورها، وبصداقتها مع كل من محمد التابعي ومصطفى أمين بدأت في ترسيخ أقدامها، وتثبيت صورتها الفنية، أما فيما يتعلق بالشعراء فقد استقرت بشكل أساسي على الشاعر أحمد رامي، ومن ثم الشاعر بيرم التونسي، وخلال صعودها الفني أرست لنفسها منهجاً متشدداً في التعامل مع المحيطين بها، فأبقت الجميع على مسافة منها، درءاً للإشاعات وعدم منح أي كان مبرراً لتناول سيرتها.

وفي ما يخص معاركها الفنية الكثيرة التي يختص بها القسم الثالث من الكتاب، يمر المؤلف على العديد منها، فيروي على سبيل المثال خصومتها مع الموسيقار زكريا أحمد الذي انقلب من حب جارف لأم كلثوم من جانبه، إلى عداوة مستفحلة، لأسباب مالية وحقوق أدبية لزكريا أحمد، أنكرتها أم كلثوم في البداية، ووصل هذا الصراع الذي امتد بين عامي 1954 و1961 إلى ساحات المحاكم، ولم تفلح كل الجهود التي أبدت حرصها على تواصل الفن الأصيل بين عملاقين من عمالقة الفن في التوصل إلى مصالحة بينهما، لكن في النهاية وبعد أن جمعهما القاضي الذي كان ينظر في الدعوى وأشاد بهما باعتبار أن الجيل كله يتطلع إليهما، وأنه هو نفسه غير قادر بالنطق بالحكم على أي منهما، ودعاهما برجاء حار أن يوقفا هذه الدعاوى التي تسيء إليهما قبل أي شخص آخر، اندفع الشيخ زكريا أحمد وقرر الاستجابة لطلب القاضي وسحب الدعوى، فما كان من أم كلثوم إلاّ أن أعلنت أنها ستقدم له كل ما يطالب به عن طيب خاطر، وهكذا طويت صفحة مهمة من تاريخ أم كلثوم وصراعاتها على يد القاضي عبدالغفار حسن رئيس المحكمة.

وأخيراً فإن أهم ما يميز كتاب المحلاوي "معارك أم كلثوم السياسية والفكرية والاجتماعية" هو المادة الأرشيفية الكبيرة، التي تروي قصصاً وحكايات عن علاقات شديدة التنوع لسيدة الغناء العربي مع رجال سياسة وفكر وصحافيين، فضلاً عن قصص الحب في حياتها، وعلاقاتها بأسرتها ومحيطها، وأعمالها الخيرية والوطنية، لكن جديده قليل مع وجود عشرات الكتب التي تناولت حياة أم كلثوم وأغانيها، لكن أهم ما يؤخذ على الكتاب الذي اعتمد مؤلفه فيه على كتب أكاديمية جادة أرخّت لحياة أم كلثوم لباحثين جادين كالدكتورة رتيبة الحفني والدكتور صبري أبوالمجد والدكتورة نعمات أحمد فؤاد وغيرهم، ميل المؤلف إلى اختصار البحث الجدي بخبر فني، لانتاج كتاب خفيف مليء بالقصص والحكايا المسلية لا أكثر.

التعليق