"وَي: إذن لست بإفرنجي": أول رواية عربية رائدة (1859) تصدر في طبعة جديدة

تم نشره في الأحد 20 أيلول / سبتمبر 2009. 10:00 صباحاً

زياد العناني

عمان- يشرع الشاعر والباحث شربل داغر في دراسة رواية الكاتب اللبناني والصحافي خليل الخوري "وي. لست بإفرنجي" التي صدرت في العام 1860، بعد أكثر من مائة وخمسين سنة من صدورها وبعد أن صدرت في مصر في العام 2007 الطبعة المصرية المصوّرة للرواية في نسخة جديدة عن منشورات دار الفارابي مزودة بالبحث والتدقيق حول ريادتها في مجال الكتابة الروائية.

ويعود داغر في تحقيقه وبحثه  إلى أعداد جريدة حديقة الأخبار التي كان يصدرها الخوري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثم إلى طبعة الرواية في كتاب مستقل ويقدم مقارنة تحقيقية بين المدونتين، كما يقدم دراسة فنية وتاريخية للرواية، كما لغيرها، مما عرفه السرد العربي في مساعيه الأولى.

وينتهي داغر إلى التحقق من أسبقية هذه الرواية على غيرها من الناحية الزمنية ومن ريادتها الفنية، إذ شكَّلت مثالاً فنياً لغيرها.

ويقول داغر:" تبينت، عند إعدادي التحقيق النقدي الذي طاول رواية خليل الخوري: وَي. إذن لستُ بإفرنجي ، أن هناك نصوصاً سردية نشرت في مجلة الخوري، حديقة الأخبار، وسعت إلى استثمار مرويات عربية قديمة في أسلوب قريب من الحكي القديم، إلا أن هذه النصوص ما لبثت أن اختفت لصالح الرواية، على ما تأكدت.

ويضيف داغر أنه قد  تحرى واستقصى تعرفاً على معالم البدايات عمل الخوري واستنادها الجلي إلى تراث الرواية الأوروبية، لا سيما إلى الروايات المبنية على نقد العوائد الاجتماعية.

ويؤكد شربل على تميز رواية الخوري لأنها أقامت السرد على ترابط تعاقبي وسببي، تتكفل به شخصيات في سياقات بعينها، ما يختلف عن الإخبار الإسلامي القديم، وعن الموروث الحكائي التقليدي.

ويطلق شربل على رواية "وي . إذن لست بافرنجي "  صفة الرائدة بعد أن  تحققت من تقليد أعمال سردية، سواء في بيروت أو في القاهرة بعد وقت، لمثل هذه الخصائص الفنية في السرد.

ويبين شربل أن ما استوقفه في هذه الرواية هو أنها تنبني وفق بناء مرئي حيث أن رأى تماثل روى فيها، وهي  امتحان أول، تجريب أول، مسعى أول، في مسار سردي لن يعدم الامتحانات والتجريبات والمساعي بعد ذلك.

ويقول داغر إن رواية الخوري تشير، في جانب منها، إلى تأثرها البين بنمط بعينه في الرواية الفرنسية، وهي تشير، من جهة ثانية، إلى أحوال بيروتية وغيرها في النصف الأول من القرن التاسع عشر، في لحظات اللقاء المدني بين مقيمين وأجانب.

ويرى د. فيصل دراج أن داغر بذل جهداً بحثياً نوعياً للتعريف برواية الخوري .

ويلفت الى أنه وزع ما كتب على أربع أقسام أساسية أولها: "عن التحقيق" الذي يشرح صعوبات البحث الاستقصائي في إنتاج نسخة من الرواية متحررة من النقص والثغرات. يتلو المقطع الأول آخر عنوانه : "أول" رواد التجديد، أي خليل خوري (1836 – 1907) النهضوي اللبناني بامتياز، الذي جمع بين الصحافة والترجمة والمقالة الفكرية والاهتمام بالتاريخ، وأثنى عليه جورج زيدان وذكره الفرنسي لامارتين في مؤلفاته، وحظي بتكريم واسع في حياته. والقسم الثالث، عنوانه: الشاعر "العصري"، الذي أوجد "أسلوباً مستحدثاً في الشعر" وقطع مع تاريخ "الاستجداء الشعري"، وصفق له بطرس البستاني وأديب اسحاق وغيرهما من أكابر الأدباء في ذاك الزمان. وأخيراً: بذار "الحديقة" القسم المكرّس للدور الرائد الذي لعبه خوري في تأسيس الصحافة السورية. حيث تظهر صورة الأديب المدروس في الصفات التي نسبها المحقق إليه : رائد أول، شاعر عصري، زرع إبداعاً صحافياً استظل به لاحقوه. تتلو مقدمة المحقق مقدمتان: الأولى موجزة وبالغة الإيجاز ولا تخلو من الظرف والمداعبة، وثانيهما موجزة بدورها عرض فيها المؤلف هدفه من كتابه.

ويشير دراج الى أن شربل داغر أراد أن يؤكد أمرين: أولهما أن الرواية التي عثر عليها وأعطاها صفحة الريادة تتمتع بعناصر فنية مطابقة، تشتمل المكان والزمان والشخصيات والحوار والمرجعيات الضرورية المختلفة.. وثانيهما تحديد موقع رواية "وّيَ . إذن لست بافرنجي" في السلسلة الروائية العربية، في طورها الأول، وتنصيبها رواية رائدة نموذجية بلا منازع. وسواء اقتنع القارئ بالحجج التي ساقها  عن ريادة خليل خورج الروائية، أم لم يقتنع بها، فقد قدّم  بحثاً استقصائياً في بواكير الرواية العربية جديراً بالإعجاب، لا نلتقي به في الدراسات الأدبية العربية الراهنة إلا صدفة.

نتاجات ابداعية: روايته "وي... إذن لست بإفرنجي" صدرت في 1859 لتسبق أعمال هيكل والمراش والبستاني ... القاهرة تعلن خليل الخوري أول روائي عربي.

يذكر أن رواية  "وي... إذن لست بإفرنجي" الصادرة في عام 1859 هي الأولى عربياً وقد كانت مجهولة الى أن اكتشفها مصادفة الباحث المصري محمد سيد عبدالتواب وسرعان ما تبناها "المجلس الأعلى للثقافة" في القاهرة وأصدرها مع مقدّمة للكاتب المصري سيد البحراوي. وقد قيل آنذاك ان هذا الكشف المهم يُكسب الرواية العربية بعداً تاريخياً إضافياً، ويختم السجال الذي ما برح قائماً حول الرواية الأولى التي افتتحت الفن الروائي العربي.

كما يذكر أن نقادا كثر قد اجمعوا على تميز الخوري في اعتماده على  لغة هي بين الفصحى والعامية، أكدت مدى وعيه للفن الروائي الذي شاءه ان يكون قريباً من لغة الحياة مبينين أن لغته في هذه الرواية تختلف تماماً عن لغته الشعرية الموغلة في الفصاحة والبيان رغم أنه  كان شاعراً مجلّياً في عصره مشيرين الى إتقانه  اللغة الفرنسية الامر الذي ساعده على الإفادة من مفهوم الرواية الفرنسية وتقنياتها الحديثة آنذاك، فراح يبني روايته وفق المعمار الأوروبي، متخلصاً من العوائق الكثيرة التي كانت تعترض العمل الأدبي، ومبتعداً من فن المقامة والسرديات الأولى خصوصا وهو يتطرق في روايته الى العلاقة بين الشرق والغرب بطريقة عفوية وغير إيديولوجية عبر أربع شخصيات تعيش صراعاً حول الهوية والانتماء بعضها يميل الى الغرب وبعضها الى الشرق.

التعليق