"مشارب الرهبة": هالة من الأسئلة أقرب للأدب منها إلى الفكر

تم نشره في الثلاثاء 8 أيلول / سبتمبر 2009. 10:00 صباحاً
  • "مشارب الرهبة": هالة من الأسئلة أقرب للأدب منها إلى الفكر

زياد العناني

عمان - يودع الشاعر نادر هدى في كتابه "مشارب الرهبة" الصادر عن دار البيروني للنشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة طرفا من سيرته، وبعضا من رؤاه بهالة من الأسئلة هي أقرب إلى الأدب أقرب منها إلى الفكر.

ووجه هدى في بداية الكتاب رسالة إلى الناقد حفناوي بعلي مقدرا جهوده في كتابه "الحداثة الشعرية وفاعلية الكتابة" المؤلف عن تجربته، مشيدا بمكنوزه الثر ومادته العلمية العميقة.

ونظم هدى كتابه في مشارب خمسة هي:"منازل الوجد" و"حرائق الروح" و"جمرة الذاكرة" و"حوار الذات والآخر" و"اشجار الكلام"، ولكل منها موضوعه، وهي تقود أيضا إلى حواراته في مجال -الرؤية والإبداع- وما هي الرسالة التي يراها كمبدع في فكرة جمع حواراته في كتاب؟

حيث يقول:"هي إشارة دالة لعل الدارس يجد فيها مبتغاه، ثم إنها رغبة المبدع في أن يرى تراثه مصانا، ثم إنها هامش خصب وثري للقصيدة وللتجربة".

ويضيف هدى: ولما كانت تجربتي "إشكالية" كونها ذات خصوصية في "قصيدة النثر" و"القصيدة البصرية" وتجريب التشكيل فيهما وجدت أن هذه الحوارات من شأنها أن تسهم في قراءة هذه الإشكالية، كونها تمثل مسيرة قصيدة النثر في بعثها الثاني على المستوى العربي، وكونها تمثل الإرهاصات الأولى لبداياتها على مستوى الأردن.

ويستذكر هدى كيف كان ينظر إلى قصيدة النثر وكأنها "نبت شيطاني" أو "نظرة العاقل إلى السفيه"، إلى أن أخذت مشروعيتها في الأردن، وعلى مستوى المشهد الإبداعي العربي عامة.

ويتساءل: هل حسمت المشروعية بالنسبة لقصيدة النثر؟

ويقول: نعم ولم يعد الحديث عن ذلك إلا في تاريخ الأدب. أما في الادب ذاته فهي جنس أدبي، ولكن في النفس شيء من "حتى".

وفي المشارب أيضا يقول هدى كانت "هدى" أو الاسم الثاني الذي اختاره رمزا وقناعا متعدد الأدوار يرى من خلاله نفسه أو قيمة لأمر ما يتبدل بتغير الأحوال والمقامات والأهداف والآمال والآلام.

ويعتبر أن اسم هدى أخذ جملة من المعاني، فهو نبض قلبه وفؤاده وحبره وتبره وبوصلة قصيدته وعاصمتها الأثيرة، وهو رمز الفضل والفضيلة وقيم الحق والخير والجمال، وهو الكرامة الشخصية والوطنية والحاضنة الحضارية والإنسانية لكل جميل محتفى يسهم في إثراء إنسانية الإنسان.

ويضف: إنه نبض القصيدة معنى وحلما ورؤى، وهو بئر الذاكرة ومعين التجربة، لذا وجدتني أراها ذاتي والآخر والعالم الأجمل، منتهى حلم القصيدة وسدرته العالية، وكذا تجلت في كتاباتي الشعرية كما السردية.

ويقول: في كتاب "مشارب الرهبة" هذا الذي هو سيرتي الإبداعية كانت "هدى" حاضرة، فإذا هي أناي وكلي ومن أخاطب، وإذا هي الحالات والأحوال لا أحل بمقام إلا وحلت معي، إنها طاقة الحب المؤله لوعة القلب وسؤال والوجود.

ويتوقف هدى عند طقوس الكتابة لديه ويقول: ما إن يأتي الإيحاء بالنبضة الأولى حتى يستبد شعور الكتابة، فلا أستطيع إلا أن ألبي داعيه فلكل مبدع طقوسه، وبالنسبة لي أكون خارج "معيار الرجل العادي"؛ أي خارج معيار الطور الطبيعي بالمنظور الاجتماعي وفي حالة محرجة جدا بالنسبة لي ذلك أن الكثير لا يفهمها أو يعيها، أو ليس معنيا فيها يكون الضجر والشرود حالا وتعمني سحائب من الحزن والشعور بالوحدة الخانقة وعبث الأشياء ويتضاءل كل شيء أمامي، وكأنه بلا معنى.

ويضيف: في مثل هذه الحالة يستحضر الموت سبيلا للخلاص، إنه شعور ما قبل الكتابة في مخاضها وأنائها، أما عندما أضع قلمي بعد أن أكون قد كتبت وعمني شعور الامتلاء فيما كتبت...، فأبدأ في إعادة توازني وشيئا فشيئا أعود إلى معناي كإنسان اجتماعي، وبعد وقت أعود لما كتبت بموضوعية تامة، وكأني لست الذي كنته، ويبدأ دور المعاودة ليأخذ النص شكله الذي أرتضيه.

ويقول هدى: إن العمل الإبداعي جرح نزفه حبر الكتابة وطاقاتها الدلالية وإحالاتها وبه تدون لتمنح النص دينامية التحول والإشارة في فضاء يتحرك فيه النص محددا زمانه ومكانه في جامع من مرتكزات القيم والمفاهيم التي هي تعابير دالة فيه، في عالم لا متناه من نسيج الاقتباس والحوار مع الآخر عبر إبعاد الزمن.

ويرى هدى أن النص هوية صاحبه المعبرة عن أسلوبه وثقافته وصدقه الذي يستمد من ذاته أنّى تحددت وتعددت القراءات النقدية والجمالية والشعرية، وأنى كانت زاوية النظر إليها: اجتماعية أم نفسية أم دائرة مغلقة ينمو النص ويتشكل وفقا لقوانيها وشروطها الخاصة به، وأنى كانت متغيرات النص الأدبي إنْ لجهة شخصية المبدع وتاريخه، أو شخصية المبدع وتاريخها، أو اللغة وتاريخها وخصائصها.

ويؤكد هدى أن قراءة النص والمقاصد الكامنة وراءه، لا تتأتى إلا من خلال الطاقة التي يدل ويشير إليها ومن خلال التناص برموزه الذي هو أمر لا مفر منه في علاقاته مع الآخر عبر أبعاد الزمن: ماضيه وواقعه واستشراف مستقبله من خلال رموزه التي تثري الموضوع بمضامينه المتنوعة والعميقة، وتحقق له الكيفيات القرائية وعبر مظاهره اللغوية التي هي محض نشاط له لتكون قراءة النص فهما جديدا له متغايرا بتعدد القراءات.

zeyad.alanany@alghad.jo

التعليق