الشعراء ما يزالون يرفضون وداعه: "محمود درويش حاضر في غيابه"

تم نشره في الأحد 9 آب / أغسطس 2009. 09:00 صباحاً
  • الشعراء ما يزالون يرفضون وداعه: "محمود درويش حاضر في غيابه"

الذكرى الأولى لرحيل صاحب "لماذا تركت الحصان وحيدا"

عزيزة علي

عمان–عام مضى على رحيل الشاعر محمود درويش، بعد أن توقف قلبه عن النبض، غير أن قصائده رفضت التوقف، واستمرت في تحليقها الأبدي نحو تخوم معلومة الحواشي.

لعل هذا الجزء هو أوضح ما يستأنسه أصدقاؤه الشعراء، الذين قرأوا معه كتاب الشعر، وحاربوا خرافات كثيرة من أجل أن تستقر الشعرية العربية على ما هي عليه الآن، فاتحة بابا آخر أمام التطور.

الشعراء يرفضون مقولات الغياب بالنسبة لصديقهم الذي ودعهم باسما، وأكدوا أن ما يفتقدونه هو "طلته البهية"، ووجهه الذي يخفي خلف ابتسامة غامضة، آلاما مبهمة رافقته على مدى سنوات عمره الأخيرة.

"الغياب الجسدي" لم يستطع أن ينسي أصدقاءه الشعراء، ولا جمهورا عريضا، امتد من مراكش إلى البحرين، قصائد خطها درويش لأمّة فقدت بوصلتها، فأراد لها الاهتداء.

لم يكن تأبينا ذلك الحديث الذي دوّنه شعراء عرب عن صديقهم الغائب عن "عرسه" اليوم، بل نظر في ذاكرة صافية، ظلت متوقدة لجميع ما حققه درويش من أمنيات، كانت مستغلقة للشعر، ففتحها بأخيلته المدهشة، وعبد طريقا سلكه كل من جاء بعده.

إنه محمود درويش الذي لم يشأ أن ينقص الغياب، فخطا إليه متمما.. لكنه لم يغب، هكذا قال أصدقاؤه الشعراء:

سعدي يوسف: أوضح الشعراء في تطوره

لم أشعر لحظة واحدة بأن محمود درويش غائب، بل هو حاضر دائما، فهو بالنسبة لي صديق وشخص نبيل أحس أننا معا دائما.

أتذكر آخر لقاء لنا معا في باريس قبل ذهابه إلى أميركا من أجل إجراء بعض الفحوصات، حيث نصحه الأطباء الفرنسيون بمخاطر إجراء هذه العملية. بعد ذلك ذهب درويش إلى عمّان ومنها إلى رام الله للقاء أمّه، ثم الذهاب إلى أميركا وإجراء تلك العملية المشؤومة.

إذا كان شيء اهتم به الآن فهو: هل ستبدأ مساع نقدية لبيان الدور الذي قام به درويش في تطوير النص الشعر العربي، وفي الأداء اللغوي في هذا النص؟.

إن درويش من أوضح الشعراء فيما يتعلق في تطور قصيدته، فبإمكان المرء أن يرصد بدقة التطور الفني لدى درويش، ومراحل هذا التطور وخصائصه البارزة في كل مرحلة من مراحله.

اعتقد أن المرحلة الأكثر إخصابا وتجريبا عند درويش هي تلك التي بدأت في ديوانه "ورد أقل" الذي صدر في العام 1987، إلى أن وصلت إلى ديوانه الذي نشر بعد رحيله "لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي".

في هذه المرحلة الغنية والطويلة في التجريب دخل درويش الشعر من أوسع أبوابه وأضيقها، إذ إنه حقق ما يريد، لكن عبر جهد شاق ودقيق ومراقبة واعية للنص، وما ينبغي أن يكون عليه النص.

درويش لم يكن شاعرا متعجلا رغم غزارة إنتاجه، فهو يحترم الشعر والفن واللغة العربية، وهو يرى أن "الرواية هي معجزة العرب، وأن الشعر هو معجزة البدوي ودينه".

شاعر عراقي

قاسم حداد: محمود درويش في الحلم

نعرف أن الموتى لا يقدرون على الحلم، لكن من المتوقع أن كثيرين منهم يمكن أن يدفعوننا إلى الحلم، وعلى الأرجح أن الشاعر محمود درويش هو من بين أقدر الموتى على دفعنا للحلم. وسنحتاج قدرا كبيرا من الاحتمال لنصدق أن عاما من حياتنا يمر الآن على موته.

الآن، سيجوز لنا أن نتمنى لو أن كتابا شعريا أخيراً لشاعر مثل محمود درويش، قد حصل على الاهتمام النقدي من دون أن يتعرض للملابسات المربكة التي رافقت صدور كتاب "لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي. فربما سنحصل على فرص التقدير المناسبة لتحية حميمة تليق بالشاعر الذي نحب.

الآن، سنتمنى أن نحسن الإصغاء الشعري لأنفاس وهمسات واختلاجات محمود درويش الأخيرة، بقدر كامل من الحب.

شاعر بحريني

شوقي بزيع: العالم ناقص بغيابه

الشاعر الكبير يمكن أن يعرف عادة خارج زمانه وعصره وحضوره، ولكن قد يلتبس الأمر على معاصريه، فلا يعطونه نصيبه الذي يستحق من التكريم والمعرفة، لذلك فقد تكون المعاصرة حجابا كما يقول بعض المفكرين، ولا بد أن ينتظر الناس غياب المبدع أو الشاعر لكي يقيسوا حجم المساحة الشاغرة التي خلفها وراءه.

لكن لم يكن على درويش أن يغيب لكي نعرف كم هو كبير واستثنائي، وقد قدّر له، خلافا لكثيرين، أن يلمس حجم الحضور الذي حققه في حياته.

أمّا وقد غاب فينبغي أن نقول له، كم يبدو العالم العربي ناقصا من دونه، وكم تبدو فلسطين غريبة عن نفسها في غيابه، وهي تشهد الصراع الدموي بين أبنائها، ولا تملك، باستثناء قصيدته الجامعة، الكثير من العزاء في زمن الثقل واليتم الجمعيين.

ومع ذلك فباستثناء افتقادنا لذلك الفتى الوسيم وطلته المبهرة اللتين لم يعد لنا أن نراهما عن كثب بعد الغياب الجسدي لدرويش، لا نشعر أن شيئا منه قد غاب، لأن شعره مبثوث في الماء والهواء والشجر وكريات الدم وعيون الأطفال وتنهدات النساء وغضب المقاومين.

فعلى مدى عام كامل ظل اسمه يتردد في كل مكان، وحتى بعد موته تمكن بديوانه الأخير، الذي لم يقدر له أن يتصفحه منشورا، أن يثير من البلبلة والسجالات المحمومة ما لم يثره الكثير من الأحياء.

 شاعر لبناني

عبد العزيز المقالح: حضور طاغٍ

لم أشعر يوما واحدا من أيام هذا العام الذي انصرم بعد غياب درويش أن هذا الشاعر الكبير قد غاب، فهو يملأ حياتنا وحديثنا ومنتدياتنا. وقد لا أكون مبالغا على الإطلاق حينما أقول إن "حضوره اليوم بيننا أكثر مما كان وهو على قيد الحياة".

صادقا هو ذلك القول الذي يذهب إلى أن كبار المبدعين لا يغيبون إلا بأجسادهم، أما أرواحهم وإنجازاتهم الإبداعية فتظل حية متوهجة لا تعرف معنى الغياب. يؤكد رحيل درويش هذا القول ويجعله من البديهيات التي لا تحتاج إلى براهين.

فلا ينبغي أن ننسى أن درويش كان شاعرا للقضية، وشاعرا بانتمائه إلى شعب يقاتل عن هويته ووجوده، كما أنه شاعر بموهبته الفذة والاستثنائية.

وقليلون هم الشعراء في العالم الذين يجمعون بين أصالة الموقف وتجليات الإبداع، ويمكن القول إنها رحلة طويلة ورائعة وشاقة تلك التي تمثلتها تجربته الشعرية، من تجاوز الأنماط المألوفة والمكرورة إلى المشاركة في تأسيس التجربة الحديثة ببعدها التحويلي الكبير، بما فيها من ثراء الدلالة وجماليات التعبير، لذلك استحق درويش كل هذا الحضور الفريد في حياة عامة الناس وخاصتهم، فقد نجح بقدرته المدهشة والخارقة في تمثل المرحلة التاريخية الجديدة في تاريخ الشعر العربي، بما حققه من قيم وإنجازات فنية وتعبيرية.

شاعر يمني

سيف الرحبي: غياب مادي وحضور فريد

نقرأ محمود درويش الآن، محدّقين في ذواتنا الممزقة بالغيابات والجثث والأشلاء، وتلك الطفولة المضيئة ككوكب انفصل عن هذه الأرض الصدئة، ومن المستحيل استعادته إلا عبر الحلم والشعر، ونقرأ تاريخ المرحلة فلسطينياً وعربيّا، ونقرأ تاريخ القرن العشرين، وكل قرون العذابات البشريّة.

درويش من القلة في شعراء العالم عبر التاريخ، الذين ربحهم الشعر والنثر، وربحتهم القضيّة والمبادئ الجوهريّة "ليس من غير ريبة وتوجس"، والذين استنزفوا أعمارهم من أجلها.

تبقى فاجعة غيابه المادي وحضوره الفريد، تلك الشخصية المركبة التي تفصح عن بساطة وطيبة، مثلما تتوارى في الترّفع والغموض وفق متطلّبات المواقف والأمزجة والحساسيات. يطبعها المرح وعادية التفاصيل اليومية، القرب وكسر الحدود، مثلما يطبعها الاسم والتوقيع والأسطورة.

محمود درويش كان يعرف كيف يمسك بخيوط العلاقات البشريّة وقسطاط المسافات الغائمة والمعتمة في الحياة والشعر.

شاعر عماني

التعليق