الكثير من نار سلاح الجو والقليل من القوات البرية

تم نشره في الاثنين 22 حزيران / يونيو 2009. 10:00 صباحاً

 

معاريف – عوفر شيلح

بعد بضعة ايام من انتهاء حملة "رصاص مصهور" اطلع رئيس الاركان الصحافيين في مكتبه في تل أبيب على صورة الوضع. وبدا غابي اشكنازي تعبا، ولكنه كان راضيا بالتأكيد.

بصوت هادئ، ومن دون تعابير كبيرة عرض الاستعدادات للحملة وسياقاتها. وقد اعدت القوات كما قال بالتعاون بين الوحدات المختلفة وكانت التدريبات موجهة للمهمة. بدأ الاعداد الاساس على الارض ايضا: فقد عرفت القوات ماذا ينتظرها ونجحت في الوصول الى الكثير من مواقع العدو بالحجوم الضيقة. وهكذا تحققت مفاجأة محلية ساعدت في انهاء الحملة بالحد الادنى من الخسائر.

الحاضرون من القدماء لم يكن بوسعهم الا يبتسموا لسماع عبارة "بحجوم ضيقة". فهذه عبارة دارجة على لسان الجيش الإسرائيلي وهي عبارة قديمة ربما أكثر من غابي اشكنازي نفسه: الدفاع يجري بشكل عام مع حد اقصى من الأفراد وجبهة واسعة تتضمن المواقع التي يتوقع أن يستخدمها العدو في الهجوم. ولكن الهجوم يقتضي اللجوء إلى الحجم الضيق، أي من الجناح، لأنك ستخلق مفاجأة وتقف ايضا حيال مقاومة ضعيفة وفي حدودها الدنيا.

الخطر: العبوات    

وكانت هذه هي الرسالة غير الخفية لاشكنازي: جيشه يعود لان يكون الجيش الذي كأنه ذات مرة او بشكل أدق الجيش الذي احببنا ان نفكر به – تكتيكي، وجذري، وجاهز لمهماته، ومتمسك بالقواعد الاساس للاسلحة والقيادة. رئيسه ينظر قبل كل شيء الى الأسفل والى الداخل – اشكنازي، كما هو معروف، سيصل بعد قليل الى سنتين ونصف في المنصب ولم يعط مقابلة حقيقية لأي وسيلة اعلام – ويفحص مرؤوسيه بادوات تبدو قديمة ولا تخجل من أن تكون كذلك. كما أنه يمنحهم اسنادا من النوع القديم: لن تكون هناك لجان تحقيق في هذه الحملة، كما كلف اشكنازي نفسه عناء التشديد، بل تحقيقات عملياتية معيارية. باختصار، "رصاص مصهور" الحملة البرية الاساس لعهد اشكنازي حتى الان ستكون رمزا للعودة الى القيم القديمة والطيبة.

الحياة بالطبع ليست بسيطة بهذا القدر، فقسم غير قليل مما قاله رئيس الأركان عن "رصاص مصهور" كان صحيحا، ولكن ذلك لا يدل بالضرورة على الجيش الإسرائيلي في حالات اخرى: فقد كانت هذه حملة أعدت مسبقا منذ سنتين، في منطقة صغيرة، تخضع للسيطرة الكاملة جويا واستخباريا، وكانت معروفة جيدا للقوات من أيام تواجها فيها لسنوات قبل فك الارتباط. وبالاساس، كانت هذه من دون عدو حقيقي – وبالتأكيد ليس عدوا يقاتل بقوة. كان الخطر على الوحدات التي عملت في المنطقة من العبوات والافخاخ.

وقال ضابط كبير إنه لم يذكر مكانا واحدا قاومت فيه حماس بخمسة مقاتلين من الحركة. وهذا بسبب القوة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي، لكن ذلك لا يعني شيئا ولا يعكس صورة عن أداء القوات حيال مقاومة أكثر تنظيما وحتى وان كانت كتلك التي وضعها حزب الله في حرب لبنان الثانية. إن الاحاديث عن "اعادة بناء الجيش" هي في اساسها تعابير اعلامية عن الخوف غير العقلاني الذي ألم بالجمهور بعد لبنان، وليست وصفا لحالة حقيقية.

والاهم من كل ذلك، فان جيش "رصاص مصهور" عرض مفهوما للعمل وسياسة نارية وجدت تعبيرا للأمرين الاساسين اللذين يفهمهما من الجمهور الإسرائيلي: الشرعية المطلقة لأي استخدام للقوة، مهما كان الثمن بالنسبة للطرف الاخر؛ والتشديد على الامتناع عن الخسائر في صفوف قواتنا، الامر الذي يعتبر في الجيش (أكثر حتى مما هو لدى الجمهور الذي غضب على اصابات لبنان بسبب احساس الفشل في الحملة نفسها أكثر مما هو بسبب عددها) نزعا للشرعية تقريبا عن أي خطوة فيها مخاطر. فقد استثمر الجيش الإسرائيلي في "رصاص مصهور" وسائل واستخدم سلاحا بكميات غير مسبوقة بالنسبة لحجم المنطقة، وقوة العدو وحقيقة أن قسما كبيرا من العملية كان في منطقة مدنية مكتظة. وقد فعل ذلك انطلاقا من مفهوم ان هذا ما يفضله الجمهور الإسرائيلي – وكل ما حصل خلال القتال وبعده يبرر هذا المفهوم.

"رصاص مصهور" أكدت للجيش وقائده فرضياتهما الاساس – والتي لا يقولها احد بصوت عال: المجتمع ضعيف، يخاف من الضحايا ويسارع الى الاعلان عن التقصير؛ والقيادة السياسية مشوشة، على شفا الجبن، ولن تتخذ ابدا قرارا واضحا ينقل اليها المسؤولية. وعلى مدى القتال اتخذ اشكنازي في الحكومة موقف "انتم تقولون ما تريدون، ونحن نعرف ما نفعل". وواصل هذا الخط حتى عندما كانت القيادة السياسية، التي كانت منقسمة في داخلها، قد ميعت قرارات كانت ترغب فيها وقادتها الى اماكن عارضتها، اولا وقبل كل شيء مجرد الحملة البرية واستمرارها على مدى نحو اسبوعين. اشكنازي، بحذره، قاد خطة قتالية تقدمت بحذر وابقت القوات اساسا في "حالة دفاع" وامتنعت عن أي هجوم وتثبيت حقائق على الأرض.

إن الجيش الاسرائيلي ما بعد "رصاص مصهور" يواصل الادعاء باسم مفهوم "جيش الشعب". ولكنه آخذ في الابتعاد عن اجزاء كبيرة منه. ديمغرافيا، كان الميل المتواصل لـ "جيش المحيط" يجد تعبيره في الحملة: في اوساط القوات المقاتلة كانت نسبة كبيرة من الجنود المتدينين، ودور الحاخامية الرئيسة (ومحافل حاخامية غير عسكرية) بشكل غير مسبوق. واضافة الى الانطواء الغاضب ابتعادا عن وسائل الاعلام، وظهور الضباط الميدانيين كمحامين مدافعين عن النصر، والذي برر في محادثات مغلقة بالحاجة الى بث رسالة ايجابية للقوات واظهار صورة قوة، فان الجيش الإسرائيلي بدا في الحملة وما بعدها كمن يحاول اقناع نفسه بان كل شيء على ما يرام، وانه يعمل انطلاقا من الاحساس بالظلم الدائم من جانب الحكم، وسائل الاعلام والمجتمع بشكل عام.

الاحتياط للتهدئة

من ناحية بناء القوة فان الجيش الإسرائيلي الحالي يواصل التمزق بين جيش الشعب وبين حقيقة ان اساس قوته ونفوذه يوجد اليوم في يد سلاح الجو، المبني كسلاح مهني بكل معنى الكلمة. وفي "رصاص مصهور" ايضا تحقق معظم الاثر بوسائل جوية، وقد استخدمت القوات البرية أساسا كي تهدىء المخاوف في إسرائيل. وهذه ستكون ايضا الخطط في حالة المواجهة مع حزب الله او سورية: الكثير جدا من سلاح الجو، واطلاق نار بلا تمييز يرمي الى فرض الشلل من خلال التدمير، وقوات برية قليلة نسبيا وحذرة جدا.

التعليق