أكاديميون يرون في سيطرة العامية "خيانة" قومية ومخالفة صريحة للقانون

تم نشره في السبت 25 نيسان / أبريل 2009. 09:00 صباحاً
  • أكاديميون يرون في سيطرة العامية "خيانة" قومية ومخالفة صريحة للقانون

الجامعة الاردنية تحت استعمال العربية الفصيحة في التدريس والمخاطبات الرسمية

محمد جميل خضر

عمان-  البلاغ الذي وجّهه رئيس الجامعة الأردنية د. خالد الكركي إلى أعضاء الهيئتين الإدارية والأكاديمية في الجامعة بضرورة "مراعاة سلامة اللغة في مراسلاتهم وأحاديثهم ومخاطباتهم"، جاء، بحسب نائبه لشؤون الكليات والمعاهد الإنسانية د. صلاح جرار "بعد تفشّي ظاهرة الحديث بالعاميّة بين أعضاء الهيئة التدريسية وفي قاعات المحاضرات وبين الطلبة أنفسهم".

ويؤكد جرار أن تبني إدارة الجامعة الأم هذا التوجه جاء إلى ذلك، بعد "تفشّي الأخطاء اللغوية الكثيرة في الكتب الرسميّة التي يتخاطب بها العاملون في دوائر الجامعة".

ويرى جرار في سياق إيضاحه لـ"الغد" حيثيات الفكرة وتداعياتها، في البلاغ "انتصاراً من الجامعة للغة الأمّة وهويتها في ظلّ الإهمال والاستهداف الذي تتعرض له".

يقول جرار "لا شكّ في أنّ التنبيه إلى خطر هذه الظاهرة سوف يؤدّي إلى التقليل ولو تدريجياً من انتشار هذه الآفة، والحدّ من استخدام العاميّة واللهجات الدارجة في التخاطب والتدريس، والتخفيف من حجم الأخطاء اللغوية التي يكثر وقوعها في المكاتبات الرسميّة".

وفي حين ينتصر كثير من الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة الأردنية لقرار الكركي، ومطالبته بضرورة "مراعاة سلامة اللغة في مراسلاتهم وأحاديثهم ومخاطباتهم"، فإن عدداً آخر غير قليل من الطرفين لا يتوقع نجاح التجربة في ظل "التراجع المدوي" الذي تشهده لغة القرآن الكريم، "وانفضاض أبنائها عنها".

ويتساءل طالب السنة الخامسة في كلية الطب همّام يحيى عن الآليات الممكنة لجعل لغة التدريس في كلية مثل كليته هي اللغة العربية.

ويستعرض يحيى بلغة الأرقام صعوبة تحقيق ذلك في معظم الكليات العلمية، خصوصاً أن مراجع تخصصه (على سبيل المثال) ومصادره جميعها، بما في ذلك الكتب المقررة من قبل مدرسي المساقات، هي باللغة الإنجليزية.

ويكشف يحيى أن الترجمات المتوفرة لمتعلقات تخصصه من كتب ودراسات وكراسات تطبيقات عملية، هي ترجمات "بغاية الضعف"، ومنجزة بطريقة "غير مهنية".

ويتساءل يحيى بما يحمل صوت الألم: "ما الجدوى من تدريس علم بلغة لم تنتجه ولم تكن في الزمن المتحقق بين يدينا فاعلة فيه، أو صاحبة ريادة مؤثرة في حقل من حقوله، ولم يقدم فيه علماؤها واختصاصيوها إسهامات لافتة؟!".

وحتى الأبحاث التي يقدمها طلبة الطب في مختلف مراحل دراستهم، ورسائل الحصول على درجة الماجستير أو الدكتوراه فيه تنجز، بحسب يحيى، في اللغة الإنجليزية.

وعلى عكس طالب الطب، فإن طالبة السنة الثالثة في تخصص اللغة الإنجليزية يسرى أبو غليون مع توجه إدارة الجامعة باعتماد اللغة العربية وسيلة تواصل وحيدة بين الطلبة ومدرسيهم، ومع إقرارها بصعوبة تطبيق البلاغ الموجه من رئيس الجامعة، خصوصاً مع وجود أعضاء هيئة تدريس غير مؤهلين مباشرة لفعل ذلك كما تتوقع، فإن أبو غليون تدعم البلاغ، وتصفه بالمنصف للغة "آبائنا وأجدادنا".

وحول إلى أيّ مدى يتوقّع التزام أعضاء هيئة التدريس بمضمون كتاب رئيس الجامعة، يجيب د. صلاح جرار "الهدف من الكتاب هو الالتزام، ولكن لا بدّ من الاعتراف بأنّ مثل هذا الالتزام لا يتحقّق بين عشيّة وضحاها، ولا بدّ أن يستغرق بعض الوقت، وهذه في العادة مهاراتٌ لا يكتسبها المرء دفعة واحدة، بل لا بدّ من أن تكتسب بشكل تدريجيّ".

ويكشف جرار أنّ الجامعة تدرس إمكانية عقد دورات خاصّة في مهارات اللغة العربيّة لمن يرغب من أعضاء الهيئتين الإدارية والأكاديمية، ويفيد أن هذه الدورات ستشمل "أعضاء الهيئات التدريسيّة كافّة سواءً في الكلّيات الإنسانية أو العلمية". وستحاول في حال تنفيذها التركيز على "القواعد الأساسية أوّلاً ثم التركيز على اللغة التي تخدم كلّ تخصّص على حدة، فللطب مفرداته ومصطلحاته الخاصّة، وللكيمياء مصطلحاتها الخاصّة، وللتجارة والقانون والفقه وغيرها مفرداتها ومصطلحاتها الخاصّة بها"، كما ستحاول هذه الدورات، بحسب جرار، تعليم الكوادر الإدارية "أصول تحرير المكاتبات باللغة العربيّة، وستحاول كذلك تنبيه جميع الدارسين إلى الأخطاء اللغوية الشائعة".

ويتساءل جرار عن جدوى أخذ موقف الطلبة من هذه المسألة بالاعتبار، ففي رأيه أن موضوع سلامة اللغة لا ينبغي "أن يخضع لمساومة"، فهي "لغة الأمّة وعنصر رئيسي من عناصر هويتها"، وجامعاتنا الأردنية هي "جامعات عربيّةٌ، عليها أن تحافظ على لغتها وتحتفي بها بمختلف الوسائل الممكنة".

ويذهب جرار إلى أن التدريس باللغة الإنجليزية في بعض التخصّصات هو "قضية لها ظروفها وأسبابها"، ولا بدّ، برأيه، قبل المطالبة بتغيير لغة التدريس إلى العربيّة من "توفير الشروط اللازمة لهذا التغيير مثل تنشيط حركة الترجمة من اللغات العالمية إلى العربيّة، والبحث عن مصطلحات علميّة جديدة باللغة العربيّة، وتشكيل لجان دائمة للعمل على تعريب التعليم، ولا بدّ كذلك أن تكون جامعاتنا - أوّلاً وأخيراً- هي المنتج لهذا العلم الجديد".

الطالبة في السنة الثالثة من تخصص اللغة الإنجليزية التطبيقية دنيا صيصان مع التوجه لأن طلبة الجامعة لديهم "نقص في اللغة العربية الفصيحة" التي تنم برأيها عن "هويتنا وثقافتنا".

وهو ما تعارضها فيه طالبة السنة الثالثة في تخصص اللغة العربية وآدابها سونيا بدير التي رغم وصفها القرار بالجيد، إلا أنها لا تؤيد فرض اللغة العربية على التخصصات الأخرى، غير تخصصها.

بدير تتساءل في هذا السياق: "ما الذي يستفيده طالب الطب أو الصيدلة أو الهندسة من العربية الفصيحة؟!".

وترى زميلة بدير في التخصص نفسه والسنة نفسها راية النسور أن القرار يشكّل انتصاراً للعربية الفصيحة، بعدما لاحظت أن كثيراً من الطلبة يستخدمون كلمات عامية في سياق إجاباتهم الشفوية عن أسئلة مدرس مساق ما من مساقات العربية وآدابها.

ويرى أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية د. أحمد ماضي الرئيس السابق لرابطة الكتاب الأردنيين، أن الرسالة التي خاطب بها د. خالد الكركي العاملين في الجامعة، ولاسيما أعضاء الهيئة التدريسية، جاءت "في أوانها"، وبصراحة أكثر يقول ماضي "ربما جاءت متأخرة جداً، ذلك لأن التدريس بلغة عربية فصيحة أو سليمة واجب قومي على كل عضو هيئة تدريس".

ويورد ماضي أن قانون الجامعات الأردنية ينص على أن اللغة العربية هي لغة التدريس. ومما يؤسف له، بحسب ماضي، أن التدريس في بعض الكليات والتخصصات "يتم بلغة أخرى، أعني الإنجليزية"، الأمر الذي يعني بالنسبة لماضي، "خرقا للقانون المذكور"، ويقول "صحيح أن الاستثناء جائز ويمكن اتخاذ قرار بشأنه، ولكن الجائز صار حقاً لهذه الفئات من أعضاء هيئة التدريس، وكأن اللغة العربية عاجزة أو قاصرة عن استيعاب العلوم جميعها دون استثناء".

ويورد ماضي معلومة جديرة بالانتباه أن الجامعة الأميركية في بيروت كانت عند افتتاحها تدرس شتى التخصصات باللغة العربية "ومن المعلوم أيضاً أن جامعة دمشق تدرس الاختصاصات جميعها بما فيها الطب باللغة العربية".

ولا يقصد ماضي، كما يوضح "تقوقع الأمة"، واكتفاءها باللغة العربية "إذ لا بد من إيلاء إحدى اللغات الأخرى، ولا سيما الإنجليزية اهتمامنا البالغ".

والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن ماضي هو: هل بمقدور (الدكاترة) التدريس بلغة عربية سليمة؟ ومن دون توقف يجيب ماضي عن سؤال نفسه "كثير منهم غير قادر على ذلك". ويدعو في ضوء ما تقدم، وبناء على تلك الحقيقة، رئيس الجامعة إلى التفكير جدياً بعقد دورات مكثفة للارتقاء بهذه الفئة من حيث معرفتها اللغوية "كما أدعوه إلى عقد دورات مماثلة للجدد من أعضاء هيئة التدريس".

ويرى ماضي أنه ينبغي أن يوازي الحرص على التدريس بلغة سليمة، حرص (الدكاترة) على أن يتحدث الطلبة ويجيبوا بلغة سليمة، سواء أكانت إجاباتهم تحريرية أم شفهية.

وما يصْدُق على الجامعات، يصْدُق، بحسب ماضي، على مؤسسات التعليم الأخرى "أعني كليات المجتمع والمدارس". 

ويتساءل: ماذا يعني أن القرآن الكريم أنزل باللغة العربية؟ ويجيب "إنه يعني أن لهذه اللغة أولوية في حياتنا ولاسيما الأكاديمية والتعليمية منها".

ويختم ماضي بالقول "لا بد من اتخاذ قرار سيادي من أعلى سلطة في الأردن بأن تُحترم هذه اللغة، ويكون التدريس بها في كل مكان وعلى أعلى المستويات ومختلف الصعد. ومرة أخرى لا يعني ذلك التقليل من اللغات الحية الأخرى، ولكن اللغة العربية أولاً".

ورغم دراسته مختلف مراحل تحصيله الأكاديمي الجامعي باللغة الروسية، وحصوله على درجاته الثلاث؛ البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من روسيا، إلا أن ماضي درس العربية على نفسه بعد عودته من هناك. وهو الآن يتقنها بما لا يقل عن الحاصلين على درجات علمية فيها.

وتصف رئيسة تحرير مجلة أقلام جديدة التي تصدر عن الجامعة الأردنية د. امتنان الصمادي، الدعوة  بـ"شرارة البدء وتعليق للجرس الذي كاد يصدأ".

وترى أنها دعوة لا تستمد جرأتها من مضمونها "ولا سيما إذا عرفنا أن الحديث في الأوساط العلمية باللغة الفصيحة هو الحق الطبيعي الذي فقدته اللغة العربية منذ زمن بعيد"، وإنما تكمن الجرأة في "التصريح بهذه الدعوة بما يشبه القرار، فالدكتور خالد الكركي أكاديمي شربت الجامعة من وهجه فأشرقت مرافقها وأنشطتها وفعالياتها، فهدف إلى التطوير والتجديد برؤية حداثية عمادها موروثنا العربي الإسلامي العظيم".

وتتمنى الصمادي لو أطلقت مثل هذه الدعوة قبل ذلك بكثير نظرا "لحجم المعاناة التي نعيشها في ظل التحديات العالمية التي تجد طريقها إلى حياتنا ودواخلنا بسرعة وسهولة ونلمسها في الغرف الصفية في المعلن والمكتوب من الطلبة والأساتذة".

 وتخص هنا الطلبة الذين يمدون مجلة أقلام جديدة بنماذج من كتاباتهم الإبداعية، التي تفتقر لدى البعض منهم إلى "أدنى مستويات التركيب اللغوي السليم, علاوة على سوء فهمهم للفنون الأدبية وتصنيفاتها حتى أن بعضهم يتهمنا بالتشدد  في شروط النشر علما أننا نطلب الحد العادي من التعبير اللغوي السليم".

وتعبّر الصمادي عن اعتقادها أن هذه الدعوة ستقابل بردود فعل متباينة بين "المتحمس حماس الأبي الغيور" وبين "الرافض المستهجن الذي يرى في اللغة عجوزا هرما مخجلا".

وبين هذا وذاك ترفع الصمادي "دعوة ماسة تقع على عاتق أهل الاختصاص في اللغة بأن يكثفوا البرامج التعليمية المعينة لتعليم العربية غير المقعرة أو المتكلفة لجيل المتعلمين كي لا تكون مسألة تعلمها عصية وحجة".

 وترى ضرورة أن يقابل هذا "بوازع داخلي مقبل على التعلم لدى كل من ينبض دمه بحس عروبي أصيل"، حينها، كما تؤكد الصمادي بحزم، يتحقق "الرد الحقيقي والعملي على عمليات الاستلاب الثقافي والفكري والحضاري التي نواجهها أمام التغوّل العالمي الجديد".

وتختم الصمادي بدعوة "الأساتذة أن يبدؤوا بأنفسهم ولا يخجلوا من اللعثمة واللجلجة في بادئ الأمر"، فالمهم عندها "أن نبدأ هذه الخطوة ما دامت تخدم هدفا أسمى وما دامت شرارة البدء أطلقت من أعلى هرم في الجامعة".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مروووووووووووووووووم (مروم)

    السبت 25 نيسان / أبريل 2009.
    الله الله يا كركي
  • »مروووووووووووووووووم (مروم)

    السبت 25 نيسان / أبريل 2009.
    الله الله يا كركي