نصر الله يحاور الشعر تشكيلياً ويخمّر عجينة البصر بالبصيرة

تم نشره في السبت 25 نيسان / أبريل 2009. 09:00 صباحاً
  • نصر الله يحاور الشعر تشكيلياً ويخمّر عجينة البصر بالبصيرة

 

غسان مفاضلة

عمان- كشف الحوار الجمالي بين حقلين تعبيريين يرفد كل منهما الآخر، عن مساحات التقاطع بين (النص البصري) الذي يمثله فضاء اللوحة التشكيلية، و(النص البصيري) الذي يمثله فضاء الشعر، والتي أبان عن أوجه التقمّصات والتحوّلات بينهما التشكيلي محمد نصر الله ببراعة واقتدار في معرضه الجديد "مرايا ترابية" الذي افتتح مساء أول من أمس الأول في جاليري دار المشرق.

منحته خصوصيته  التشكيلية على مستوى الرؤية والتقنية، وإطلاته عن قرب على فضاء القصيدة من خلال تجربة شقيقه الشاعر إبراهيم نصرالله، إمكانات مفتوحة لتوظيف النص الشعري بصرياً من دون الوقوع في منزلقات السرد الإنشائي، والتي طالما كانت مصاحبة لأعمال الفنانين في تحركهم بين الحقلين ومحاولاتهم الإمساك بما هو مشترك بينهما.   

ولأن تحاور الغامض المشترك بين فضائي الشعر والتشكيل، وتساجله على نحو تعبيري شفيف من دون الوقوع في تلك المنزلقات، لهو أشبه بمن يخمّر عجينة البصر بالبصيرة، ويستدرج برؤوس أصابعه غواية الحوار إلى مكامنها بين لون الرجاء ولون التراب.

ومع خميرته الأولى، واستدراجاته المتئدة للغة بصرية مفتوحة على واقعه ومحيطة الناغل بالآلام والأحلام ، ومنذ كشف في باكورة نتاجاته الفنية الأولى قبل نحو 20 عاما، عن خصوصية تعبيرية لم يحظَ بها سوى القلة من مجايليه في الفن التشكيلي على الساحة المحلية والعربية، بدأت تشي أعمال نصرالله بتناغم وفير بين ملامح الغنائية الشعرية و(الدرامية التشكيلية)، ضمن نسيج بصري قوامة السلاسة والاقتدار، ومن دون أن يشوبه قَسْرٌ أو إقحام.

فمنذ "أناشيد التراب" و"طيور وفزاعات" و"فضاء آخر" و"أرض أخرى"، وصولاً إلى معرضه الحالي "مرايا ترابية"، الذي يحاور فيه الشعر ويساجله تشكيلياً بما يضيف إلى تجربته ويغنيها، يواصل نصرالله، المولود في مخيم الوحدات العام 1963، رفد أسلوبه، الذي ابتكره لنفسه وميّزه عن الأساليب الفنية الأخرى، بمخبوءات ذاكرته مما اختزنته من موضوعات متنوعة خبرها وعايش تفاصيلها عن قرب.      

وعندما يتذكّر الفنان، الذي تأثرت أعماله بالواقع اليومي الإنساني والبصري المحيط به "عندما كنت أسكن في مخيم الوحدات قبل أربعين عاماً، كنت أزرع الخشب في أكوام رمل صويلح لأشكل أناساً، وأقضي ساعات طويلة في اللعب بفكها وتركيبها، ولا أعرف كيف يبقى في ذاكرتي من ذاكرة الطفل هذا الإحساس والمعرفة"، فإنه يدرك أن استخدامه للمواد التي عرفها في بيئته مثل الرمل، والخشب، والقماش، والألوان، ستشكل رغم بساطتها العناصر الرئيسية لتجربته الجديدة في "مرايا ترابية".

مكّنه استخدامه لتلك العناصر في فضاء لوحته، والتي يحاور فيها العديد من النصوص الشعرية لشقيقه الشاعر إبراهيم نصر الله تحت عنوان "مرايا ترابية"، من إحكام سيطرته على بناء لوحته وعلى موضوعها الذي يستقيه بصرياً من روحية النص الشعري "...  لقد انتبهت إلى كون تلك التقنيات هي البداية التي تمكنني من التعامل عبرها مع الأفكار والموضوعات وهي تفرض نفسها عليّ".

موضحاً في تقديمه لرؤيته الفنية "هذا ما ساعدني على أن أتحكم في صنع عملي الفني بصورة واعية وحرة، سواء من ناحية بنائها أو من حيث الألوان واختزال الأشكال وتبسيطها".

يستقي نصرالله، الذي درس الفن في معهد الفنون الجميلة وحاز على دبلوم فنون من المركز الثقافي الإسباني بعمان، من النص الشعري فضاء الحركة البصرية وتحولاتها التعبيرية على سطح لوحته. وهي تحولات يتداخل فيها الإيقاع الغنائي للنص الشعري مع درامية التعبير التشكيلي؛ كلاهما يمنح الآخر خصائصه وصفاته، ويتماهي معه روحاً تتحقق في الشعر حيناً.. وجسداً ينشد التعبير في التشكيل حيناً آخر.

وسواء اتخذت تكوينات الفنان، الذي يبحث دائما عن مساحة مختلفة للتعبير عما يراه ويحسه، شكل الفزاعة، أو الطائر، أو قطعة خشبية تتعامد على سطح الأرض أوتتوازى معها في الفضاء، فإنها تتمثل جميعها هيئة الإنسان وروحيته وتتقمصه تعبيرياً.

تترصّد تكوينات نصر الله من شقوق عيونها، ومن مكمنها الأمين الفضاء الملوّن بلون التراب. عيونٌ ووجوه مقنعة وأياد عمياء: الكلُّ يَسْرد الهواء بطريقته، توجساً وريبةً واحتداما. والكلُّ يستطلع الغامض الغائب من حضور التراب الكثيف. وما أن تحتشد في كائنات نصر الله إمكانات المواجهة مع الخارج، حتى تصبح ضراوة التعبير عن الداخل، مواجهةً أخرى في مساحات الكشف والإخفاء.

تشكّل الألوان الترابية قاسماً مشتركاً في جميع أعمال الفنان بمقاييسها الثلاثة. وحين ينسرب اللون الأزرق، أو الأزرق الموشّى بالبياض على سطح لوحته، يتحرك اللونان بين كثافة الأرض وسيولة السماء، وما بين اللونين يشفّ عن الأثر المترسب في طبقات الحضور والنشور؛ حيث نتعرف على الحركة من خلال التحوّل في درجات اللون، والكتلة عبر اختزالها الوئيد للمساحة الامتداد.

تستحيل لوحة نصر الله عبر عناصر اللون والملمس والحركة إلى أثرٍ يحلّ في مرئيات الطبيعة، صورةً ومشهداً والتماعة، تتبدّى جميعها على سطح لوحته كآثار خطيّة (جرافيكية) تؤكد الكثافة والعمق، مقابل السيولة والامتداد على سطح اللوحة نفسه في سياق منفتح على نظام الاشارة في الكشف والتعبير البصريين.

يقول الفنان والباحث في الدراسات الجمالية طلال معلا  عن أعمال نصر الله "تبث قيمة شعرية إيقاعية، تؤمن التدفق العاطفي والانفعالي المأساوي في عمق جماليات الوحشة التي تعزفها اللوحات على وقع الغموض، وشروخ القشرة اللونية، وشبحيّة المسافة التي تفصل الفنان عن تخيّل طريق إلى الضفة الأخرى".

ومن النصوص الشعرية التي يحاورها نصر الله تشكيلياً نص "أب":  

"في الترابِ أبٌ صَوتُهُ راعشٌ بالصلاةِ

أصابعُه بالنّباتِ

سيخفى علينا.. ويعرفُنا!!

من هبوبِ الذبولِ على قمحِنا

: ها خُطاكمْ وها بعضُ وجهيَ فيكمْ.. تَشّردُنا المُرُّ في بيتنا

وتَغَيُّبِنا عن يدينا (وكَرْمِلِ) أسمائِنا

سوفَ نبكي.. وتضربُنا أمّنا"

ويبيّن الفنان في سياق توضيحه لتعامله مع الشعر تشكيلياً "القصيدة هي التي تحرضني دائماً على تحوير الأشكال، بطريقة غير مألوفة بكل حالاتها الإنسانية حين أرسم، عن شيء واحد، مانحة إياي الحرية في تأسيس المشهد وبعثه من جديد في الأسلوب مرة بعد أخرى.. لأجدها في كل معنى من المعاني داخل لوحتي".

تحمل المواد التي يشكّل منها نصرالله أعماله في "مرايا ترابية"، قيماً تعبيرية جديدة تشكل فيما بينها نقطة التقاء الفكرة مع المادة. وهي النقطة التي يقترب بها من الأثر الفني عبر علاقات جديدة  تؤكد أهمية التحام الفكرة مع المادة تعبيريا.

التعليق