في جلد فيل

تم نشره في الثلاثاء 7 نيسان / أبريل 2009. 09:00 صباحاً

يديعوت –  يرون لندن

"هاي"، تدعو احدا تعرفه منذ زمن بعيد، فينظر اليك وكأنه ينظر الى فقاعة في الهواء. لا شك انه عرفك، ولكن لسبب ما يرفض تأكيد ذلك برمشة عين او بحركة يد. وفي لحظة تهتز مساواة القيمة بينك وبينه: هو يعيش في كامل تحققه اما انت فشطبت، كعلامة طبشورة على اللوح.

فتجدك تتردد في استراتيجيتين كفيلتين بان تعيدا لك كبرياءك السليب. احدى الامكانيتين هي التظاهر وكأن آهة ما على شكل "هاي" انبعثت من فمك، والثانية هي ان تمسك المتجاهل من عنقه وان تجبره على أن يعترف بوجودك. لن تبدد الخطوتان اهانتك، وستكن له الضغينة حتى آخر يوم في حياتك.

الإهانة حادة على نحو خاص اذا كانت لك شكوى على الاخر وهو لا يرد على شكواك. وهذه اهانة فوق اهانة، اهانة للنفس تنضم الى اهانة ملموسة. رد الشكوى بمعاذير ملتوية، اكاذيب فظة او عداء تجاه المشتكي يهز المهان اقل من الصمت والنظرة المتفلتة. وحتى تعقيب بروح "لست جديرا بالرد" افضل من انعدام الرد، الذي يعني التقزيم التام للغير.

احيانا ينتقم الانسان  من الرجل المتعالي بهجمة عنف: "انت لا تعترف بوجودي، ولهذا فاني سأجعلك تشعر بي". هكذا يفعل ابناء الاقليات والعمال عندما لا يلقي رئيسهم نظرة اليهم، وهكذا يفعل، آجلا ام عاجلا مواطنون اهينوا ممن يفترض ان يكونوا ممثليهم.

مثل هذه الاهانة، اهانة لاذعة وفي اعقابها رغبة في الضرب، او على الاقل الشتم، شعرت بها هذا الاسبوع في ضوء صورة الاشخاص الذين انضموا الى حكومة نتنياهو مقابل حقائب فارغة والقاب طويلة. رذاذ من التحقير القي عليهم، رش من البصاق، ولكنهم تعاطوا معه وكأنه مطر. وحتى حركة خفيفة من التنكر، او هزة عابرة لعضلات الكتفين، كاشارة على ان شيئا ما اصابهم، لم تظهر على جلدهم. لا شيء.

كم هو غريب. عشرات السنين وانا اراقب السياسيين ولم أفهم بعد كيف يحصل هذا التحول من مواطنين محبين للخير الى سياسيين بائسين. كيف يضيع الكبرياء الذاتي؟ كيف تلتف النفس بغطاء سميك؟ قد يكمن التحول في عملية فيزيولوجية وليس في العملية النفسية؟ قد يقع تغيير سريع في العوام الجينية للرجل السياسي كنتيجة لتحولات متطرفة في شروط البيئة – المناخ الفظيع في القاعات العامة، الصراخ والتصفيق، التوتر الدائم وتنفيسه على الكراسي المريحة؟

تشارلز داروين تابع العصافير في جزر جلفكوس وترك السياسيين. لقد كان بوسعه أن يستمد منفعة من مراقبة الناس مثل يوسي بيلد كفأر مختبر، فهو لواء متقاعد، تحدثوا عنه كثيرا كمرشح لرئاسة الاركان. ومنذ ذلك الحين مرت 18 سنة، انضم خلالها الى الليكود، وفعل كثيرا لاجل بيته، وشغل منصب رئيس مجلس القناة الثانية، وانضم الى مبادري حزب الطريق الثالث، وايد مبادرة اقامة حزب الوسط، واعلن عن تأييده لايهود باراك وعاد الى الليكود. وبسبب لطافته، التي تنسجم مع قلة اهميته، لم يحاسبوه على تلوياته.

وقد بقي في هوامش الوعي العام ليس لانه لم يطلق في أي مرة العبارة المناسبة الجديرة بالذكر، بل بسبب توفره لاجراء المقابلات التلفزيونية معه لانه اعتبر كمن يمثل بسيرته الذاتية الانتقال من الكارثة الى الانبعاث. احترمنا الفتى اللاجئ من الكارثة الذي اصبح بطل حرب. وها هو، على شفا السبعينيات من عمره، العمر الذي لا يمنح السياسي أي تفوق غير بهاء الشيخوخة واتساع التجربة، لم يصمد امام الاغراء. كآخر المتفرغين السياسيين أمسك بالفرصة كي يتباهى بلقب هزيل. أولم يكن بوسعك يا يوسي أن تقول للعرض "لا، شكرا"؟ ولما كنت لم تفعل ما كان متوقعا منك، الا تجد حاجة لان تشرح نفسك؟ هل اصبحنا مكشوفين في نظرك؟ سبق أن قلت: غريب، كم هو غريب.

التعليق