القصائد الأخيرة وليس الديوان الأخير..

تم نشره في الاثنين 30 آذار / مارس 2009. 09:00 صباحاً

سيرين حليلة*

في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2008 عقد الاجتماع التأسيسي "لمؤسسة محمود درويش"، بدعوة من ياسر عبد ربه لتقوم هذه المؤسسة بالاهتمام بإرث وتراث درويش المادي والمعنوي، فمسؤولية إرث شاعر كبير مثل محمود درويش أكبر من أن تتحملها عائلته فقط.

لكن وبسبب تعذر اجتماع أعضاء هذه المؤسسة، أخذت "مجموعة مصغرة" من أهل وأصدقاء درويش على عاتقها هذه المسؤولية مرحليا، ألا وهي: أحمد درويش، مارسيل خليفة، غانم زريقات، إلياس خوري، علي حليلة، والمحامي جواد بولص.

وعهدت إلى إلياس خوري مهمة مراجعة القصائد التي وجدتها المجموعة في بيت درويش بعد وفاته، بحيث يبحث فيها عن "الديوان الأخير"، على أن تجتمع نفس المجموعة بعد فترة لاتخاذ قرار بهذا الخصوص. وللقصائد هذه حكاية سأرويها هنا من زاوية مختلفة قليلا عن الروايات المنشورة لتوضيح السياق الأوسع لهذا المقال.

حين دخلنا بيت محمود درويش لأول مرة بعد وفاته، كانت المشاعر مختلطة وصعبة جدا. فمن جهة لم يتمكن أي منا من كبت دموعه، فللمكان وصاحبه ذكريات عزيزة على قلوبنا، وفي نفس الوقت كانت المجموعة معتادة على زيارة محمود كل على حدة، وقليلا ما التقى اثنان أو اكثر منهم في نفس الوقت.

كل واحد كان له علاقة مختلفة ومميزة مع محمود درويش؛ ياسر عبد ربه وأكرم هنية وغانم زريقات تعود علاقتهم بمحمود إلى زمن طويل ارتبط بالثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية. أما مارسيل خليفة وإلياس خوري فتربطهما بمحمود صداقة الأدب والشعر والموسيقى. وطبعا كان أحمد درويش، أخو الشاعر، وجواد بولص، محامي العائلة. أما علي حليلة فهو الصديق الشخصي الحميم منذ أكثر من 30 سنة، وكان جزءا من العائلة الممتدة، نلتقي به كل جمعة على الغداء في عمان، ونتبادل الزيارات.

لم يكن محمود الشاعر بيننا، كان الأخ والابن وابن العم. تعرفت إليه شخصيا في عمان العام 1996 وبعد سنوات من محاولات الإقناع وافق على أن أنشئ موقعا إلكترونيا خاصا به،  ما زال "قيد الإنشاء". ثم تعرف إلى زوجي، رائد عصفور، الذي قدم له لثلاث سنوات متتالية حفل توقيع ديوانه في مسرح البلد في عمان، وكان هو معنا أيضا في ذلك اليوم.     

كان للتجمع في بيت محمود نوع من الرهبة، فمن هو المسؤول عن بيته؟ أخوه أحمد الذي كان يرى محمود في أوقات متفرقة؟ صديقه اليومي غانم؟ علي حليلة الذي كان مؤتمنا على مفاتيح بيته وحياته؟ جواد بولص، محامي العائلة؟ أم ياسر عبد ربه، الصديق الشخصي والرسمي؟ الكل حريص على محمود ولكن كل بطريقته.

كان أمام المجموعة مهمة محددة: البحث عن الديوان الأخير الذي أخبر محمود بعض أصدقائه عنه وقرأ لهم منه بعض المقاطع. فذهب إلياس وجواد ورائد وغانم للبحث في المكتب عن الأوراق، بينما جلس أحمد على الأريكة ليبكي حزنه. استقر ياسر وأكرم ومارسيل في غرفة الجلوس يستذكرون محمود وحكاياته. أما علي فلم يقوَ على البقاء، فغادر وعاد بعد فترة.

فتح الياس وجواد درج المكتب ووجدوا بعض الأوراق المكتوبة بخط اليد، حملها إلياس خوري معه إلى الفندق، وجلبها معه في الليل إلى منزل علي حيث اجتمعنا ليقرأها لنا بحضور وزيرة الثقافة الفلسطينية، تهاني أبو دقة، وأحمد عبدالرحمن، بالإضافة إلى المجموعة المذكورة أعلاه. معظم القصائد لم تكن مكتملة، وفيها خربشات وشطب، وبعد أن قرأها كلها تقريبا أصر غانم على أننا ما زلنا لم نجد الديوان. ذهب مع أحمد في السابعة من صباح اليوم التالي ليبحثا عن الأوراق بهدوء، فوجدا القصيدة الطويلة التي أتفق على تسميتها: "لا اريد لهذي القصيدة أن تنتهي"، وحين قرأناها، كل منا على حدة، أحسسنا بأنه لا بد وأن تكون هذه هي القصيدة التي كان ينوي درويش أن يضعها في ديوانه الأخير الذي كان يحضر له. تم تصوير نسخ من القصائد: النسخة الأصلية بقيت في بيت محمود، نسخة مع علي حليلة، نسخة مع جواد بولص، ونسخة مع إلياس خوري.

وهكذا اجتمعت المجموعة المصغرة في بيت علي حليلة بتاريخ 8 كانون الثاني (يناير) 2009، وحضرنا اللقاء أنا ورائد بدعوة من علي. بدا غانم في البداية غير مرتاح، وبعد أن قرأت المسودة فهمت سبب عدم ارتياحه. هناك إشكالية واضحة: فبعض القصائد غير مكتملة، وبعضها لا يصلح للنشر، مع أن درويش هو كاتبها. فكل من يعرف محمود عن قرب يدرك دقته ونزقه في اختيار القصائد التي يودعها في أي من دواوينه، ويدرك كم يقضي من الوقت في التحرير والكتابة وإعادة الكتابة، وأحيانا قد يرمي قصيدة بأكملها جانبا حتى لو قضى وقتا طويلا في كتابتها. لم تكن كل القصائد بالمستوى المطلوب، ولم تكن مكتملة. كان رأي غانم، واتفقنا معه أنا وعلي، بأن الديوان يجب أن يشتمل على قصائد مختارة بمستوى دواوين درويش السابقة إذا لم تكن أفضل منها. غامرت وعبرت عن هذا الرأي أمام المجموعة، إلا أن الياس، واتفق معه في ذلك جواد بولص، كان له رأي مخالف يحمل نفس الشرعية: فمن، سوى درويش نفسه، يحق له أن يقرر ان هذه القصيدة مكتملة أم لا؟  أو إذا كانت هذه القصيدة للنشر أم لا؟ بالتالي، ونحن بصدد اتخاذ قرار يتعلق بـ"إرث" درويش الشعري علينا أن نفكر أيضا بحق القراء عليه.

لهذا كان رأي إلياس أن تنشر جميع القصائد التي وجدناها، مكتملة أم لا. تبنى الجميع وجهة النظر هذه من منطلق أن لجمهور الشاعر الذي يحبه الحق في الاطلاع على جميع ما كتب، وأنه بعد رحيل درويش لم يعد هناك من شاعر يطلق ديوانه. اقترحت في هذه الحالة أن يتم تسمية المجموعة "القصائد الأخيرة" لأنها لا تشكل ديوانا، فالديوان له أصول، والديوان يصدر عن الشاعر، وهذا الكتاب لم يصدر بقرار من الشاعر، وكل من عرف درويش صديقا وشاعرا لا بد أنه متأكد من أن درويش لم يكن ليضع كل هذه القصائد في ديوانه، ربما نصفها أو أقل، فهناك الكثير من القصائد التي نشرها في صحف أو قرأها في أمسيات ولم يوردها في اي من دواوينه، عدا عن ضعف بعض القصائد. وهكذا تم الاتفاق على أن تصدر المجموعة تحت عنوان "القصائد الأخيرة" وليس "الديوان الأخير"، مع توضيح حيثيات نشر هذه المجموعة في المقدمة التي وضعها الياس خوري.

لم يكن رياض الريس جزءا من هذا الحوار أو العملية برمتها، لكنه هو الناشر ومن الواضح أنه يرى له دورا أكبر في هذا العمل، وقد يكون محقا في ذلك لكن لا يمكن إعادة العجلة إلى الوراء، ولا إعادة درويش إلى الحياة. وحين حمل اليه إلياس خوري النص وقرار عائلة وإصدقاء درويش بخصوص النشر، لم يخف امتعاضه، ولكنه وقع العقد مع العائلة لطباعة هذا الكتاب بناء على قرار المجموعة، ثم تبع ذلك بسلسلة قرارات مناقضة لقرارات المجموعة والعائلة، وصلت إلى حد غير مسبوق في إعلانه إعادة طباعة الكتاب بسبب ما يسميه "الأخطاء الفادحة الواردة فيه".

القرار الأول الذي اتخذه الريس كان تأجيل إصدار الكتاب إلى ما بعد تاريخ عيد ميلاد درويش، حيث كانت المجموعة قد اتفقت على صدوره بتاريخ 13/3 لتنظيم احتفالات لإطلاقه في مناطق مختلفة في نفس الوقت احتفالا بذكرى عيد ميلاد درويش. ثم أصدره تحت اسم "الديوان الأخير" وبهذا اعطى انطباعا بأنه مثل الدواوين الأخرى التي قدمها له محمود درويش شخصيا، وهذا خطأ له تبعات كبيرة مثل تلك التي قرأناها على لسان شوقي بزيع. فمقال شوقي بزيع يغفل حقيقة أساسية، لربما اراد الريس أن يخفيها، ألا وهي أن هذا الكتاب هو عبارة عن مجموع القصائد التي وجدناها في منزل محمود درويش، دون تعديل سوى التعديلات التي ذكرها الياس في ما كان "مقدمة الكتاب" وأصبح بقرار من رياض الريس "كتابا منفصلا". أما الحيثيات التي يسوقها رياض الريس لتبرير ذلك فكلها ترتبط بماضي العلاقة مع الشاعر، الشاعر الذي فقدناه للأسف. لا شك أن للناشر الحق في اتخاذ قرار عدم النشر، او الحوار مع الكاتب ( في هذه الحالة وكلاء الكاتب) حول النص وصلاحيته للنشر، ولكن ليس من حق الناشر أن يعري درويش رحمه الله بهذا الشكل، وهو الذي كان حريصا جدا على كل ما يصدر منه إن كان بالقول أو الفعل أو النشر.

يحدونا الأمل، وهنا ينضم إلى صوتي صوت رائد عصفور وغانم زريقات وعلي حليلة، بأن يعاد إصدار "القصائد الأخيرة" لمحمود درويش بالشكل الذي قدمه الياس خوري للناشر نيابة عن المجموعة المكلفة قانونيا بالحفاظ على إرث درويش، لأن القصائد لم تنضج ولم تنته ولم تدقق، ولكن نشرت فقط لتكون شاهدا على آخر ما عمل عليه الشاعر من دون تعديل جوهري. هذا ما قام به الياس خوري وشرحه بالتفصيل في المقدمة، وللأمانة الأدبية هذا ما يجب أن يكون.

ناشطة ثقافية - مسرح البلد

s.huleileh@gmail.com

التعليق