قنديل: الجسد العربي ما يزال قيمة آثمة يتم محقها وعدم التعبير عنها

تم نشره في الجمعة 13 آذار / مارس 2009. 09:00 صباحاً
  • قنديل: الجسد العربي ما يزال قيمة آثمة يتم محقها وعدم التعبير عنها

قاص أردني يرى أن الإنسان يظل مأسورا لحادثته الأولى

حاوره: زياد العناني

عمان- يرى نقاد أن تجربة القاص خليل قنديل التي تمتد من السبعينيات من القرن الماضي، تميزت بقدرته على التقاط الغرائبي عبر توظيف الخرافة والأسطورة والحلم، في سرد واقعي يمتزج بسريالية تسترعي التشويق لدى المتلقي.

ويشير آخرون إلى قدرته على الغوص في العالم السفلي أو الباطن في حياة البشر المنتمين عادة لشريحة الفقراء والمهمشين، ليصل عبر صدق وعمق وبساطة تلك العوالم إلى منطقة يستطيع فيها الكشف والنبش في منطقة الألم الانساني وتحليلها ليخترق الاجتماعي والمسكوت عنه.

يذكر أن الزميل القاص خليل قنديل قد صدرت له خمس مجموعات هي: "وشم الحذاء الثقيل 1980"، "الصمت 1990"، "حالات النهار 1995" و"عين تموز 2002" وسيدة الأعشاب 2009 ".

"الغد" التقت صاحب مجموعة "سيدة الاعشاب" التي فازت بمشروع وزارة الثقافة للتفرغ الإبداعي، وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه إلى مجمل تجربته القصصية.

* "سيدة الأعشاب" ثمرة من ثمار التفرغ الابداعي، برأيك ما هو الجديد الذي أردت تقديمه من خلال هذه المجموعة الجديدة؟

- كان هناك، وعبر تجربتي القصصية خلال المجموعات القصصية الأربع، ما يمكن أن أسميه بمشروعي القصصي السري المعبر عن الموثولوجيا الشعبية، وأثرها المفجع في تشكيل العديد من الأجيال العربية التي نهبت رؤوسها فكرة الخرافة وتطبيقاتها الاجتماعية التي كانت تبدو وكأنها تشريعات تتوازى بقوتها مع القوانين المعرفية، وقد بزغت بعض القصص مثل "القتيل" في المجموعة الأولى و"العتبة" في المجموعة الثانية و"عين تموز" في المجموعة الرابعة، وكان مشروع "التفرغ الابداعي الاردني" مشروعاً نهضوياً على صعيد تجربتي القصصية، حيث وجدت المجال موازياً كي أفجر مجمل هذه المعتقدات المثولوجية والشعبية في مجموعة قصص.

ولا أخفي عليك أن تعاملي مع تلك المعتقدات في المجموعة كان تعاملاً انتقامياً؛ بمعنى أنني كنت أبرز البشاعات التكوينية للحالة المثولوجية السائدة، ومن ثم أعمل متعمداً على استنهاض الحالة الجميلة الموازية القادرة على تمزيق مثل تلك الصناعات بما أمتلك من قدرة على التعامل معها، من خلال فهمي القصصي.

* اللافت في مجموعتك أنك تقول إن للبيوت لحظة الرحيل منها كآبة خاصة؛ لا بل نحيب خاص. كقاص كيف تمرست على استنطاق الأبكم، وهل تعتقد أن لكل بيت ذاكرته الخاصة، حتى وإن غاب صاحبه؟

- ثمة داخل كل مبدع (حقيقي) مناطق مرعبة، بمعنى أن العين المجهرية التي يمتلكها المبدع تقوده أحياناً إلى ما يشبه الأحراش الروحية المطلمسة التكوين والتشكيل وذهابي في سيدة "الأعشاب" نحو الأماكن والأشجار ومحاولة الاتصال بها واستنطاقها، يمكن لك أن تعتبره حياة في تلك المناطق الموحشة والمتعبة للروح.

ولكن من المميزات الجمالية للكتابة انها تمنحك عافية التواصل مع هذه المناطق ومنحك اعفاء جمركيا يمكن معه تهريبها للقارئ ومنحها طابعاً منطقيا. فأنا على الصعيد الشخصي تربكني البيوت حينما يكف قاطنوها عن الإقامة بها، وذلك لاعتقادي الكامل بأن للارواح إيقاعها السري في الأمكنة إلى الدرجة التي يمكن أن يصاب فيها المكان الذي فرغ قبل قليل من قاطنيه بمس إنساني غامض، وأضيف بأن الحدائق والأشجار تربكني كثيراً. أنا أحسد الشجرة. أحسد انتصابها وأحسد هذا التقبل الطوعي عندها وتبدل الفصول الأشجار يربكني، مثلما يربكني أيضاً التراب بذراته وبخبث حبيباته.

* يلاحظ في مجموعتك أنك لم تطلق أي بطولة كاملة، بل تركتها عائمة في كل القصص، هل لنا أن نسأل لماذا اعتمدت على هذا الأسلوب تحديدا؟

- أعتقد أنني في هذه المجموعة قد أقدمت على نقلة تقنية قصصية جديدة، تبدت من خلال عدم مجهرة البطل الرئيس في القصة، وعملت على استنهاض كل الحالات الإنسانية والمكانية المشكلة للنص القصصي بمجمله، كي تكمل بعضها ويصبح كل منها يمتلك خصوصية صنع البطولة الإجمالية للقصة. بمعنى أنني ابتعدت في المجموعة عن نهج (رفيق البطل) السائد في السينما العربية، واقتربت من تثوير كل ما هو مشارك في بناء القصبة، حيث يحق أن تكون له بطولته الخاصة؛ مثلاً في قصة "السبعيني" تحولت أشجار الحديقة إلى بطولية مشاركة ومساندة، كما أود قوله عن الرجل السبعيني الذي حينما تراه تتذكر الحدائق والأشجار، وفي قصة "قط اسود" تجرح القطط بحضورها كل عائق اتصال بين الرجل والمرأة، وإمكانية اتصالهما إلى الدرجة التي يتحول فيها القط الأسود "زعرور" إلى شخصية ثالثة توازي في حضورها المرأة والرجل معاً. وتقفل القصة حينما تحذف امرأة القطط ذاتها من النص، لتصبح العلاقة بين القط والرجل.. علاقة ودية وغامضة بين كائنين.

* لماذا يخيل للقارئ أنك تنتقم من مورثات الحركية الاجتماعية في كتاباتك القصصية؟

- أعتقد جازماً أن الإنسان يظل مأسوراً لحادثته الأولى، بمعنى أنك حينما تتعرض لأول مرة في حياتك إلى صفعة، وتتعرض بعد سنوات إلى صفعة ثانية، حينها لن تفعل شيئاً سوى استذكار تلك الصفعة الأولى، وأنت في تجربتك الجسدية الأولى التي تقودها أو التي تنقاد إليها بحكم تشكلها البدائي لأول مرة سترى أن أي مرة أخرى محالة لاستدراج لذاذة تجربتك الجسدية الأولى.

في قصة "العنقود"، انجذبت علياء بدر بكل تكويناتها الجسدية نحو ذلك الفتى الميكانيكي الذي حينما حدق فيها شعرت بذكورته، وكأنها تقول لها بذكورية مطلقة "أنت لي". طعم تجربة علياء بدر مع الصبي الميكانيكي وسط روائح الديزل والسدة الخشبة والمساءات الشتوية لن يستطيع أي رجل آخر مقترح على حياتها أن يمنحها مثل لذاذة تلك التجربة. ما أود قوله إننا كمخلوقات نظل أسرى لطعم التجربة الأولى بكل حماقاتها، وأن ما نكتسبه من تجارب لاحقة تراكمات مقترحة، وربما مزورة عن التجربة الأولى.

* تعتمد في مجموعاتك القصصيةعلى تكتيك قوة الوصف. هل أنت مع الوصف أم مع استثمار قوة الشخوص وجرأتهم؟

- إحدى أهم ميزات القاص الضرورية لنجاحه أولا كقاص وسارد، تكمن في قدرته على مراقبة أدق التفاصيل، والقدرة على كشف تلك العلاقة السرية ما بين هذه التفاصيل وتوظيفها في النص القصصي. أنا من الرجال الذين يشقون بقدرتهم على التقاط أدق التفاصيل في الحياة الانسانية، وهذا يتعبني، لا على صعيد الكتابة، بل على صعيد الحياة الشخصية أيضا.

القصة القصيرة في تعريفاتها البسيطة والسائدة تمكن القاص من التقاط أدق التفاصيل في الحالة المراد التعبير عنها قصصياً، وبث روحه التوصيلية بين هذه التفاصيل وتقديمها بمنطق يعطيها حقها في نجابة التكوين، وكثيراً ما أجد نفسي ومن دون قصد كتابي، أقع فرحاً في اكتشاف تفاصيل دقيقة داخل فهمي القصصي، وبقدر ما تكون عين القاص ناهبة لتفاصيل وقادرة على فرزها وتبويبها داخل البنى القصصية، بقدر ما يكون هذا القاص فرحاً ونجيباً.

* أين ترصد اليومي؟ وكيف تجد أكثر المغريات فيه؟

- علي أن أوضح بداية أنني أستيقظ صباحاً، وأبدأ يومي كي أحصل على قصص خاصة بي. فأنا أقص على روحي يومياً العديد من القصص.. يحدث هذا لي في الطريق حينما يداهمني الشارع الاسفلتي الفارغ إلا من الأشجار اليتيمة والمنتصبة على جانبيه، وتلك الشرفات العمانية المغلقة على أصحابها بنوع من العدوانية تجاه الخارج وفضاءاته.

أحكي لنفسي قصصاً حينما تأخذني وسط البلد في عمان، وأذهب في سرد قصص عن بائعة الأرصفة والنساء السمينات المتعرقات وسط السوق. قبل أشهر وقفت مرتكباً في سقف السيل أمام "شجرة كينا" معمرة وهائلة وذات ساق خرافية، تبدو وكأنها نفدت بأعجوبة من هجمة العمران العماني. ما هالني أكثر تلك التوقيعات والتواريخ على ساقها المعمر. احكي لنفسي قصصا عن نساء ساذجات أو واعيات. احكي عن علاقتي بمجاميع البشر الذين ألتقيهم يومياً، ولكن حين أحس بالامتلاء الحكائي تأتي كل الرغبة في اختيار القصة المناسبة التي من الممكن أن أعمق من خلالها علاقتي بالقارئ. إن القصة عندي تقدم كزكاة عن فائض رؤياي.

* يلاحظ أن هناك احتفائية عند المبدعين بالفنتازيا. كيف تفسر أنك تحتفي بالواقع أكثر، ومع ذلك تأتي قصصك وهي مرتبطة جداً بهذين الحقلين؟

- الشاعر حينما يود أن يدخل إلى الغرفة لا يطرق الباب، بل ربما يدخل من النافذة أو الشق الذي في الجدار. السارد وإنْ اكتست قصته بالخروج من المألوف واستحضار الفنتازيا، يظل لزاماً عليه حين يود ان يدخل الغرف ان يتحدث عن الباب أو يطرق الباب. انا لا اميز في الكتابة بين الشاعر أو القاص أو الروائي لأن الجد "الشامان" الذي كان يطلق ابناء قبليته الكهفية نحو اصطياد الفرائس ويبقى في الكهف مع نساء القبيلة الكهفية كي يرسم على جدران الكهف فالشامان هو جد هؤلاء جميعا. لقد بدأت المسألة بالرسم على جدران الكهف، ومن ثم ذهبت نحو الشعر الذي كان التعبير الثاني بعد الرسم، ومن ثم جاء السرد ممثلاً بالرواية وبالقصة القصيرة لاحقاً. وأنت إذا أدهشك أي عمل إبداعي وبحثت عن سبب دهشتك هذه، ستجد "الشامان" الأول يجلس مقرفصا كي يمنحك سر تلك الدهشة.

* يؤكد بعض النقاد وجود جرأة أدبية مفعمة باحتدامات الجسد، ماذا تقول في هذا المجال؟

- الجسد عند العرب قيمة يتم العمل على محق التعبير عنها وإبرازها. والجسد بمعنى أدق يبدو أحياناً وكأنه حالة اثم علينا الاعتذار عن التورط بها. وأجد لزاماً على المبدع العربي أن يعمل على فضح العلاقة الخبيثة والمسكوت عنها عربياً بين الإنسان وجسده. إن هذا التستر الذي يبدو، وكأنه أبدي بين الانسان وجسده على اعتبار أن هذا الجسد "عورة" يعتبر من التراكمات الموجعة لعلاقة الانسان العربي مع جسده، ومحاولته للتعرف على تفاصيل هذا الجسد وعافية رغباته.

في قصصي كنت دائماً وحينما أبدأ بالتعبير عن بطلي ومكنوناته الجوانية، أحاول أن أوازي بين توصيف هذه المكنونات وتوصيف الخارطة الجسدية لصاحب هذه المكنونات، وفي العديد من القصص كانت للجسد مساحة دفاع حقيقية يقوم بها البطل في الدفاع عن جسده باعتباره القفص البشري الذي يغلف روحه، ولعلك لاحظت كيف ان بطلة قصة "تلك المرأة" في مجموعة "سيدة الاعشاب" حينما حاول كل من يحيط بتلك المرأة السطو على جسدها واحتلاله، وكيف أنها قامت بإحلال (جني) في جسدها كي تنقذ هذا الجسد من الانتهاك، وتمنحه كأنثى نادرة لجارها الشاب الجامعي. نحن العرب بحاجة ماسة إلى الاهتمام بثقافة الجسد والإعلان عنه باعتباره مرآة حقيقية لأرواحنا التي حوصرت بالاقتراحات والقيم العامة.

التعليق