فيلم "ألم الخريف" يلقي الضوء على فصل مظلم من تاريخ تركيا

تم نشره في الأحد 22 شباط / فبراير 2009. 09:00 صباحاً
  • فيلم "ألم الخريف" يلقي الضوء على فصل مظلم من تاريخ تركيا

 

اسطنبول- تلقى ميخائيل فاسيلياديس تحذيرات من أصدقائه بأن يترك عمله مبكرا ويعود الى منزل أسرته يوم السادس من أيلول (سبتمبر) العام 1955.

وخلال بضع ساعات كانت الحشود تهاجم آلاف المتاجر والكنائس والمنازل في مختلف أرجاء اسطنبول في نوبة احتجاج على اليونانيين مما دفع في نهاية الأمر آلافا منهم لمغادرة تركيا.

وقال فاسيلياديس الذي كان في ذلك الوقت يبلغ من العمر 15 عاما وهو الآن واحد من نحو 2800 يوناني ما يزالون في اسطنبول ويرأس تحرير الصحيفة الوحيدة الباقية في اسطنبول التي تصدر باللغة اليونانية "كانت صدمة عمر لكنها كانت أمرا لم يتحدث عنه أحد لمدة 50 عاما."

والآن يحكي فيلم بعنوان "ألم الخريف" قصة تلك الليلة التي مر عليها أكثر من نصف قرن وهي المرة الاولى التي يتناول فيها فيلم تركي هذه الاحداث التي يشبهها يونانيو اسطنبول بليلة الزجاج المهشم (كريستال ناخت) التي أرسلت فيها ألمانيا النازية أكبر عدد من اليهود الى معسكرات الاعتقال في ليلة واحدة.

ويعرض الفيلم قصة حب خيالية بين بهجت وايلينا وهما رجل تركي وفتاة يونانية على خلفية من التوترات التي توجت في الواقع بتدمير 5300 متجر ومنزل يملكها يونانيون وأرمن ويهود.

وشاهد الفيلم أكثر من 500 الف منذ بدء عرضه الشهر الماضي حسب بيانات شركة التوزيع أوزين فيلم.

وناقشت أحاديث تلفزيونية وصحافية الفيلم والاحداث التاريخية التي عرضها.

ويقول صناعه ان المناقشات العامة للمسألة نتجت عن تراخي القيود على حرية التعبير التي واكبت مساعي تركيا للوفاء بمعايير الانضمام للاتحاد الاوروبي.

وقالت أيتن محجوبيان التي كتبت سيناريو الفيلم، وهي رئيسة تحرير صحيفة اجوس الارمنية "هذا الفيلم ما كان يمكن أن ينتج قبل عشر سنوات".

وأضافت "ورغم أن القوانين ما تزال تقيد حرية التعبير إلا أن القضايا التي يحظر انتقادها قلت كثيرا".

وفي العام 2005 أغار متظاهرون على قاعة عرض في اسطنبول وخربوا صورا كانت معروضة لتحقيقات في احداث عام 1955.

وقال مراد بلجي أستاذ الآداب في جامعة بيلجي والمعلق السياسي الذي جرت محاكمته عام 2006 لانتقاده أسلوب معاملة تركيا للاقليات "نحن حتى الآن اما كنا نلتزم الصمت أو نصيح لاسدال الستار على الماضي". وأضاف "أنه تحول كبير ونحن الآن نستخدم الفن لاختباره".

وفي تلك الليلة خرج آلاف المتظاهرين الى وسط اسطنبول مدفوعين بأنباء عن أن اليونانيين في تيسالونيكي فجروا المنزل الذي قضى فيه مصطفي كمال اتاتورك مؤسس تركيا الحديثة طفولته. واتضح في وقت لاحق أن هذه التقارير كانت كاذبة.

والتوترات بين تركيا واليونان المجاورة كانت في أوجها في ذلك الوقت بسبب قبرص.

وكان رجال الشرطة والجنود حاضرين عندما تحولت الاحتجاجات إلى عنف. وقالت ديليك جوين المؤرخة ومؤلفة كتاب صادر العام 2005 عن الواقعة أن المقابر دنست والكنائس نهبت وقتل نحو 12 شخصا واغتصبت مئات النساء.

وقدرت قيمة الأضرار بنحو 50 مليون دولار أي ما قيمته الآن نحو 400 مليون دولار. وأغلب الهجمات كانت ضد أهداف يملكها يونانيون لكن نحو ثلث الهجمات استهدف ممتلكات الارمن واليهود.

وتم اعتقال أكثر من 5000 شخص تمت تبرئة أغلبهم في وقت لاحق.

واطيح برئيس الوزراء عدنان مندريس واثنين من أعضاء حكومته في انقلاب عسكري عام 1960- وفي العام التالي ادينوا بتهمة انتهاك الدستور واعدموا.

وأثناء المحاكمة كانت واحدة من التهم الرئيسية التي استمع اليها القضاة أن حكومة مندريس كانت وراء أحداث 1955.

وأظهرت دراسات أعدتها جوين وغيرها ان المؤامرة كانت أعمق من ذلك وشملت الجيش وجهاز المخابرات وكانت تهدف الى الضغط على الاقليات للتخلي عن ممتلكاتهم ومغادرة البلاد.

وقالت محجوبيان "فيلم مثل هذا قد يكون مجرد فيلم في بلد آخر... لكن بسبب فترة الصمت وعدم مناقشة هذه المسألة أصبحت لهذا الفيلم الآن مهمة كبيرة".

ويقول الكاهن ديزيثيوس اناجنوستوبولوس المتحدث باسم الكنيسة الاورثوذوكسية اليونانية في اسطنبول ان اليونانيين المقيمين الآن في اسطنبول مقر حكم الامبراطورية البيزنطية التي كان يهيمن عليها اليونانيون على مدى ألف عام حتى عام 1453 تزيد أعمارهم على 55 عاما.

وغادر مليون ونصف مليون يوناني تركيا الى اليونان في العام 1923 عندما تأسست الجمهورية التركية وهاجر آلاف آخرون بعد فرض "ضريبة الثروات" على الاقليات في العام 1942 والتي بددت ثرواتهم قبل ان تلغى بعد اعلانها بعامين.

وقال اناجنوستوبولوس انه كان هناك نحو 120 الف يوناني يقيمون في اسطنبول في العام 1955. وبعد الهجمات رحل 50 الفا آخرين وجاءت الصفعة الاخيرة في عام 1964 بعد القتال بين القبارصة اليونانيين والاتراك. وبحلول العام 1966 لم يتبق سوى 30 الف يوناني.

وتضم اسطنبول التي يبلغ عدد سكانها 15 مليون نسمة الآن كذلك نحو 60 الف من الارمن وأقل من 20 الف يهودي.

وقال اناجنوستوبولوس ليلة 6-7 سبتمبر كانت كريستال ناخت الخاص بنا". مشيرا الى برنامج النازي في العام 1938. وأضاف "فرص حدوث مثل ذلك مرة أخرى ضئيلة لان الشبان اليوم أصبحوا أكثر قدرة على الانتقاد لكن لضمان عدم حدوث ذلك يجب ان يعلم الشبان أن هذه الكارثة وقعت وهذه هي أهمية هذا الفيلم".

وما تزال البطريركية الاورثوذوكسية قائمة في اسطنبول. وانتقد الاتحاد الاوروبي رفض الحكومة التركية الاعتراف بوضعها القانوني والحظر الذي تفرضه على تدريب رجال الدين الاورثوذوكس. وقال اناجنوستوبولوس ان تغيير القانون المتعلق بالمؤسسات غير المسلمة في العام 2006 خفف القيود على حقوق ملكية اليونانيين. غير ان الحكومة لم تعد سوى مبنى واحد من المباني التي قضت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان انها صادرتها دون وجه حق على مدى سنوات.

ولم تعتذر الحكومة التركية رسميا عن دور الدولة في اعمال العنف التي جرت قبل 54 عاما.

وقال بلجي "نحن في تركيا ندرك ما فعلناه لكننا لا نواجهه... هذا مجتمع فشل في دفن موتاه فسكنته العديد من الاشباح".

التعليق