الاكتئاب: مرض العصر الصامت يمنع من التمتع بمباهج الحياة

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2009. 10:00 صباحاً
  • الاكتئاب: مرض العصر الصامت يمنع من التمتع بمباهج الحياة

 

لبنى الرواشدة

عمان- حزن وقلق وتذمر وعدم إحساس بمباهج الحياة، تلك هي بعض الأعراض الاكتئابية التي باتت تنتشر وتزداد الشكوى منها لأسباب عديدة، بحسب أطباء وعلماء نفس.

اعتبار منظمة الصحة العالمية الاكتئاب السبب الأول لقصور الكفاءة في العالم يفتح باب التساؤلات عن مدى انتشار هذا المرض الصامت وخطورته.

الشابة العشرينية التي عرفت على نفسها باسم صفاء تقول إن كثيرا من الناس يعانون من الاكتئاب من دون الاعتراف بذلك من خلال تذمرهم المتواصل من عملهم وعلاقاتهم الاجتماعية ومن ضغوطات الحياة والأعباء المادية.

وترى أن الابتعاد عن البساطة والتدقيق في جميع التفاصيل من كبيرة وصغيرة، و"اللهاث" وراء النجاح المادي والمهني، والضعف في مواجهة الأحداث القاسية يؤدي إلى حالة من الضيق والتوتر ينتج عنه حدوث الاكتئاب بدرجات مختلفة.

ويتردد على عيادات الطب النفسي مرضى يشتكون من أعراض اكتئابية تتفاوت بين شديدة ومتوسطة وخفيفة، ولأسباب مختلفة تتعلق في معظمها بظروف عاطفية ومالية ومهنية واجتماعية.

استشاري الطب النفسي د. خالد المغربي يعرف الاكتئاب على أنه "اضطراب يصيب المزاج"، وهو شائع الانتشار في كل المجتمعات، وتتراوح نسبة الأعراض الاكتئابية في معظم المجتمعات بين 25 إلى 40 %، عادا إياها "نسبة عالية".

وتتمثل الأعراض الشائعة للاكتئاب في فقدان التركيز والشعور بالحزن وعدم الاستمتاع بمباهج الحياة.

مختصون يرون أنه من الطبيعي في فترات معينة من الحياة أن يشعر كل إنسان بهذه الأعراض، ولكنه من غير الطبيعي أن تستمر لفترات طويلة، ما يؤدي إلى التأثير على الانتاجية في العمل وفي جميع نشاطات الحياة.

وتشير دراسات إلى أن نسبة إصابة النساء بالاكتئاب تكون ضعفي إصابة الرجال، وذلك لأسباب تتعلق باضطراب الهرمونات الذي يصيب النساء في فترات معينة، إلى جانب تحمل الكثير من الأعباء.

وتختلف أشكال الاكتئاب ودرجاته، بحسب المغربي، فهناك حالة من الاكتئاب ثنائي القطب الذي يتميز بتناوب حالة من الاكتئاب مع حالة من الزهو والثقة واكتئاب آخر، يبدأ بعسر مزاج ثم يتطور مع الوقت حتى يصل الى أعراض اكتئاب قاسية، إضافة إلى الاكتئاب الموسمي الذي يعاني منه بعضهم في فصل الشتاء.

وتتنوع الأسباب التي تؤدي الى الإصابة بالاكتئاب وعلى رأسها الوراثة، إضافة إلى بعض الأمراض التي تترافق مع أعراض اكتئابية مثل اضطراب عمل الغدة الدرقية وبعض أمراض الأنسجة الضامة والتهابات الكبد والبنكرياس.

ويبين المغربي أن هناك بعض الأدوية تؤدي إلى حدوث أعراض اكتئاب مثل علاجات الضغط والكورتيزون مع تأكيده على أثر الضغوطات والشدائد في الحياة التي تؤدي الى التوتر وفقدان القدرة على التكيف.

ويؤكد العديد من الأطباء وعلماء النفس أن ما بين 20 و30 % من الناس الذين يراجعون عيادات الطب العام يعانون في الأساس من حالات اكتئابية.

وفي هذا السياق يبين المغربي أن 69 % من مراجعي عيادات الطب العام والذين يشتكون من آلام مختلفة في أنحاء الجسم من ساقين ورقبة يتبين لاحقا أنهم مكتئبون، مبينا أن مهارة الطبيب تظهر في هذه الحالات لمعرفة السبب الحقيقي وراء الشعور بالألم، ليتم تحويل المريض إلى الطب النفسي.

ويقول المغربي إن هناك أمراضا عضوية معروفة سببها الرئيس نفسي، مثل اضطرابات الجلد المعروفة كالصدفية والبهاق والحكة الموضعية، إضافة إلى أمراض الجهاز الهضمي مثل القرحة والقولون وأمراض القلب.

وعي المجتمع بالمرض النفسي ازداد مقارنة بالماضي، إذ أن هناك أعراضا اكتئابية يستطيع الشخص التخلص منها بمجهود ذاتي منه، ولكن هناك أعراضا شديدة تتطلب اللجوء إلى الطبيب المختص لطلب المساعدة.

ويتفاوت الاكتئاب في شدته بين خفيف تتم معالجته نفسيا من دون اللجوء إلى الأدوية، من خلال جلسات لرفع المعنويات والثقة بالنفس، ومتوسط الشدة يحتاج إلى علاج دوائي وسلوكي معرفي.

أما الاكتئاب الشديد الذي يفقد معه المريض القدرة على ممارسة النشاطات المعتادة ويحاول أن يعزل نفسه ويصاب بتشوش في التفكير واضطراب النوم وفقدان الشهية ويفقد قدرته على الاستمتاع بمباهج الحياة، فيحتاج المريض الى اهتمام كبير ومضاعفة العلاج.

منظمة الصحة العالمية بينت أنه وفي حلول العام 2020 سيكون الاكتئاب هو السبب الأول في ازدياد حالات العجز والتغيب الوظيفي، ما يصفه المغربي بـ "الأمر الخطير"، بسبب انعكاساته المباشرة على حياة الأفراد والدول.

المغربي يطمئن جميع الأشخاص الذين يعانون من أعراض الاكتئاب بأنه  قابل للشفاء، وأن الشعور بالشفاء بعد اجتياز فترة عصيبة يكون شعورا جميلا ومريحا جدا للمريض.

ويؤكد د. عبد الرحيم الحديدي أن 50 إلى 60% من المرضى الذين يترددون على العيادات الطبية هم في الأصل مصابون بالاكتئاب.

الحديدي يعزو الأمر إلى الصعوبات والضغوطات التي يواجهها الأفراد، خصوصا ما يتعلق بصعوبات المعيشة من فقر وارتفاع أسعار وعنوسة وانتشار أمراض تؤدي إلى الشعور بالضيق والتوتر الذي ينتج عنه الاكتئاب.

ويرى أن "القلق في حدوده الطبيعية أمر جيد"، كونه يحث الإنسان على العمل والعطاء والتنافس، لكنه يحذر من تطور الحالة ووصولها الى درجة عالية من الضيق تؤدي الى الاكتئاب واضطراب الحياة.

ويراجع كثير من الأشخاص العيادات الطبية في حال الشكوى من أوجاع في المعدة أو القلب وحساسية الجلد ليتبين فيما بعد أنها أعراض اكتئابية.

ويقول الحديدي إن الجسم يحاول أن يدافع عن نفسه بأعراض تبدو عضوية على شكل متاعب في القولون أو المفاصل أو صداع، ما يدخل المريض في دوامة مع الطبيب الذي يعجز احيانا عن تشخيص الحالة بشكل دقيق.

الحديدي كان يعاين في السابق حالتين شهريا لأشخاص يعتقدون أنهم مرضى، ليتبين فيما بعد أنهم يعانون من الاكتئاب، موضحا أن العدد يزداد يوميا، ليصل إلى أنه أحيانا يعاين أكثر من حالة أعراض اكتئاب في اليوم الواحد.

ويقول إنه من السهل على الطبيب الماهر التفريق بين المريض العضوي والمريض النفسي من دون إدخال المريض في دوامة من التحاليل والفحوصات غير المجدية.

التعليق