مسرح المدينة في باريس يحتفل بموسيقى القوالة الصوفية

تم نشره في الأربعاء 4 شباط / فبراير 2009. 10:00 صباحاً

ترجمة: مدني قصري

موسيقى القوالة نوع من موسيقى السماع الصوفية، مشتقة من الطقوس الصوفية لبلاد الفرس وقد كانت في القرن العاشرعنصرًا أساسيًا من عناصر الثقافة الإسلامية في باكستان وشمال الهند، وكذلك في أجزاء كثيرة أخرى من العالم الإسلامي. وعلى مدى قرون طويلة والى الآن كانت موسيقى القوالة الصوفية تسعى دومًا للوصول بالمستمع إلى حالة من الانتشاء الروحي المقدس، ومن ثم التقرّب من الله.

رغم الاضطرابات الخطيرة التي تجتازها المنطقة، تظل باكستان البلد الذي تتربع فيه الموسيقى على عرش الفن. لأن هذا الفن يقع في ملتقى تأثيرات الإمبراطورية الفارسية القديمة، والتقاليد القبلية، ولا سيما تقاليد المناطق الواقعة على الحدود مع أفغانستان والتأثيرات الموروثة عن الهند التي كانت باكستان تنتمي إليها قبل الانقسام، العام 1947. 

باكستان، هذه الأرض المسلمة، ما فتئت تنشر وتخلد الطقوس الصوفية القادمة من شمال الهند، وآسيا الصغرى، وتبجّل إلهًا عظيمًا، بواسطة أغان دينية ورعية، مطلقة العنان، وقصائد شعرية منتشية. يضاف إلى هذا، التفاعلات ما بين الذين ظلوا في البلاد وما بين الطائفة الهندية الباكستانية في المملكة المتحدة، العاشقة للموسيقى الإلكترونية الإيقاعية ولسينما هوليود.

البرنامج مثير، وقد ظل مسرح المدينة في باريس يتابعه منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا. ولا أحد ينسى فضل المؤسسة الباريسية هذه في اكتشاف المطرب الكبير نصرات فاتح علي خان، العام 1985، قبل أن ينضم هذا الصوفي الراقي، الذي ولد في البنجاب، العام 1990 إلى مغني الروك بيتر غبرييل وفرقته المشهورة.  

أيقونة موسيقى القوالة، وهي غناء ديني ظهر في شبه القارة الهندية، وعمره 700 سنة، الفنان مصرات فاتح علي خان، توفي في وقت مبكر العام 1997 وهو في التاسعة والأربعين من عمره. بقامته البوذية، وصوته الخارق، وفريقه من عازفي "الأرمونيوم"، وضاربي الأيدي، كان للفنان نصرات، شأن في موسيقى القوالة، لا يقل عن شأن غلين غولد بالنسبة لجيل كامل من عازفي البيانو، العاشقين لعزف موسيقى باخ.

في جناح معرض الحفلات الموسيقية كان للمغني نصرات فاتح علي خان، دومًا، منافسون، ومنهم الأخوة المنتشون صبري بروذرز، من كاراتشي، بشعرهم الطويل المطلي بالصبغة الشقراء، وخواتمهم العديدة، وعيونهم المزينة بالكحل. والحال أن أحد الأخوة، ويدعى غلام فريد، توفي العام 1994، ومع رحيله اختفت الفرقة.

في مساء يوم السبت 21 كانون الثاني (يناير) الماضي، وفي إحدى هذه الحفلات الموسيقية التي عرضت في مسرح المدينة والتي ما فتئت تشكل ملاذًا للهدوء في قلب ضجيج باريس، قدّم مطرب شاب يدعى جويد بشير وفريقه الذي يطمح إلى الخلافة القوالية، مقطوعة من موسيقى القوّالة، تميزت بحيويتها وحماستها المتدفقة، انتشرت فيها الأيادي، وتطلعت العيون إلى السماء. الاندفاع الإيقاعي لموسيقى القوالة عند جيل نصرات، وإصرارها على الوصول إلى الله، عن طريق الانتشاء الروحي، كل هذا نجده مكبوحًا في مقطوعات جويد بشير، بعناصر غناء كلاسيكي استبطاني ومكظوم، قريب من فارس القديمة. جويد بشير يهتم أيضًا بجسمه البارز التقاطيع وأناقة الفارس الأسود بطقمه الأبنوسي، لأن للفنان جويد بشير ألفة مع السينما، حيث غنى في فيلم "باسم الله"، للمخرج شعيب منصور. وهو الفيلم الذي حقق نجاحًا كبيرًا حول أحداث ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001.    

من الغلو الادعاء بأن الحياة جميلة في باكستان. ففي مدينة بيشاور التي تقطن فيها المطربة زارسنغا، التي ينتظرها الجمهور أيضًا في مسرح الأبيسيه، وهي قاعة أخرى من قاعات مسرح المدينة، يوم 7 شباط (فبراير) المقبل، قلت في هذه المدينة الباكستانية، يخشى الموسيقيون العنف ويتفادون المغامرة في اتجاه مضيق خيبر الذي يؤدي إلى أفغانستان. لكن في الأوقات الأقل خطرًا، كانت إذاعة بيشاور تبث موسيقى وأغاني زارسنغا (غصن الذهب) التي ولدت قبل خمسين عامًا في بانو.

كانت هذه المغنية راعية غنم في البادية، وهي ابنة قبيلة من قبائل الباتشون، حراس الجبال المشهورين، الذين تسربت إليهم اليوم المخدرات، والاستخبارات الأميركية، والقاعدة. بالأمس كانت زارسنغا غير متعلمة، لكنها وسعت معارفها وكفاءاتها بإتقانها لأغاني الغزل الكلاسيكي الذي نشأ في قلب قبيلة الباشتون. وتجدر الإشارة إلى أن صفتها كواحدة من الباتشون تتيح لها التسرب إلى أفغانستان لكي تغني وتحيي سهراتها الفنية. زارستغا جاءت إلى فرنسا لأول مرّة العام 1989، في مهرجان مدينة أفينيون. ومنذ ذلك الوقت صارت تدخن السجائر وترتدي الخمار المطرز، وتغني بنفس رزين ومعذب.

التعليق