بدر عبد الحق: الحياة الصاخبة والكتابة الأولى والحب لم يخفها " الزهايمر"

تم نشره في الثلاثاء 3 شباط / فبراير 2009. 10:00 صباحاً
  • بدر عبد الحق: الحياة الصاخبة والكتابة الأولى والحب لم يخفها " الزهايمر"

الذكرى السنوية الأولى لرحيل صاحب "أوراق شاهد عيان"

 

إسراء الردايدة

عمان- تصادف الذكرى السنوية الأولى لرحيل القاص والصحافي بدر عبد الحق، الذي رحل بعد صراع دام خمسة عشر عاماً مع مرض الزهايمر، الذي غيبه شيئاً فشيئاً عن الواقع.

بعد عام على رحيله ما يزال عبد الحق حاضراً في ذاكرة زوجته سلاّمة الجماعيني، وبناته الثلاث ميس ووسن وسمر اللواتي استذكرنه بإبراز صفاته وملامحه، وأجمل الذكريات التي يحملنها داخل قلوبهن عنه.

تستذكر جماعين زوجها، بعد أن  تقرأ سورا من القرآن الكريم لروحه، تستجمع الذكريات التي بقيت محفورة في ذاكرتها، مؤنسة بها وحدتها وحنينها إلى "توأم روحها"، مشيرةً إلى شعورها بالفراغ الكبير منذ رحيله بعد أن كان شغلها الشاغل العناية به والسهر على راحته.

في لحظات الحنين إلى زوجها تتلمس جماعيني رسائل الحب التي كان يخطها لها، مستذكرة الذكريات والحب داخلها وهو ما تحلم به بناتها الثلاث أن يحظين به.

"كان بدر رجلا متواضعا وحنونا، مخلصا لعمله الذي أخذ كل وقته وأولوياته". وتستدرك أن العائلة احتلت المكانة الأولى لديه. وتقول "لم يقصر تجاهها بأي شكل من الأشكال".

وتضيف أن الراحل عرف بالكرم الشديد والتواضع في التعامل، إضافة إلى تميزه بالدبلوماسية والصدق بالتعامل مع الآخرين، وتمسكه الشديد بمبادئه التي تربى عليها وآمن بها وأورثها لبناته، مشيرة إلى أن أهمها الصدق في التعامل والدفاع عن الحق الشخصي والمحافظة على الهدوء في لحظات الغضب.

الجماعيني تبين أن عبد الحق تميز بحس الدعابة العالي، وولعه الشديد في الزراعة والعناية بالحديقة المنزلية، خصوصاً "البندورة" التي كان يمنحها عناية الخاصة في أوقات فراغه، لافتة إلى استمتاع العائلة في الأوقات التي أمضاها معهم في الرحلات أو التسوق والزيارات العائلية وحبه لحفلات الشواء.

من أماكنه المفضلة التي اعتاد الذهاب إليها أثناء العمل مع أصدقائه، مطعم البستان الكائن بالقرب من مقر عمله السابق في الزميلة صحيفة الرأي، ومن أكثر الأشياء التي كان يكرهها عبد الحق، وفق زوجته، "الثلج والليل والبرد".

عائلة عبد الحق أرادت إبقاء الراحل حاضرا في ذاكرة أصدقائه وقرائه، فأنشأت له مدونة على الانترنت، ضمنتها زوجته كتابات وجهتها لروحه واستحضرته إنسانا ومبدعا.

والمدونة التي أطلقت في السادس من شهر حزيران "يونيو" العام 2008، تضم كل ما كتبت جماعين بعد رحيل زوجها رثاء واستذكاراً وحنيناً، إلى جانب عبارات من المجموعة القصصية التي كتبها، وأخرى أحبتها، ومنها لقبه الذي عرف به "أبو البنات".

وكانت أكثر الأغنيات قربا إلى قلب الراحل "يلا تنام" لفيروز، حيث كان يغير فيها الاسم لبناته تباعا.

الابنة الوسطى لبدر عبد الحق "وسن " تشترك معه بتاريخ عيد الميلاد، حيث ولدا في الثاني من شهر أيلول "سبتمبر" وهي "خزان المشاعر " كما وصفهاـ وتشتاق إلى "رائحته ووجهه وتسريحة شعره".

الابنة الصغرى لبدر عبد الحق "سمر" ورثت من والدها ابتسامته، كما تقول والدتها، إضافة ًإلى ولعها بالعمل الصحافي والكتابة، وتستذكر أيام الجمع التي كانت الأيام الوحيدة التي يمضيها في المنزل لـ "تنقضّ على السرير وتوقظه من أجل اللعب معها".

وتشير سمر إلى أن والدها كان صاحب حضور قوي وشخصية مميزة تترك الاثر لدى كل من عرفه، لافتةً إلى أنها استشعرت ذلك في تأبين والدها من قبل الأشخاص الذين حضروه، مضيفةً أنها كانت تقوم بأخذ أوراقه منه حين كان يعمل في المنزل قائلةً "هدا الوقت إلنا" وتمنعه من مشاهدة الأخبار، كي لا ينشغل عنهم.

من الكتابات التي ألفها عبد الحق والتي تفضلها زوجته "رجل بلا عورة " من المجموعة القصصية "الملعون" و"شاهد عيان على غرائب هذا الزمان".

الابنة الكبرى لجماعيني وبدر عبد الحق هي "ميس" ونالت النصيب الأكبر من الدلال لكونها الحفيد الأول في عائلة عبد الحق، وتتميز بالجرأة، وتتمتع بلغة أدبية قوية مثل والدها كما تصفها والدتها.

أكثر اللحظات التي افتقدتها عائلة عبد الحق في السنة الأولى على رحيله أثناء خطوبة الابنة الكبرى ميس التي خلالها شعرن بالحاجة إلى وجوده واشتقن إلى ابتسامته، تلك التي ما يزلن حاضرة في وجوه بناته الثلاث اللواتي يحملن ملامح وجهه وقوته وبراعته الأدبية.

الأخت الكبرى لبدر عبد الحق "وجيهة" تكبره بعام واحد، وهي أكثر المقربين له، لازمته في فترة الدراسة التي أمضياها في مدارس القوات المسلحة في الزرقاء. تصف حبه للأدب والقراءة والروايات في المدرسة، خصوصاً أنه نشأ في بيت تعتبر فيه القراءة مهمة.

أول فرحة كبرى لبدر كانت نشر أول مقالة له في مجلة "صباح الخير المصرية" وكان حينها في أوائل العشرينيات.

"إنسان" هي الكلمة التي تمثله، كما تقول أخته، مشيرةً إلى عمله على تحقيق رغبة والده بدراسة الشريعة في دمشق على الرغم من ميوله الأدبية.

" كان بدر بشوشا وابتسامته العريضة تلفت النظر إليه كما أنه دبلوماسي في تعامله مع الآخرين". بذلك تصف وجيهة  أخاها الراحل والذي تراه في بناته الثلاث إلا أنها تعتقد أن "سمر" أكثر شبها له، خصوصا "ابتسامته البشوشة".

اغلب الأصدقاء المقربين لبدر وافتهم المنية وهم مؤنس الرزاز ومحمد طمليه الذي كان يسرد ذكرياته مع صديقه على مسامع عائلته وفق ما تشير إليه الزوجة، وبرحيله فقدت العائلة عزيزاً آخر.

بيد أن هناك عدداً منهم مايزال على قيد الحياة، منهم باسم سكجها وفخري قعوار الذي تشارك مع الراحل في إصدار مجموعة مشتركة هي " ثلاثة أصوات" مع خليل السواحري في العام 1972 الذي تحدث عن الذكرى الأولى لرحيل بدر عبد الحق.

ويقول " شعرت بالأسى والحزن، بالنسبة للصديق المرحوم بدر عبدالحق، أثناء إصابته بمشكلة "الزهايمر" في أوائل عقد التسعينات، قبل رحيله، ووصفته أنه "طويل العمر"، أثناء الكتابة عنه في كتاب "الراحلون" قبل رحيله، وارتفع الأسى والحزن عندما فوجئت بوفاته".

ويضيف قعوار إلى اكتشافه - قبل أشهر- في الملفات المتوفرة في بيته، أن صديقه الراحل كتب مقالة طويلة حول كتبه في أوائل الثمانينات، وأجرى حواراً طويلاً نشر في مجلة "اليوم السابع" البريطانية في العام 1990، لافتًا إلى قيام الاثنين بتقديم الدعم المتبادل الذي لم يقصر عبد الحق عن تقديمه لكل من احتاج إليه من أصدقائه وأعزائه، ممن تميّزوا بالموهبة الأدبية والموهبة الصحافية.

ولد عبدالحق في مدينة ارحابا (قضاء عجلون) في 2/9/ 1945، وكان المولود الخامس لأسرة محافظة متدينة، فوالده الشيخ محمد أحمد عبدالحق شيخ دين تلقى علومه في الشريعة من دمشق ودرس في مدارس الثورة العربية في معسكر الزرقاء حتى الثانوية، ثم أكمل بدر عبدالحق دراسته في جامعة دمشق وحصل على ليسانس شريعة اسلامية في العام 1968 نزولاً عند رغبة والده. عمل في التدريس منذ تخرجه وحتى العام 1972 بعد ذلك عمل في الصحافة.

في المجال الصحافي عمل بدر عبد الحق صحافيا في دول الخليج في الأعوام 1972 - 1980، كسكرتيرللتحرير في جريدة الوحدة، ومديراً لتحرير جريدة الوثبة فيها حتى العام 1979. كما عمل مراسلا صحافيا لعدة مجلات تصدر في باريس ولندن مثل "اليوم السابع"، "مجلة المستقبل"، مجلة الدستور و"الأسبوع العربي".

عمل لسنوات طويلة في الزميلة "الرأي" حيث كان يكتب مقالا أسبوعيا في زاوية 7 أيام. وانتقل في منتصف الثمانينات إلى البحرين حيث عمل مدير تحرير لجريدة الأيام، ليتفرغ بعد عودته الى الاردن لكتابة مقال صحافي في جريدة الرأي حتى العام 1993 حين توقف عن العمل بعد أن اشتد مرضه.

ترأس بدر عبد الحق نادي أسرة القلم في مدينة الزرقاء بين العامي (1986 - 1988) وكان أحد مؤسسيه، وعمل كمدير لتحرير في مجلتين تصدران عن وزارة الثقافة هما مجلة أفكار ومجلة فنون. إضافة إلى كونه عضواً في رابطة الكتّاب الأردنيين منذ العام 1980  ونائباً لرئيس الكتاب الاردنيين لأكثر من مرة وعضواً في نقابة الصحفيين الأردنيين ونال اعلى الاصوات في احدى دوراتها، وكان نائبا للنقيب لعدة دورات، وعضو هيئة نقابة الصحفيين.

في العام 1986 حصل بدرعبدالحق على جائزة "يعقوب عويس" التقديرية كأفضل كاتب مقالة صحافية عن مقالته التي لم تنشر وكانت بعنوان" حكاية الولد الفصيح" ومن مؤلفاته غير الأدبية كتابان هما حرب الجليل: حول الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان وشهادات ميدانية لضباط وجنود العدو. وكلاهما في مجال الدراسات التوثيقية بالاشتراك مع غازي السعدي.

في المجال السياسي أصدر كتابا بعنوان "أوراق شاهد عيان في غرائب هذا الزمان" في العام 1986 يضم في طياته سبعين من المقالات المختارة له، والذي قدمه له الأديب الراحل مؤنس الرزاز.

له مجموعتان قصصيتان؛ الأولى مجموعة مشتركة مع خليل السواحري وفخري قعوار في العام 1972 بعنوان ثلاثة أصوات، والثانية بعنوان "الملعون" العام 1992.

التعليق