وليد إخلاصي في "رحلة السفرجل": رحلة فكرية تروي العمر بخيباته

تم نشره في الأربعاء 21 كانون الثاني / يناير 2009. 10:00 صباحاً

بيروت- يصف الكاتب السوري وليد اخلاصي عمله الجديد "رحلة السفرجل" بأنه "حكاية" لا "رواية"، مستغلا بحذق هامشا بين الاثنتين يتيح له التخلص من "موجبات" نقدية ربما طولب بها لو اختار الثانية.

وعمل وليد اخلاصي، القصصي والكاتب والباحث العريق، يروي بعمق فكري حكاية العمر وحصاد السنين وحساب الآمال والاحلام والخيبات ليجد، ونجد معه، في النتيجة ما توصل إليه كثير من رجال الأدب والفكر قبله.. أن الأخيرة، أي الخيبات، هي كل جنى السنين او جله في معظم الأحوال.

وليد اخلاصي القاص عالج الموضوع بتحكم فكري سار وفق مخطط يبدو لنا واضحا في ما يرمي إليه بعد مرحلة قصيرة من القراءة. إلا أن القاص المجرب لا يقع في البرودة، أو يوقع قارئه فيها، بل يبقى مرافقا للمشاعر الإنسانية بحرارة أحيانا، وبما يقرب من التقريرية الحسابية حينا آخر. وهو في اختتامه العمل يجعل مصير بطله معين السفرجل أقرب إلى مفاجأة لم تتولد بشكل ميكانيكي عن الأحداث التي سبقتها.

ولأن العمل هو "حكاية"، كما وصفه وليد اخلاصي، فقد سمح الكاتب لنفسه بأمر هو أقرب إلى تقسيم الناس، أي اشخاص روايته، إلى "طبقات" أو أنواع ثابتة تذكر بأفكار منها ما نجده عند أفلاطون، حيث الذهب لا يتحول إلى فضة مثلا. وهذا الأمر غير مقبول تماما من الناحية الانسانية والناحية الروائية التي لا تنفصل عنها.

أمر آخر يلفت النظر وهو أن الكاتب في هذه الحكاية يعتمد أسلوب "التداعيات" الروائية في الانتقال من موضوع إلى موضوع، ومن زمن إلى زمن. لكن هذه التداعيات تبدو ميكانيكية أكثر منها متأتية بشكل طبيعي دافىء، عما سبق او مؤدية الى ما يأتي بعده.

جاء عمل  اخلاصي في 172 صفحة متوسطة القطع، وصدر عن مؤسسة " الكوكب" وهي فرع من دار رياض الريس للكتب والنشر.

ووليد اخلاصي قادر على أن ينقل تفاصيل الحياة اليومية، في الحسي منها وفي النفسي الذي يتعلق بالمشاعر المختلفة، وأن يكن في كثير من مجالات حكايته، أو فلنقل روايته، قد ركز هذه القدرة لتعمل لحساب الفكرة أو الأفكار التي شكلت صلب الرواية.

الفكرة الأساسية التي بني عليها العمل تقول عدة أمور من أهمها أن تقاعد المرء بعد أن يمضي قسما كبيرا من عمره في العمل يشبه نوعا من الموت. إن ما يودّع به من إشادة ومدح هو أقرب إلى رثاء لطيف لعمر لا يلبث أن يلفه النسيان.

بدأ اخلاصي بوصف أول يوم من تقاعده وتوقفه عن العمل، وتوقف ساعة "المنبه" وهي هنا آلة تسجيل لموسيقى كانت توقظه. نقرأ الصفحة الأولى.. "كانت الدقائق التي مرت على "معين السفرجل" في بدايات استيقاظه المتقلبة مدخلا لإدراكه أن شيئا ما يحدث في الدار. شيء لم يحدث مثله من قبل.

واستطاع بعد قليل أن يحدد مصدر الاضطراب، فالذي حدث هو ما في الجهاز القائم في غرفة المعيشة. وكانت المجموعة التي تضم المسجل قد برمجت لتنطلق الموسيقى في الساعة السابعة من صباح كل يوم، إيذانا باستقبال نهار جديد، وبذا أصبح المسجل جهاز توقيت منتظم اعتمدت عليه ساعة الانطلاق إلى العمل، وظلت كذلك بعد أن بات متقاعدا فلم يتغير نظام استيقاظه".

نهار طويل وهو وحيد في البيت. زوجته توجهت في زيارة لإحدى بناتهما التي تعيش مع عائلتها في مدينة بعيدة. جميع بناته تزوجن وابتعدن. درج الآن على التوجه إلى أحد المقاهي ليلتقي عددا من الاصدقاء المتقاعدين مثله.

كان السفرجل قد تخرج مهندسا مميزا متفوقا، لكنه لم يستطع أن يحقق أحلامه ومشاريعه المعمارية الرائعة، فاضطر إلى قبول وظيفة في إحدى الوزارات حيث كان رؤساؤه من "الإمّعات" الذين لم يكونوا مساوين له موهبة وإنجازا.

يصف لنا الكاتب شارعا قبل خروج بطله من البيت. يقول "تحرك الشارع وعادت اليه حيويته المألوفة فسمع هدير السيارات العابرة كعلائم فوضى قائمة. تعالى صوت بائع جوال ينادي على جرار الغاز وكانت قرقعتها تغلب على زمامير الآليات. واختفت أصوات السنونو التي يأمل الناس عودتها مع الغروب... تراجع الخريف عن انذار البرودة المبكر ونضج دفء مقبول مع اشعة الشمس التي نشرت الحنان في كل مكان..."

أما اصدقاؤه المتقاعدون فنتعرف اليهم في قول الكاتب "واستقبلت الزاوية المخصصة له ولرفاقه اول الوافدين.. فاحتل السفرجل كرسيه... ليعود الى جريدته يقلبها. وتوقف عن استعراض العناوين لسماعه خطوات يعرفها. هل "العميد المتقاعد" بضربات اقدامه على الارض... وما ان احتل القادم كرسيه حتى اطل "استاذ الجغرافيا" بابتسامته. واكتملت الحلقة بحضور "الوزير السابق"...".

أما حواراتهم فتنبع دائما وبشكل غير مقنع من اختصاصاتهم، ولربما كانت مقنعة لو جرت مرة او اثنتين لكنها سارت على هذا النمط باستمرار. وأي حوار بين مجموعة من الناس لا يجري بهذا الشكل دائما بل لا بد من "ارضية مشتركة" للحديث.

يقول أحدهم لرفيقه "يبدو ان الجغرافيا اليوم لا تميل الى السكر في القهوة..." ورد استاذ الجغرافيا "...زلازل فيضانات حروب محلية...".

"فانبرى العميد امرا.. بل قل انها الحروب غير العادلة انتشرت في العالم لترفع علم الظلم..."

قال الوزير "صاحبنا المهندس يريد ان يقول ان ضياع اي حرف في كلمة يشبه انهيار بناء فقد منه عموده...". 

وهكذا تسير الامور بهذا الشكل النمطي.

أما نهاية الرواية فقد جاءت بعد ان قصد السفرجل العاصمة دمشق من مدينته حلب ليقدم اقتراحا إلى الوزير، فواجه اخفاقا. في طريق العودة اصيب القطار بعطل استمر مدة طويلة. خرج السفرجل يتمشى وابتعد عن القطار المتوقف. جلس على مرتفع. إنها عودة رومانيسية الى الطبيعة بعد عالمه المضغوط. بدا له أن هناك صوتا يناديه "اقترب يا سفرجل... فاقترب. سمعه دون ان يتحرك... من اين يأتي النداء.. أيمين التل ينادي أم يساره.. فخيل اليه ان جميع الارجاء تهتف باسمه تدعوه. سمع فجأة صوت القطار فانشدّ اليه ليشهد عن بعد عددا من الركاب... يتسابقون في الصعود إليه..."

ومر القطار وهو لا يزال يستمع الى النداء.. "اقترب. وكان النداء كصفير قطار يخترق الروح التي كانت ترتعش في محاولة جاهدة لتلبية أمر الاقتراب." 

التعليق