منصور الرحباني: أغنيةً جئت وفي سفري أمنح أسمائي للأشياء

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2009. 09:00 صباحاً
  • منصور الرحباني: أغنيةً جئت وفي سفري أمنح أسمائي للأشياء

الموت يغيب "حارس إرث الرحابنة"

عزيزة علي

عمان - بوفاة منصور الرحباني أمس عن أربع وثمانين عاما، فقد لبنان علما من أعلام التجديد في الموسيقى والشعر والمسرح في العالم العربي، تجلى خصوصا في نتاجه المشترك مع شقيقه عاصي الذي توفي العام 1986.

وكان منصور قد شكل مع شقيقه الأكبر عاصي ما عرف في تاريخ الموسيقى العربية بـ "الأخوين رحباني" اللذين قدما الكثير من الأغاني والأوبريتات والمسرحيات الغنائية التي اشتهرت في العالم العربي.

وكانت فيروز المطربة اللبنانية الأشهر، زوجة عاصي، البطلة المطلقة في أعمالهما التي أحيت التراث الوطني ونقلت أجواء القرية اللبنانية إلى العالم.

وماتزال آخر اعمال منصور "عودة طائر الفينيق" تقدم على مسرح كازينو لبنان.

أول مسرحية قدمها منصور بعد وفاة عاصي هي "صيف 840" ومن أبرز أعماله اللاحقة "الوصية" و"ملوك الطوائف" و"المتنبي" من بطولة غسان صليبا وكارول سماحة، ومسرحية "حكم الرعيان" من بطولة الفنانة التونسية لطيفة ومسرحية "سقراط" من بطولة رفيق علي أحمد.

عاش منصور وشقيقه الراحل عاصي طفولة بائسة قبل أن يشتهرا في عالم الفن.

فبعد استقالته من عمله في الشرطة اللبنانية، وبعد دراسته الموسيقية لسنوات اجتمع منصور الرحباني مع شقيقه عاصي تحت اسم الأخوين رحباني متخطين حواجز الفردية والأنانية ودخلا معا الإذاعة اللبنانية العام 1945 مزودين بلونهما الفني الجديد.

ألف الأخوان رحباني الكثير من الأعمال الفنية منها الاسكتشات التي عرفت تحت اسم "سبع ومخول" وعندما اقترن عاصي الرحباني بنهاد حداد التي عرفت في ما بعد باسم فيروز العام 1955 شكل الثلاثة معا الثلاثي الرحباني الجديد.

استوحى الرحبانيان موسيقاهما من التراث العربي الإسلامي الماروني البيزنطي والفولكور اللبناني، وكلها تيارات شرقية بالاضافة الى تعمقهما في الدراسة الموسيقية الكلاسيكية الغربية.

كتب المسرح الرحباني للوطن والارض والتاريخ والمستقبل وللفقراء البسطاء واهتم بالفولكلور اللبناني اهتماما خاصا وناصر القضايا العربية الكبرى فكانت اغنيات لفلسطين منها "زهرة المدائن" و"سنرجع يوما" و "جسر العودة".

قدم منصور مع أخيه عاصي الكثير من المسرحيات الغنائية وخصوصا تلك التي كانت تعرض في المهرجانات اللبنانية في بعلبك "أيام فخر الدين" و"جبال الصوان" و"ناطورة المفاتيح" و"قصيدة حب".

كما قدما ثلاثة أفلام سينمائية هي "بياع الخواتم" و"سفر برلك" و"بنت الحارس" بالإضافة إلى المئات من الأغاني التي أثرت المكتبة الموسيقية العربية والعالمية.

في كتابه "الأخوين رحباني طريق النحل" ينقل الشاعر اللبناني هنري زغيب عن منصور قوله "تشردنا في منازل البؤس كثيرا. سكنا بيوتا ليست ببيوت. هذه هي طفولتنا".

بدأت علاقة الأخوين رحباني بالموسيقى باكرا. فوالدهما حنا كان يعزف البزق في أحد مقاهي انطلياس مسقط رأسهما.

ويضيف زغيب نقلا عن منصور "تأثرنا بطفولتنا بأغاني عبدالوهاب (...) إلا أننا حين بدأنا التأليف والتلحين بدأنا لا نشبه احدا. جاء عطاؤنا منذ البدايات مميزا ومغايرا".

ويروي زغيب ان منصور التحق في مطلع شبابه بسلك الشرطة، كما عاصي، لكنهما أخفقا في سلك الوظيفة ونجحا مطلع الاربعينات في اعمال موسيقية ومسرحية "بدأت في انطلياس (...) ثم المقاهي في بلدات الاصطياف".

وتعرف منصور وعاصي على فيروز في الإذاعة اللبنانية العام 1949 وباشرا بتأليف الأغاني وتلحينها.

قدما أول أعمالهما "أيام الحصاد" 1957 في إطار مهرجانات بعلبك (شرق لبنان) الدولية.

ومن أبرز مسرحياتهما المشتركة "موسم العز" (1960) و"جسر القمر" (1962)، و"بياع الخواتم" (1964) التي تحولت لاحقا الى فيلم سينمائي و"دواليب الهوا" (1965) و"أيام فخر الدين (1966) و"جبال الصوان" (1969) و"صح النوم" (1971) و"قصيدة حب" (1973)، و"لولو" (1974) و"ميس الريم" (1975) و"بترا" (1977).

إضافة الى فيروز تعاون الإخوان رحباني مع مطربين لبنانيين كبار أبرزهم وديع الصافي وزكي ناصيف والراحلان نصري شمس الدين وفيلمون وهبي.

مثقفون وفنانون أردنيون وعرب اعتبروا في أحاديث صحافية لـ"الغد" أن رحيل منصور يمثل نهاية لجيل ارتبط باسمه كل ما هو جميل ورومانسي.

شاؤول: نهاية مرحلة الزمن الذهبي

الشاعر اللبناني بول شاؤول اعتبر أن رحيل منصور الرحباني يمثل "نهاية مرحلة من الزمن الذهبي الجميل من الموسيقى العربية الحديثة".

وقال إن تجربة الرحابنة "الصورة الأخرى التي تلت الثورة الموسيقية في مصر"، مشيرا إلى أنها أعطت "مسارا متجددا على صعيد الموسيقى والشعر المسرحي".

وأضاف أن تجربتهما "حولت التاريخ إلى أسطورة، والواقع إلى ملحمة، والحياة إلى ما يشبه السحر"، مبينا أن الرحابنة أحدثا "نهضة في القصيدة الغنائية لتصبح مرادفة للقصيدة العربية العالمية الحداثية".

شاؤول نوه إلى أن منصورا نجا بموسيقياه وأعماله عما ساد الأغنية والمسرح العربي، رائيا أن بتجسد تلك الموسيقى في صوت فيروز "اكتملت الأسطورة والتقى الصوت الذي حمل الكلمات والألحان إلى عالم سحري رائع".

 

الرحبي: جيل ارتبط بكل ما هو جميل ورومانسي

الشاعر العماني سيف الرحبي لفت إلى أن الرحباني ارتبط بمرحلة من التاريخ الغنائي السياسي والعاطفي "مفعمة بالأحلام والرومانسية والتطلعات في كل مستوياتها الفكرية والجملية" مشيرا إلى أنها كانت كذلك على صعيد الغناء في لبنان ومصر، والوطن العربي بصورة عامة.

وذهب إلى أنه في ظلل تلك المرحلة نشأ "جيل عاطفي وغنائي ارتبطت ذاكرته وذائقته الفنية أعمق الارتباط به وبرموزها وعناصرها الغنائية والموسيقى والفنية".

وأكد أن كل ما جاء لاحقا لتلك المرحلة لم يعد يرضي تلك الذائقة، لكأنما باتت هي المثال والمعيار الجمالي، ما جعل كل "قيمة تقاس بمعيار تلك الفترة ورموزها".

واعتبر أن منصور الرحباني "آخر عباقرة تلك المرحلة" مؤشرا إلى ذلك بكونه "موسيقي وشاعر غنائي عذب ورائع"، رائيا أنه بغيابه والعباقرة الآخرين "خلت الساحة لكل ما هو رديء وهابط، ولم يبق من ذلك الإرث الكبير إلا ما يدرس ويتداول داخل أسوار الأكاديميات والمدارس".

وهبي: الحياة برمتها أقل

من جهته لفت الشاعر والإعلامي اللبناني زاهي وهبي إلى أن خسارة مبدع مثل منصور " شخصية بالنسبة له" مبينا أن ذلك يعود بحكم المعرفة التي جمعتهما والحوارات العديدة التي أجراها معه، والجلسات التي كان يستمع خلالها لقصائده الجديدة، وأرائه وأفكاره والأسئلة الوجودية التي تضاعفت كثيرا في الآونة الأخيرة، مضيفا أن موته "خسارة للإنسانية جمعاء".

وأكد أن الراحل شكل برفقة عاصى وفيروز "ضميرا متكلما وناطقا باسم فلسطين وعدالة قضيتها"، مشيرا إلى ما قدموه من أغاني مثل: "زهرة المدائن" و"أجراس العودة".

وقال وهبي إن منصور رحل لأنه "لم يحتمل المذابح اليومية التي ترتكبها إسرائيل بحق أبناء غزة ولم يتحمل هذا الصمت العربي المدوي والمخزي" مشيرا إلى أنه اختار أن يلتحق برفيق عمره ودربه عاصي "ليخبره عن أحوال القدس ونهر الأردن، وبيروت ودمشق، وبغداد، ومكة وكل المدن والبلاد التي أنشدها طويلا".

وزاد أن عاصي ومنصور شكلا مفردة ثنائية مميزة في العالم العربي، ملتقطا مفارقة أن منصورا بقي ينادى بصيغة المثنى بعد وفاة شقيقه، معتبرا أنه بالرحيل الأخير "صارت الحياة برمتها أقل".

 شقير: حارس إرث الرحابنة

بدوره قال المغني السوري سميح شقير إن الراحل كان "من أعظم رواد الفن العرب الجميل"، مشيرا إلى أنه شكل وشقيقه عاصي "ثنائيا أسس في وجداننا مع فيروز أغنية راقية التعبير بمفرداتها اللغوية والموسيقية"، معتبرا أنهما ارتقيا بأرواحنا.

وأشار إلى إسهام الرحباني في الشعر مبينا أنه قدم نماذج "إنسانية ووطنية وسياسية مهمة".

واعتبر أن رحيل منصور "خسارة للفن العربي الجاد والملتزم" مشيرا إلى أنه في حياته كان يبث الطمأنينه لرأيه أنه "حارس إرث الرحابنة العظيم".

وأبدى شقير أسفه لوفاة منصور في خضم العدوان الإسرائيلي على غزة، مبينا أنه توفي "في أشد لحظات الألم الإنساني التي تشهد هدر الدم الفلسطيني على أرصفة غزة".

شمة: الانعطافة الموسيقية العربية الثانية

الموسيقي العراقي المقيم في القاهرة نصير شمة رأى أن رحيل منصور وسط هذه الأحداث التي تجري في فلسطين "مؤلم ومحزن" مضيفا أن موته في أي وقت "خسارة كبرى في عالم الموسيقى العربية".

وقال إن الراحل كان "القطب الآخر من المدرسة الرحبانية التي أسست للأغنية العربية المعاصرة" فلا يمكن تخيل المشهد الموسيقي العربي، وفق شمة "دون النظر إلى إنجازات الرحابنة عاصي ومنصور".

واعتبر أن تجربة الرحابنة تمثل "انعطافا آخر بعد المنعطف الوحيد الذي قاده سيد درويش" الذي غير فيه، كما يعتقد شمة، مساق الموسيقى من العثمانية إلى العربية.

وذهب إلى أن تجربة الرحابنة كانت "جسرا بين الثقافة الموسيقية العربية، وثقافة الموسيقى في العالم بشكل عام".

وأكد شمة أن مشروع الرحابنة لم يكن غنائية فقط، وإنما "مشروع ثقافي بكل معنى الكلمة" مشيرا إلى أنهم  جسدوا "رؤية حداثية للتعامل مع الموروث الموسيقي والغنائي العربي".

الناصر: جزء من التراجيديا العربية

 الموسيقي طارق الناصر شدد على أن رحيل منصور "خسارة كبرى" مستدركا أن العزاء "فيما ترك منصور من أبناء موسيقيين يعملون في هذا المجال".

واعتبر أن ما تركه الرحابنة من إرث موسيقي سوف "يحفظ عبر التاريخ إلى الأجيال اللاحقة" مؤكدا أن التجربة المسرحية الغنائية، على وجه الخصوص "ستبقى في ذاكرة الشعوب العربية وكل من يعمل في المجال الموسيقي".

الناصر لفت إلى أن منصور بقي حريصا على فنه حتى بعد وفاة شقيقه عاصي، مؤشرا الى ذلك بأعماله المسرحية القريبة التي واصل من خلالها رسالة الرحابنة الفنية، خالصا إلى أن رحيله "جزء من التراجيديا العربية".

مكادي: سلسلة آخذة بالانفراط

بدورها اعتبرت المطربة مكادي نحاس رحيل منصور "فاجعة وخسارة للفن الحقيقي الملتزم والمسرح الغنائي".

 وتساءلت عما يمكن أن يفعله جيل الفنانين بعد رحيل هذه القامة الفنية العظيمة في عالم الموسيقى والغناء" مبدية تشاؤمها من "إحياء الفن الحقيقي".

ورأت أنه بوفاته "تستمر سلسلة العمالقة بالانفراط"، معربة عن شكها "أن يجود الزمن بعبقرية من رحلوا".

وتستذكر مكادي حوارا دار بينها وبين منصور للترتيب للقاء فني يجمعهما، مشيرة إلى أن الراحل كان قد أبدى استعداده لتقديم عمل فني غنائي لها، مبينة أن الموعد كان هذا العام، مبدية أسفها أن القدر لم يمهله، ولم يتح لها "شرف الغناء من كلماته ولحنه".

الهبر: مات حزنا على غزة

المطرب خالد الهبر أشار إلى أنه برحيل منصور "تكتمل دائرة الحزن العربي" لافتا إلى أن الراحل "مات حزنا على غزة" وأنه لم يستطع مشاهدة كل تلك المجازر التي ترتكب بحق أطفال وشعب فلسطين".

وشدد على أن الكلمات التي كتبها منصور سوف تبقى "محفورة في ذاكرة الشعوب العربية وذاكرة الإنسان الحية".

وقال إن أمثال منصور "لا يمرون في التاريخ إلى كل ألف سنة مرة واحدة".

لحود: موسوعة فنية كاملة

الكاتب المسرحي روميو لحود قال إن الراحل ترك للبنان والعالم العربي "موسوعة فنية كاملة" مشيرا إلى أنه كان يمتاز بأخلاق عالية.

وأكد أن منصور سوف يبقى حيا من خلال "أغانيه ومسرحياته وألحانه وكتاباته وأشعاره"، منوها إلى روح منصور المميزة التي كانت تسيطر على مسرحياته، خالصا إلى أنه "فنان مهم وعملاق"

التعليق