اخطاء "الرصاص المسكوب"

تم نشره في الجمعة 9 كانون الثاني / يناير 2009. 10:00 صباحاً

هآرتس - رؤفين بديتسور

     

يبدو ان الخطأ الاستراتيجي الرئيس في تخطيط عملية "الرصاص المسكوب" كان قرار البدء من الذروة التي يصعب على الجيش الإسرائيلي بعدها زيادة شدة القتال من الجو. عندما يهاجم مائة هدف بالطلعة الجوية الأولى، باستعمال عشرات كثيرة من الطائرات، تكون النتيجة انه اذا لم يستقر الرأي على انهاء الاجراء العسكري بعد هذه الضربة الاولى، او اذا لم تخضع حماس، ان تكون جميع الهجمات الجوية التي تأتي في اعقاب هذه الطلعة الجوية الأولى اضيق بالضرورة. كاد سلاح الجو يقضي على جميع الاهداف في "بنك الاهداف" المشهور، وبقيت مشكلة تحديد اهداف اخرى تكون مهاجمتها من الجو ذات تأثير كبير في قرارات حماس.

عندما تبين لمخططي القتال ما كان يجب ان يكون بينا من البدء وهو ان حكومة حماس لن ترفع الراية البيضاء بعد ابادة المائة هدف الأولى، اصبحت العملية البرية حتمية. ولما كان من غير الممكن زيادة شدة الهجمات الجوية على ما كان في الضربة الأولى، واضطر سلاح الجو الى البحث عن اهداف جديدة ليست " اهدافا نوعية" كتلك التي ابيدت، وفي حين من الواضح انه مع عدم اتفاق وقف اطلاق نار ينبغي تشديد الضغط على الفلسطينيين بقي الاجراء البري فقط.

ومشكلة اخرى تتصل بأهداف القتال. نصبت الحكومة للحرب هدفا غامضا جدا اساسه تغيير الوضع الامني على حدود غزة. كان عمل القيادة العسكرية التي خططت القتال ان تترجم هذا الهدف الغامض الى اجراءات عسكرية. ويبدو ان قرار القيادة العليا كان احداث صدمة للفلسطينيين بقتل اكبر عدد ممكن من الناس ذوي الصلة بحماس.

يبدو ان الفرض كان ان قتل بضع مئات من الناس سيفضي بقيادة حماس الى الخضوع، او يجعلها تتوسل لوقف اطلاق النار. وكان ذلك من اسباب تنفيذ الهجوم الجوي مباغتة. ان الجيش الإسرائيلي، الذي خطط لمهاجمة مبان ومواقع يسكنها مئات الناس، لم يحذرهم مقدما ان يغادروا، بل قصد الى ان يقتل اكبر عدد منهم ونجح.

كان هنا استعمال مفرط للقوة العسكرية. ولما كان واضحا ان القتال سينتهي الى تسوية يشارك فيها الفلسطينيون- فانه كان يفترض ان يكون هدف استعمال القوة العسكرية التلميح الى ان إسرائيل تستطيع اصابة اي هدف في القطاع، وانه يحسن بقيادة حماس ان تسارع الى بحث وقف اطلاق النار الذي يمنع قتلا اضافيا. ولكي يكون هذا التلميح صادقا فلا حاجة الى قتل مئات من الناس لاننا في النهاية سنضطر الى محادثة الفلسطينيين في غزة، ولا توجد اية ميزة لزيادة آلاف اخرى على نطاق الكراهية والانتقام.

ليس واضحا مثلا اية ميزة او مكسب للعمليات، يكمن في قتل عمد لمائة او أكثر من افراد الشرطة الفلسطينيين الواقفين في الصف، فان قتلهم لا يسهم في شيء في محاربة الارهاب لكنه يوسع دائرة الكارهين.

كذلك غاية القوات البرية – التي ادخلت كالمتوقع بعد ان تضاءلت الاهداف التي يمكن مهاجمتها من الجو، ولم يكن يبدو احتمال لتسوية مقبولة لوقف اطلاق النار- ظلت غامضة. هل يجب فقط محاصرة غزة والاستمرار في قتل عدد اخر من افراد حماس، او ربما دخول شوارع غزة ومخيمات اللاجئين، وادارة معارك من بيت الى بيت بحثا عن قادة المنظمة. الذي تسبب بموت ثلاثة جنود بنار قواتنا الخلل أمس (الأربعاء) لا يدل بالضرورة على فشل، فهذه الأمور تحدث في جميع الحروب.

بدأت هزيمة الولايات المتحدة في حرب فيتنام عندما اخذ الجيش الأميركي وقادته بسياسة "عد الجثث". اما الاهداف الاخرى مثل اخضاع حكومة فيتنام الشمالية او القضاء على قدرة الفيتكونغ على القتال، فلم يكن في الامكان احرازه بالاستعمال المفرط الذي لا تمييز فيه للقوة العسكرية وبقي فقط التبجح بعدد قتلى الفيتكونغ. يجب ان نؤمل الا يجعل استمرار القتال في غزة الجيش الإسرائيلي يأخذ ايضا بسياسة "عد الجثث". فموت بضع مئات اخرى من الفلسطينيين لن يفضي بالضرورة الى تسوية افضل.

التعليق