العدوان على غزة يفرض استحضار نماذج من الإبداع الإنساني المقاوم للظلم

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2009. 09:00 صباحاً
  • العدوان على غزة يفرض استحضار نماذج من الإبداع الإنساني المقاوم للظلم

عمان- تعيد الهجمة الإسرائيلية الوحشية على غزة حكايات وكلمات وأشعارا قديمة اسهمت في التاريخ للحروب والظلم الذي يمارس ضد الشعوب ويصادر إرادتها، وتقف الكلمة وحدها تبث روح المقاومة ضد قوى العدوان الذي يرتكب مجازر يومية بحق الاطفال والنساء والشيوخ.

تستفز غزة كل المثقفين والكتاب والمؤرخين وأصحاب الكلمة كي يسجلوا حروفهم التي ترسم كل علامات الحقد الأسود التي يمارسها عدو مغتصب، على الذين آمنوا بقدسية قضيتهم وحقهم في العيش على أرضهم كي يعيشوا كما بقية الناس في بقاع العالم، وتستفز كل أحرار العالم كي يتحدوا في مواجهة الظلم وتحقيق العدالة وأنصاف هؤلاء الذين يدافعون عن حقهم في الحياة.

تستعيد الذاكرة أحداثا من التاريخ وسجلات كان فيها للكلمة دورها في تاريخ الأحداث، فقد نظمت أشعار وكتبت حكايات وأغان ما زالت تتردد إلى اليوم يسمعها الكبار والصغار ممن يُحبون الحياة، ويُحيون الأمل في الانتصار ويعيدون مجد البطولة والفداء.

منذ القدم كانت القصص والأشعار والحكايات ترافق الحروب، وقد تحركها فكانت الإلياذة التي تحكي قصة حرب طروادة من أهم الملاحم الشعرية الإغريقية التي كتبها شاعر الحضارة الإغريقية هوميروس.

وتروي تلك الملحمة التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد قصة حصار مدينة طروادة العام 1200 قبل الميلاد بطريقة فنية ساخرة تحمل دلالات إنسانية عميقة عن تلك الحرب وشخوصها، من خلال نص شعري جميل جمع بعد مئة عام من وفاة الشاعر.

ويحفظ كل الذين يتوقون إلى الدفاع عن الأرض والعرض والشرف تلك القصيدة التي تؤرخ استغاثة المرأة العمورية (وامعتصماه)، ليسمعها الخليفة المعتصم بالله، ويلبي النداء ويجهز جيشا كبيرا للمسلمين ينتصر فيه على البيزنطيين ويفتح عمورية العام 223 هجرية.

هذه القصيدة ما زال الأطفال والكبار يحفظونها وما زال نداء (وامعتصماه) يوضع شعارا لكل الحالمين بالانتصار، وتلبية نداء الحرية وفك قيد الظلم الذي انشده الشاعر العربي أبو تمام:

السيف أصدق إنباء من الكتب    في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف  في متونهن جلاء الشك والريب

والعلم في شهب الأرماح لامعة  بين الخمسين لا في السبعة الشهب

وبقي الشاعر الإسباني جارسيا لوركا رمزا للحرية في العالم، وأغنية تتردد على خشبات المسرح لدوره في مناهضة الحرب الاهلية الاسبانية وللطريقة التي أدت إلى مصرعه العام 1936، فبقيت أشعاره تتردد في يوميات الحياة الاسبانية والعالمية إلى يومنا هذا، حتى أصبح رمزا للمظلومين من أصحاب الكلمة.

وما زالت أغاني المطرب البريطاني جون لينون الذي قاد حملة عارمة ضد الحرب على فيتنام تتردد وتسمع في المؤتمرات المناهضة للعولمة يغنيها كل المناهضين للظلم.

ولأهميته ودوره الانساني، وخاصة في تلك الحملة التي خاضها ضد الحرب على فيتنام، وضعه البريطانيون بعد تشرشل ونيوتن ودارون وشكسبير كأعظم شخصية بريطانية في استطلاع أجرته ال (بي بي سي)، شارك فيه 447 ألف إنجليزي في أواخر الستينيات من القرن الماضي.

غنى لينون ضد الحرب على فيتنام، ومن أجل السلام العالمي بمساعدة زوجته اليابانية، وكانا يلتقيان يوميا بالصحافيين في سبيل دفع الرأي العام الدولي نحو السلام، وقد رفض هذا المطرب وسام الحكومة البريطانية العام 1969 احتجاجا على موقفها من حرب فيتنام.

وفي مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين وفي إطار مناهضة الفلسطينيين لهذا الواقع الذي عمل على تسهيل الهجرات اليهودية من جميع أنحاء العالم إلى بلدهم، رافق ذلك سجلات أدبية عديدة ساهمت في تأريخ كل الاحداث التي حصلت، ومنها الأغنية الشهيرة التي وصفت عملية إعدام ثلاثة من المناضلين هم محمد جمجوم، وعطا الزير، وفؤاد حجازي على أيدي قوات الانتداب وقيل فيهم:

"كانوا ثلاث رجال اتسابقوا عالموت

أبدانهم عليت فوق رقبة الجلاد

وصاروا مثل يا خال في طول وعرض البلاد

يا عين يا عين ياعين".

هذه الأغنية ما زالت تتردد على ألسنة الفلسطينيين وغيرهم منذ 75 سنة، بعد أن دافع هؤلاء الأبطال الثلاثة عن حائط البراق من محاولات المستوطنين اليهود للاستيلاء عليه العام 1929.

هذه الأغنية الأشهر واحدة من أهم الأشعار التي أن نشدت في مواجهة المستعمر الذي يريد ان ينهب الخيرات ويتحكم بالأرض والبشر الذين لا يراد لهم أن يعيشوا بحرية يتمتعوا فيها بهواء وسماء وبحر بلدهم وما فيه من خيرات.

وتأتي السنون، وفي الأمس القريب يصبح (حنظلة) شخصية الطفل التي ابتدعها الفنان الفلسطيني ناجي العلي في رسوماته أحد أهم الشواهد الحية على الظلم الذي تعرض له الفلسطينيون وقضيتهم الرئيسة التي أهملت وهمشت من دول العالم دون أي حل عادل لها، عندما وضع الطفل وهو ينظر إلى الحائط صامتا لا يتحرك ينتظر من يحفزة ليمارس حياته كبقية الأطفال.

ويقف مارسيل خليفة كأحد اهم المطربين الذين وضعوا أغاني المقاومة في المقدمة حتى اصبحت نشيدا على كل الألسن يرددها الكبار والصغار عندما تشتد المحن، وتضيق الأرض وتصبح ملاذهم الكلمات والأحلام كي يبنوا وطنا.

تلك الأغاني التي وضعت مارسيل في مقدمة الفنانين الذين يبثون روح المقاومة، وامتزجت بكلمات الشاعر الراحل محمود درويش لتؤرخ لمسيرة نضال متواصل ضد الإحتلال.

"غزة" الآن تقف بين مطرقة المحتل الذي يشن حربا همجية لا تفرق بين طفل وشيخ وامرأة، وبين سندان عيون المتفرجين الذين ينظرون إلى حصارها الذي منع الخبز والغذاء والدواء والكهرباء عن كل نفس، وإلى هذه الحرب الهمجية التي تشنها قوى الظلم على شعب أعزل، فأي كلمة أو ريشة أو أغنية يمكن أن تعبر عن هذا الظلم.

التعليق