سينما 2008: أفلام في طور البحث عن هوية عربية واضحة

تم نشره في الأربعاء 31 كانون الأول / ديسمبر 2008. 09:00 صباحاً
  • سينما 2008: أفلام في طور البحث عن هوية عربية واضحة

رشا عبدالله سلامة

 عمان- لطالما ترجمت عوالم الفن السابع التيارت الفكرية المعتملة في المجتمعات، وقد تمثل ذلك في مقياسين: الأول، فحوى الأفلام المعروضة وما تشفه من وجهات نظر سياسية واجتماعية لكتّابها ومخرجيها، وأحيانا ما ترنو إلى إيصاله من رسائل مباشرة أو غير مباشرة، فيما يتجلى المقياس الثاني في نسب إقبال الجماهير على هذه الأفلام، وما يرمز إليه هذا الإقبال من ميول واهتمامات جماهيرية سائدة.

أفلام 2008 تمكنت من تقديم هذه الترجمة على صعد عدة، مصرية وعربية وعالمية، بالنسبة لتلك التي عُرِضت تحديدا في دور السينما الأردنية.

وبرغم عواصف النقد التي لطالما هبّت على السينما المصرية، والتي كانت تختار دوما الانحناء أمامها حتى تصوّب شيئا من أوضاعها لتعاود النهوض من جديد، فقد بقيت السينما المصرية هي المتربعة على عرش إيرادات وشبابيك تذاكر الأفلام العربية، ولربما يعود ذلك إلى باع مصر الطويل سينمائيا، إلى جانب تقديم السينما المصرية أطيافا واسعة من كوميديا ودراما وسياسة وآكشن.

إمام: طقس سينمائي سنوي

أبرز ما ينتظره جمهور السينما فيلم عادل إمام، الذي بات طقسا سنويا ثابتا له، وفي هذا الموسم ارتأى إمام تأجيل طرحه السياسي المعتاد، لمعالجة قضية داخلية، هي قضية الصراع بين المسلمين والأقباط في مصر.

 فيلم "حسن ومرقص"، الذي تقاسم بطولته مع الممثل عمر الشريف الذي استطاع بجدارة مشهودة تقمص دور رجل الدين المسلم، أكثر من إمام الذي أدى دور رجل الدين المسيحي، قدم الفيلم الصورة ذاتها عن المتدينين، والتي يعد "التسطيح" سيمتها الأبرز، فبرغم الإقرار بأن الصحوة الدينية المتفشية حاليا في المجتمعات العربية هي صحوة يشوبها التخبط والعشوائية، إلا أن ذلك لا يبرر عدم تقديم أي صورة إيجابية عن التدين في أفلام إمام، كما لا يبرر وضع التدين العادي (بكل السلبيات التي قد تشوب ممارسته حاليا) في سلة واحدة مع الإرهاب.

نقطة أخرى لم تُحسب لمصلحة الفيلم، وهي الإقحام الكوميدي الذي اختاره مؤلف النص يوسف معاطي، لربما للتخفيف من حدة هذه القضية الشائكة، بيد أن تلك الكوميديا أضاعت كثيرا من هيبة الفكرة وجديتها، بل وربما جدواها أيضا.

إمام لم يصدم جماهيره كثيرا في الفيلم، بسبب حجم دوره الذي كان أقرب للرمزية من ذلك المؤثر فعليا في سيرورة الأحداث، نظرا لأنه انتهج ذلك في أفلامه الأخيرة، جاعلا الصورة المهيمنة له هي البليونير الدونجوان، بعكس أفلامه التي صنعت أمجاده السابقة والتي كان يصر فيها على تمثيل الإنسان المصري الحقيقي بهمومه وآلامه وآماله.

استمرار الموجة الكوميدية

الكوميديا كانت حاضرة بقوة في أفلام الموسم، ومن ضمنها "الدادا دودي"، "المش مهندس حسن"، "رمضان مبروك أبو العلمين حمودة" وغيرها من الأفلام التي مثلت امتدادا بشكل أو بآخر لظاهرة "اللمبي" و"حوش اللي وقع منك" وغيرهما، برغم جنوح بعضها الآخر نحو تعميق الطرح من خلال أبعاد نفسية واجتماعية مثل "آسف على الإزعاج" لأحمد حلمي.

الطرح الكوميدي أبى أيضا إلا أن يكون حاضرا في أفلام سياسية، يفترض في قالبها الجدية المطلقة لسخونة القضايا التي تعالجها، مثل فيلم "ليلة البيبي دول" الذي تقاسم بطولته عدد كبير من نجوم السينما المصرية: نور الشريف، محمود عبد العزيز، محمود حميدة وليلى علوي، إلى جانب الحضور السوري المتمثل في شخصيتيّ جمال سليمان وسلاف فواخرجي.

الفيلم اختار إلى جانب المقاطع الكوميدية التي تعتمد على "الإضحاك الحركي"، أن يجعل من التلميحات الجنسية الفجة وسيلة لاستدرار الضحك، إلى حد اختير فيه اسم "البيبي دول" عنوانا للفيلم، برغم الكم الهائل من القضايا العربية العالقة التي استعرضها.

هفوة "ليلة البيبي دول"

"ليلة البيبي دول" ارتكب هفوة كبيرة تمثلت في وضعه الحق الفلسطيني جنبا إلى جنب مع الحق اليهودي بالنسبة لما يتعلق بمسألة "الهولوكوست"، كان ذلك من إخلال إفراد مساحة حوار هائلة بين الشخصية المصرية المؤمنة بالحق الفلسطيني وبين الشخصية اليهودية، ليتم استعراض الحيف الذي يلقاه الفلسطينيون بالتوازي مع ذلك الذي أوقعه الألمان باليهود. ولربما يعود السبب في هذه النغمة إلى سعي كثير من الأفلام المصرية والعربية مؤخرا اللحاق بركب العالمية والدخول في منافسات المهرجانات السينمائية الدولية، بغض النظر عن الثمن المطلوب في أحيان كثيرة.

الموجة السياسية في السينما المصرية

أفلام أخرى اختارت طابع المراجعات السياسية الداخلية في المجتمع المصري، وفي علاقته بأميركا تحديدا، مثل "هي فوضى" للمخرج خالد يوسف، الذي ركز فيه على فكرة الإرادة الشعبية الحرة وتحديدا تلك "اليسارية" التي مجّدها الفيلم صراحة.

فيلم "الريس عمر حرب" ليوسف أيضا وسّع مداه نحو "الطغيان العالمي"، ليصور الريس عمر رمزا لأميركا التي يدور في فلكها العرب. فيما فيلم يوسف الثالث والذي أحدث ضجة كبيرة، كان "حين ميسرة"، الذي لم يترك منطقة محظورة عربيا إلا وولجها، من علاقات جنسية لا تضبطها قيود إلى شذوذ فاحش وعشوائيات يعيش فيها ملايين تحت خط الحياة، مرورا بالمخدرات وليس انتهاء بالإرهاب. ورمز حينها يوسف للقضية العراقية التي ارتأى أنها تمثل ذروة السقوط العربي على المناحي كافة: السياسية والأخلاقية وحتى الدينية.

 يوسف يكاد يكون محور الموسم، ليس لانتقائه خط ومنهجية أستاذه الراحل يوسف شاهين فحسب، بل لكونه يستطيع خلق تناغم من نوع خاص مع فريق عمله الذي بات من أشهر رموزه خالد صالح وغادة عبد الرازق وسُمَيًّة الخشاب وهاني سلامة. هذا التناغم لا يتجلى فقط على صعيد التمثيل والأداء، بل وحتى وجهات النظر والتوجهات الفكرية التي باتت واضحة لهم جميعا، ولعل من أبرزهم غادة عبد الرازق التي أدت أدوارا كانت حتى الأمس القريب ضمن "التابوهات".

 الوجود السوري في السينما المصرية

فيلم "كباريه" أيضا جاء تشريحا للواقع الداخلي المصري، وكان من أبرز ملامحه وجود الممثلة السورية جمانة مراد فيه، والتي وقفت في دائرة الضوء بعد الزوبعة التي أثارها قرار نقيب الفنانين المصريين أشرف زكي بتقنين الوجود السوري في السينما المصرية، إذ تركت هذه الزوبعة للمشاهد فرصة مراجعة جدوى وسبب هذا الوجود. بيد أن "كباريه"، الذي أدت فيه مراد دور فتاة تجنح نحو حياة الليل بسبب فقرها وأملها في توفير تكاليف رحلة الحج لأمها، لم يكن شيئا بجانب فيلمها الثاني "لحظات أنوثة" الذي كان خير حُجّة في يد أشرف زكي، إذ كان تجاريا هزيلا بجميع المقاييس إلى حد لم يكتب تقريبا أي من النقاد رأيه حياله.

حضور مراد الذي يراه بعضهم غير مبرر في السينما المصرية، يقابله حضور أقوى لجمال سليمان وسلاف فواخرجي تحديدا بعد أن أدّيا باقتدار أعمالا تلفزيونية وسينمائية مصرية: "حليم" لكليهما، و"حدائق الشيطان" لسليمان.

"طباخ الريّس"

فيلم "طباخ الريّس" لطلعت زكريا جاء هزيلا، وربما هذا ما يفسر تراجع عادل إمام عن تمثيله، ففيه ينطق الممثل بلسان المواطن، ويجره إلى حيز "التقديس" لشخصية الرئيس، متجاهلا بذلك أصوات المعارضة العالية.

 تيار أميركي في السينما المصرية

أفلام مصرية أخرى جنحت بعيدا عن السياسة إلى التيار الرومانسي الاجتماعي، والذي تجلى فيه التأثر الواضح ليس بالسينما الأميركية فحسب، بل وحتى في تيار التفكير الأميركي المهيمن حاليا على العالم. "ملك وكتابة" لمحمود حميدة وهند صبري، ركّز كثيرا على فكرة "مراجعة المبدأ" مهما كان عمره أو سطوته أو جذوره، إلى جانب التركيز على فئة "التكنوقراط" المعوّل عليها الإمساك بزمام القرار والرأي العام في دول العالم الثالث بإملاءات أميركية. هند صبري مثلت فيلمين آخرين: "لعبة الحب" و"التوربيني"، وجسدا قمة الرومانسية الغربية في التركيز على محورية المرأة الواعية في العلاقة وليس كونها مجرد جسد فحسب، إلى جانب الدعوة للمراجعة والتمرد على الأنماط الشرقية السائدة.

فيلم "في شقة مصر الجديدة" لغادة عادل، بلورت فيه مع باقي طاقم العمل الأفكار السابقة، إلى جانب التمرد على الحجاب المفروض بالقوة.

 أفلام شبابية أخرى اختارت طاقم عمل شابا لترجمة هذه الدعوات: "الماجيك"، "ورقة شيفرة"، و"كابتن هيمة" لتامر حسني، الذي أثار موجة احتجاج واسعة لتضمنه إيحاءات جنسية، بعكس ما يروّج لبطله من توجه نحو خط الهداية والتدين وتحديدا خط الداعية عمرو خالد.

تيار"الآكشن"

 أفلام أخرى اختارت "الآكشن" منها "نقطة رجوع" لشريف منير، "مسجون ترانزيت" لنور الشريف، و"الشبح" لأحمد عز.

غياب الحبكة المقنعة أهم ما تجلى في تلك الأفلام، وإن كانت توقظ تساؤلا وتعجبا عن رضا المشاهد العربي وغضه النظر عن حبكات الآكشن غير المقنعة هوليوديا، مقابل وقوفه مليا عند الأفلام العربية التي ارتأت محاكاة "الآكشن" عالميا من غير تدقيق على عقلية المشاهد العربي الذي يريد قصصا مستقاة من واقعه لا من واقع ضواحي شيكاغو.

الفلسطينيون في السينما المصرية

ثغرة واضحة تجلت في "مسجون ترانزيت" تحديدا، كانت إقحام الشخصية الإسرائيلية إقحاماً غير مبرر، لما تضفيه من غموض على الحدث لدى المشاهد العربي، بغض النظر عن مدى الإقناع الذي يمثله وجودها بين الأحداث.

النجم الشاب مصطفى شعبان في فيلم "جوبا" أراد اجتراح خط يدمج بين الآكشن والمرافعة عن القضية الفلسطينية، لتكون النتيجة آكشن غير مقنع، وإخفاقا ذريعا في مسعاه.

"جوبا" قفز على تفاصيل المعاناة الفلسطينية كلها من نكبة ونكسة وتهجير ودموية وتزوير وانتحال، مختزلا إياها في الكوفية واللهجات الفلسطينية غير المجادة، إلى جانب تقزيم غطرسة الجيش الإسرائيلي ببضع دبابات وقنابل يستطيع القناص المصري "البارع" التحايل عليها وتدميرها.

فلسطين في السينما العالمية

على صعيد قضية فلسطين سينمائيا، فإن المخرجة الفلسطينية الأميركية آن ماري جاسر استطاعت أن تحشد آلاف المشاهدين عربيا وعالميا لحضور فيلمها الروائي "ملح هذا البحر"، والذي تحدثت فيه عن فتاة يافاوية تعود من أميركا لاسترداد نقود جدها التي جمدها المصرف البريطاني عندما قامت النكبة العام 1948.

فيلم آن ماري جاسر كان خير هدية لشعبها في الذكرى الستينية للنكبة، ليس بسبب ملامستها الحقائق بأنامل مبدعة فحسب، بل لأنها استطاعت تدارك الأخطاء التي يقع بها كثيرون ممن يريدون الحديث عن القضية لنصرتها فيضرون بها عوضا عن ذلك، بسبب تسطيح الطرح وتقزيمه على صعيد الشخصيات والأحداث.

بيد أن الحقل الفلسطيني تحديدا من شأنه إبراز إلى أي مدى تلعب هوليوود على الادعاء والانتحال، كما هو الحال في "لا تعبث مع زوهان" للممثل آدم ساندلر، الذي زوّر كل ما هو فلسطيني لمصلحته، حتى الأكلات والموسيقى وليس الأرض فحسب، كما لم يتوانَ عن السخرية من شخصيات فلسطينية نضالية بارزة، إلى جانب كيله كما هائلا من الشتائم للفلسطينيين والعرب والمسلمين، فيما لم تعرضه أي من دور السينما كما حدث سابقا مع فيلم "ميونيخ" المليء بالمغالطات التاريخية.

مراجعة العلاقة العربية الأميركية

أفلام أميركية اختارت في 2008 المراجعة والتدقيق في العلاقة الأميركية- العربية. بعضها كان روائيا ومنحازا لمصلحة العرب والمسلمين كما في "الزائر" الذي شاركت فيه الممثلة الفلسطينية هيام عباس، فيما أفلام أخرى ارتأت مراجعة العلاقات الأميركية - الإسلامية من منظور أميركي بحت كما في فيلم "لاعب الطائرة الورقية" الذي كانت ساحته أفغانستان، والذي أوصل المشاهد لنتيجة مفادها أن الحقبة التي هيمن فيها النمط الأميركي على أفغانستان قبيل اجتياح الاتحاد السوفيتي لها كانت الأفضل مقارنة مع ما فعله السوفييتين ومن ثم طالبان.

مسلسل وثائقي جاء في قالب فيلم بأربعة أجزاء عن حياة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، من إنتاج قناة BBC. وتم فيه استعراض حياته وثائقيا من منظور الرواية الأميركية، من غير أن يُمنح فيه الطرف المقابل (العراقيون) فرصة الرد أو حتى المشاركة، ومن غير أن يحظى بأي اهتمام عربي للتدقيق فيه، خصوصا بعد أداء الممثل الإسرائيلي إيجال ناعور دور البطولة فيه.

 فيلم "حرب تشارلي ويلسون" للممثلين توم هانكس وجوليا روبرتس، تحدث عن صناعة أميركا للإرهابيين، وكيف تم ذلك بأدق تفاصيله في أروقة البيت الأبيض من خلال شخصية السياسي الأميركي في تلك الحقبة تشارلي ويلسون.

مراجعة القيم الأميركية سينمائيا

فيلما "جورجيا رول" و"رحلة الذهاب للجامعة" اختارا بشكل مبطن مراجعة قيم المجتمع الأميركي ما بين الأمس واليوم، وكيف أن أميركا ضحّت بكثير من المبادئ الأخلاقية التي قامت عليها، وإن كان الطرح في الفيلمين تم بقالب كوميدي اجتماعي خفيف.

أفلام معتادة في السينما الأميركية

ولم تخالف هوليود عادتها في بعض الأفلام الأسطورية التي تتخذ طابعا تاريخيا وإن كان في أحيان وهميا كما في فيلم "10.000 عام قبل الميلاد"، والذي تحدث عن فكرة الغزو والقبلية منذ العصور السحيقة، فيما أفلام موسيقية ورعب وآكشن كثيرة عجّت بها دور السينما الأميركية والعالمية انصياعا لمعايير الجمهور الشبابي في الغالب.

الرومانسية الخفيفة كانت حاضرة أيضا بقالب غربي كما في فيلم "قائمة أحلام ما قبل الموت"، الذي جسد الرومانسية الأدبية الغربية المتمثلة في عمق الفكرة الإنسانية وليس في المشاهد العاطفية الساخنة، وفيلم "الإشبينة"، الذي استعرض إلى جانب قصته الرومانسية الاجتماعية الفروقات بين المجتمعين الأميركي والبريطاني.

التعليق