حزب العمل رفع شعار اليسار ومارس قناعة اليمين

تم نشره في الاثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2008. 10:00 صباحاً

هآرتس–  بقلم: جدعون ليفي

     

لا تتهم ايهود باراك: هو حفار القبور فقط. لا تتهم ايتان كابل: هو الذي سيقوم بتسجيل شهادة الوفاة فقط. جثة حزب العمل الاسرائيلي تتدحرج في الشوارع منذ سنوات طوال محتضرة متلوية حول نفسها. في الواقع انهى هذا الحزب دوره التاريخي في صبيحة حرب حزيران، منذ ان تدهورنا وهو معنا من نقيض الى نقيض. محاولات الانعاش الاصطناعي وحدها على صورة انضمامه لكل حكومة تقريبا هي التي ابقته حيا يرزق، ان كان من الممكن ان نسمي ذلك حياة عندما يتعلق الامر بحزب يساري.

الصرعة الرائجة الان اتهام باراك، ولكن الخطيئة القديمة جرت منذ زمن. الان مع تأخر كبير جدا جاءت العقوبة. حزب العمل مات عندما تحولت غولدا مائير وايجال الون وشمعون بيرس ويسرائيل جاليلي الى مقاولي بناء كبار للحركة الاستيطانية، وحزب العمل مات مرة اخرى عندما تم القضاء على اشتراكيته، وتكرس عندنا بدلا منها اقتصاد عمال المقاولين. مقاولو المستوطنات وعمالهم، الذين يدين لهم حزب العمل باحتضاره الطويل تسببوا بضياع دربه ونهجه هذا النهج الذي لم يجده بعد ذلك مرة اخرى. حزب العمل اقام الدولة بالدم والنار واقام مجتمعا اشتراكيا مع شبكات امان حقيقية قبل مدة طويلة من ولادة هذا المصطلح. ولكن هذا الحزب لم ينجح في الادراك بوجوب فتح صفحة جديدة بعد سنوات على اقامة الدولة والمجتمع، صفحة الانخراط الحقيقي في منطقة تقوم على العدالة وحقوق الانسان والمساواة في الفرص الاجتماعية.

الاحزاب والحركات تقاس على المدى الزمني بتياراتها العميقة وليس بحيل مستشاريها الاعلاميين الخداعة . لدى اليمين الاسرائيلي تيارات عميقة كهذه. هو يقوم على اسس دينية، وكراهية الغريب، وتكريس الخوف، وعبادة الاوثان والسجود امام الامن والعنصرية – اسس سلبية ولكنها اسس حقيقية. اما تيار اليسار العميق، في البلاد والعالم فيجب ان يكون التطلع للعدالة. حزب العمل فقد منذ زمن هذا التيار العميق وتحول الى يمين اسرائيلي ضعيف. وباعتباره يمينا ضعيفا فهو لا يستحق اكثر مما يحصل عليه في الاستطلاعات. ليس بامكانه ان يتحدث عن حقوق الانسان، منذ ان تحول الى شريك كامل للمشروع الاستيطاني، وليس بامكانه ان يتحدث عن حقوق العاملين، بينما يشارك في معركة القيم المزدوجة المتبعة هنا، للعامل اليهودي وللعامل الغريب. كما ان مهمته الاخيرة كمحافظ على سلطة القانون ليست اكثر من خدعة في ظل حقيقة ان القيم القانونية هنا مزدوجة المعايير ايضا معيار لليهودي واخر للعربي.

كل ما حدث هنا منذ 1967 ربما باستثناء اوسلو سجل ضد مصلحة حزب العمل: الفرصة التي ضيعها ليفي اشكول وموشيه ديان اللذان لم يتوصلا الى تسوية غداة الحرب ورفض غولدا التوصل الى اتفاق انتقالي مع مصر، وحرب يوم الغفران، ورفض الاعتراف بـ م ت ف، وغياب اي موقف اخلاقي في قضية الاحتلال وتعميقه وصولا الى الاحتلال الدائم، وازدهار المشروع الاستيطاني. حركة العمل جردت نفسها ايضا من كل كنوزها على المستوى الاجتماعي ولم يتبق من الهستدروت والكيبوتس والقرى التعاونية والشركات العمالية وصناديق المرضى والشبكات الاجتماعية، والثقافية وشبكات الاغاثة التي اقامتها هذه الحركة اي شيء.

كل ذلك اختفى وكأنه لم يكن وحصلنا بدلا منه على ثمار الاشتراكية الديمقراطية الاسرائيلية الفاسدة في اسوأ صورها. غولدا وديان حرضا على الحرب، وبيرس كان كبير المضللين في قضية السلام، واسحاق رابين شريك في اشتعال الانتفاضة الاولى وانزالها على رؤوسنا وبنيامين بن اليعازر شارك في اندلاع الانتفاضة الثانية اما حاييم رامون قد قام بحل الهستدروت. كل ذلك كان مصابا بجرثومة الاحتلال، والتعالي، ونزعة القوة وطغيان الجبروت، والعنصرية والنزعة الرفضوية الاسرائيلية التي تميز فيها الحزب الذي اعتقد انه ولد حتى يحكم ولم يحاول ابدا ان يصبح بديلا لليمين. كل ما فعله اليمين فعله حزب العمل ايضا، واحيانا بصورة افضل، او اسوأ، الا انهما سارا في نفس الاتجاه.

ليس هناك اي يساري حقيقي مستعد اليوم للتصويت لحزب العمل. لا يمكن لاي رجل دعاية ان يغير حقيقة ان باراك بعيد الان عن التطلع للسلام والعدالة الاجتماعية مثل بعد نتنياهو عنها. لا يمكن لاية صرعة اعلامية ان تعيد للعمل تيارات اليسار العميقة- ولذلك اصبح حكمه مقضيا. كل قادة هذا الحزب باجيالهم المتعاقبة علموا الاسرائيليين مبدأ السير بعيدا عن الشيء والشعور معه في ان واحد، علموهم كيف يأكلون الكعكة مع ابقائها كاملة سليمة، وكيف يكونون محتلين قساة غليظين وارباب عمل استغلاليين من دون اية كوابح اخلاقية، وعلى الطريقة التي يحبها الاسرائيليون جدا. ان كان اريئيل شارون صاحب حرب لبنان الأولى وبنيامين نتنياهو الذي جاء في اثره قد تسببا بشعور بعض الاسرائيليين بالخجل والخزي من اعمال حكومتهم، فقد عرف قادة حزب العمل دائما كيف يقودون الناس في دروب التيه والضلال. على المستوى الاجتماعي ايضا الذي لا يتحدث احد عنه بالمرة في هذ المعركة الانتخابية ليس لدى حزب العمل ما يقدمه للناس. لا شيء. لقد اغلقت كل تياراته العميقة، وهذا حدث منذ زمن.

لذلك، ربما من الافضل ان يلفظ حزب العمل انفاسه. يجب على دعاة السلام والعدالة ان لا يأسفوا من هذا الرحيل، الذي لا يأتي قبل اوانه. ربما تنشأ عندنا حركة جديدة مع تيارات عميقة عندما يزول هذا الغطاء المريب. في هذه الاثناء لدينا معركة انتخابية تفتقد لليسار الهام.

التعليق