ملتقى الحوار الثقافي العربي الألماني: التخلص من هيمنة القطب الواحد والبحث عن قنوات جديدة للتدفق المعرفي

تم نشره في الجمعة 5 كانون الأول / ديسمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • ملتقى الحوار الثقافي العربي الألماني: التخلص من هيمنة القطب الواحد والبحث عن قنوات جديدة للتدفق المعرفي

200 مثقف ومفكر وإعلامي يلتئمون في دبي لمناقشة آفاق الحوار بين الشرق والغرب

دبي- الغد- أكد مفكرون ومثقفون عرب وألمان على أهمية اكتشاف مناطق جديدة في الثقافتين العربية والألمانية والتخلص من هيمنة القطب الواحد الأميركي الذي طبع الحياة السياسية في العالم بنزعته المهيمنة والمتصادمة مع تطلعات الشعوب.

ودعا المثقفون خلال ملتقى الحوار الثقافي العربي الألماني الذي اختتم أعماله في دبي إلى إدراك أهمية المساهمة في التغيير والعمل على استكشاف قنوات جديدة لمنح زخم جديد للتدفق الثقافي والمعرفي بين الشرق والغرب.

ونظمت الحوار مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ودعي إليه زهاء 200 من المفكرين والمثقفين والأكاديميين العرب من بينهم أدونيس، ومحمد عبد الجابري، فهمي جدعان، برهان غليون، مطاع صفدي، محمد برادة، خيري منصور، الطاهر لبيب، فهمي هويدي، حسن حنفي، جلال أمين، حسام الخطيب، وجمال الغيطاني. ومن المثقفين الأمان شارك هانز ماغنوس إنتسنسبرغر الذي يوصف بأنه عميد الأدب والشعر في ألمانيا والبروفسوران الألمانيان أودو شتايتباخ وكاترين مومزن، وهانز آنس بيرغر، والبروفسور أنغليكا نويفيرت، وفولكر براون، ودانييلا دان.

 كما شارك في الملتقى عدد من الإعلاميين العرب من بينهم زاهي وهبي وزافين قيومجيان ورئيس تحرير الغد الزميل موسى برهومة.

وشهد نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إحدى جلسات ملتقى الحوار الثقافي العربي الألماني، الذي افتتحه رئيس مجلس إدارة هيئة الثقافة والفنون في مدينة السلام سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم. 

 ونوه سمو الشيخ ماجد بأهمية الملتقى كونه يؤسس لصفحة جديدة من الحوار العربي الغربي في وقت يموج فيه العالم بالكثير من التحديات التي تجعل من الحوار والتواصل الفكري والثقافي مطلباً حتمياً لتمكين شعوب العالم من مواكبة ما يحيط بهم من متغيرات.

 وأكد  نائب رئيس مجلس إدارة هيئة الثقافة والفنون في دبي الأديب الإماراتي محمد المر في كلمة افتتاح الملتقى على أنه في ظل الظروف الحضارية الصعبة التي تعيشها البشرية في هذه الأوقات المضطربة يظهر أن أطروحات القطب الواحد وسياسات تغيير العالم بالقوة أثبتت فشلها الذريع وأنه لا بديل للحوار والتعاون بين مختلف الحضارات والمناطق الجغرافية والدول.

وقال المفكر الألماني هانز ماغنوس إنتسنسبرغر إن خطوة من قبيل هذا الملتقى الحيوي تفتح الآفاق على المجهول متسائلا : هل يحتاج العالم العربي إلى تنوير جديد، مؤكداً أن للتنوير تعريفات مختلفة في لغات العالم المختلفة، لكنها جميعاً تتعلق بالنور والضوء وأنه مصطلح مرتبط بالأمل إلى حد كبير.

الاستشراق والاستغراب

 وتضمن الملتقى جلسات ناقشت "الاستشراق والاستغراب" وأدارها د. فهمي جدعان وشارك فيها مدير مركز الإنماء القومي للأبحاث والترجمة والعلوم الإنسانية د. مطاع الصفدي والشاعر أدونيس والبروفسوران الألمانيان أودو شتايتباخ وكاترين مومزن.

 كما حملت بعض الجلسات عنوان من بيت الحكمة إلى "ترجم" وأدارها دزليزلي ترامونتيني بمشاركة د. جلال أمين ود. الطاهر لبيب ود. شهاب غانم وهانز آنس بيرغر والبروفسور أنغليكا نويفيرت. أما الجلسة الثالثة فكانت تحت عنوان "من سرق هيغل؟ تأثير التغيرات السياسية في العالم على الثقافة"  وشارك فيها  د. عبد الخالق عبد الله، ود. مصطفى ماهر وخيري منصور وفولكر براون ودانييلا دان.

 وأكد مطاع الصفدي أن العالم ينفتح أمامنا كعالم واحد بينما تبقى الهوية العربية هي المسيطرة على تفكيرنا، لكن هذه الهوية يجب أن تكون متحركة ومتغيرة ومتحولة، وإذا لم نؤمن بذلك فسنبقى متقوقعين على أنفسنا.

وطرح الصفدي السؤال التالي: لماذا يجب أن نعرف الفكر الغربي وهو يقتلنا كل يوم بالبندقية؟ وأكد أن فحوى هذا السؤال هو السبب الحقيقي الذي يجب أن يدفعنا إلى معرفة المجتمع الغربي وذلك لكي نتجنب ويلات الحرب التي يشنها ضدنا. وذكر الصفدي بأن أول ما فعله العرب القدماء في صدر حضارتهم كان ترجمة فكر الحضارات الأخرى مثل الفارسية والبيزنطية واليونانية..

وقالت د. مونزن إن الاستشراق يعبر عن شعور الغرب بالتفوق، بينما عرّفت الاستغراب بأنه شعور بالدونية جاء كردة فعل على التفوق الغربي، وهذا يعني أننا نقف أمام عقدتين: عقدة التفوق وعقدة الدونية. لكنها أكدت على ضرورة تجاوز هاتين العقدتين باتجاه الاعتراف والاحترام المتبادلين على طريق جسر الهوة القائمة بين الشرق والغرب.

وأشارت كذلك إلى أن الاستغراب عبارة عن ردة فعل مفهومة على الاهانة التي تلقاها الشرق من جانب الغرب، لكنها ميزت بين استشراق سلبي جوهره استعماري وآخر إيجابي قائم على التبادل والتكافؤ، الأمر الذي بمقدوره الإسهام في بناء عالم أفضل.

 وكشف د. حسن حنفي أن الاستغراب لا يشكل حالة عداء للغرب وليس طابعا أيديولوجيا. وقال إن المقصود من مفهوم الاستغراب هذا هو تحويل الذات إلى موضوع كي نتحرر مما أسماه "عقدة النقص" عن طريق بناء علاقة متكافئة بين الشرق والغرب.

 البروفسور بيتر هاينه أستاذ الدراسات الإسلامية والذي ترجمت له مؤسسة محمد بن راشد كتابه "الإسلام" ميز بين الاستشراق كعلم والاستشراق كأيديولوجيا. وقال إن الاستشراق الألماني بدأ رومانسيا في القرن التاسع عشر فكان هناك مستشرقون يعملون مستشارين وجواسيس، في حين تحول بعضهم من الاستشراق السياسي إلى الاستشراق العلمي.

من بيت الحكمة إلى ترجم

 في الجلسة التي حملت عنوان "من بيت الحكمة إلى ترجم"، قالت د. ترامونتيني إنه عندما يترجم الألمان من العربية إلى الألمانية، فإنهم يخدمون بذلك أنفسهم، بينما ركز د. شهاب غانم على الطابع التنويري للترجمة الذي يلعب دوراً تقريبياً بين الأمم والحضارات، حيث يعتبر الشعر والأدب روح الأمة.

 وتحدث د. الطاهر لبيب عن العلاقة بين الترجمة والحوار. وقال إنه من الصعب التعرف على ماهية هذه العلاقة إلا من خلال ما تنتجه عملية التثاقف هذه، مؤكدا على أن الجانب المهم فيها ليس الجانب الكمي وإنما النوعي.

 وتساءل د. جلال أمين عمن نريد الوصول إليه عن طريق عملية الترجمة. وقال هل نتوجه إلى النخبة أم إلى عامة الناس.

من سرق هيغل؟

 وتناولت جلسة "من سرق هيغل؟ تأثير التغيرات السياسية في العالم على الثقافة"  كثيراً من الجوانب النظرية المتعلقة بهذا الموضوع والكثير من المستجدات الفكرية والسياسية على الساحة الدولية. وأكد خلالها د. مصطفى ماهر أن هيغل كمبدع ملك للإنسانية جمعاء وكتب للجميع، حيث لا مكان هنا للحديث عن السرقة بل عن قراءة وإعادة قراءة. لكن الذي حدث هو أن هيغل استدعي مؤخرا من قبل صموئيل هنتغتون وفرانسيس فوكوياما، استدعاء لم يكن موفقاً، فلقد جاء مبسطاً وسطحياً عدا عن أن التوظيف كان غير موفق أيضاً.

وعرّف خيري منصور سرقة هيغل بأنها "تقويل" هيغل ما لم يقله الفيلسوف الألماني وذلك من منطلق أمركة العالم، كما ألقى الشاعر والكاتب الفلسطيني الضوء على مغالطات فرانسيس فوكوياما في هذا الميدان.

فولكر براون، أكد من جانبه أن فوكوياما استعان بفلسفة هيغلية خاطئة، مشيرا إلى أن الأزمة التي يشهدها العالم في يومنا هذا لا تكمن في الأزمة المالية، بل إنها موجودة في مكان آخر، وفي ميدان صنع الحضارة الذي أخذته الولايات المتحدة إلى أماكن أخرى.

 ولفتت دانييلا دان إلى أن الأزمة المالية الحالية انعكست في حوار فكري ثقافي في ألمانيا والعالم باتجاه استدعاء هيغل والفكر الماركسي تأكيدا على أن النظام الرأسمالي قد انتهى عهده.

 لكنّ هناك هيغليين قد أخذوا فلسفته نحو القول إن هناك بروزاً جديداً للرأسمالية . وأشاروا إلى إن هناك رأسمالية جديدة تظهر في آسيا وأماكن أخرى من العالم.

حضور التراث العربي في ألمانيا

 وتناول الملتقى في جلسات اليوم الثاني "مستوى حضور التراث العربي في ألمانيا"، حيث أكد المشاركون أن التراث الإبداعي لا ينتمي إلى قطر بعينه أو منطقة بذاتها، ولكنه يتجاوز ذلك كله إلى الفضاءات الإنسانية الأوسع، وأن الحضارة العربية والإسلامية تمكنت من تقديم إبداعات كانت مظاهرها حاضرة بوضوح في الغرب وبخاصة في أوج تألقها في مرحلة الدولتين العباسية والأموية. 

وأدارت الجلسة الشاعرة رئيسة اتحاد ديوان الشرق الغرب ومقره برلين أمل الجبوري، وتحدث خلالها كل من البروفسور كلاوس بيتر هازا، أحد كبار الأساتذة المتخصصين في الفنون العربية الإسلامية وهو مرجع عالمي في هذا المجال وأستاذ كرسي العلوم الإسلامية في جامعة كوبنهاغن، والدكتور مصطفى ماهر وهو أستاذ غير متفرع وهو من مؤسسي دراسات فقه اللغة الألمانية وآدابها والترجمة منها وإليها على المستوى الأكاديمي، والدكتور عبده عبود وهو أحد المتخصصين في الأدب المقارن في مجال الأدبين الألماني والعربي وله العديد من المؤلفات في هذا المجال.

 وأشار ماهر في مداخلته إلى تجربته التي قام من خلالها بتأسيس نظرية تقوم على ما وصفه بالمتحف الخيالي الذي يضم تراثا وذخائر إنسانية.  وقال إن المبدعين في مختلف أنحاء العالم يؤمنون بأن الإبداع لا يعرف حدودا وأن من يكتب يقدم فكره للإنسانية بشكل عام. 

وأشار ماهر إلى أن نظريته أيضا توضح أن هناك حركة مستمرة يتحرك فيها الإبداع من المستوى الفردي المحلي إلى الفضاء العالمي الأوسع والأشمل ومن ثم يعود الإبداع مرة أخرى إلى المستوى المحلي الفردي في حراك دائم لا ينقطع، حيث عزا للترجمة الفضل الأكبر في تعزيز هذا الحراك.

وأكد المتحدث أن إسهام الثقافة العربية تميز بقدرته على هضم الثقافات الأخرى، وقال إنها ساهمت في تعزيز الثقافة الغربية، يعد مصدر فخر للعرب، حيث إن الحضارة العربية والإسلامية تمكنت من هضم الثقافة الإغريقية في الوقت التي نبذتها فيها أوروبا مع اعتناق الدولة البيزنطية للمسيحية ونظرتها للمكنون الثقافي للحضارة الإغريقية في ذلك الوقت على إنها كفر وإلحاد، ، ومن ثم قامت بإعادة تقديمها إلى أوروبا.

وقال إن حاملي الثقافة العربية والإسلامية قاموا بدور كبير لم يقتصر على المنطقة التي عاشوا فيها، منوها بالرأي الذي يعتقد بأن الثقافة العربية مع انتقالها إلى غرب أوروبا وترجمتها إلى اللاتينية كانت سببا رئيسا في إيجاد الخط الفاصل بين الهويتين الأوروبية الغربية والأوروبية الشرقية.

المثقفون الأوروبيون والفكر الصوفي

 وأشار ماهر إلى أنه في الوقت الذي كان يكيل فيه مارتن لوثر الإهانات للإسلام في العصر الذي كانت فيه أوروبا كارهة للمسلمين، نجد أن المثقفين الأوروبيين كانوا مغرمين بالفكر الصوفي وترجموا عنه العديد من المؤلفات المهمة، منوها بالدور الذي لعبه المفكر الألماني الكبير غوته في حسن استقبال الثقافة العربية والإسلامية وصياغتها صياغة نموذجية ساهمت في إحداث حالة من التقارب بين الثقافة العربية والثقافة الألمانية الأوروبية.

 وشدد الدكتور ماهر على أهمية أن يقرأ الألمان للعرب وأن يقرأ العرب للألمان، منوها بظهور مجموعة من المثقفين من الجانبين الذين يتقنون اللغتين نثرا وشعرا. وأشار إلى تجربته الذاتية في هذا الخصوص حيث ترجم أكثر من 40 قصة قصيرة عربية إلى الألمانية من بينها قصة للكاتب الكبير الحائز على جائزة نوبل للأدب نجيب محفوظ إضافة إلى ترجمته لأجزاء من كتاب "الأيام" للمفكر والأديب طه حسين، معربا عن أمله في أن يزداد عدد المترجمين بين اللغتين.

من ناحيته، أشاد البروفسور كلاوس بيتر هازا بالإسهام العربي في الحضارة الإنسانية. وقال إن الأعمال الفنية التي تضمنتها واجهات القصور العربية القديمة تضمنت فنا عكس مزيجا تم استقاؤه من الحضارات المختلفة في دليل دامغ على عالمية الإبداع وقدرة الثقافة العربية على استيعاب وهضم الثقافات المختلفة، واستشهد في ذلك بجزء من واجهة قصر عربي أردني قديم أهدي إلى القيصر فيلهيلم والذي يحمل مزيجا من النقوش النباتية الإسلامية والمنحوتات ذات الطابع الإغريقي.

وأشار البروفسور هازا إلى أن آثار الحضارة الإسلامية والعربية ملموسة في مختلف أنحاء منطقة بحر المتوسط، منوها بأن الإبداع الفني دائما ما يواجه فترات ازدهار وتراجع في مراحله الزمنية المختلفة. وقال إن العصر الأموي مثل واحدة من أهم المحطات للإنتاج الإبداعي في الحضارة العربية.

من ناحيته، استعرض الدكتور عبده عبود مجموعة من المبادرات العربية والألمانية المختلفة التي سعى أصحابها وبجهود فردية إلى تعزيز التواصل العربي الألماني وتضمنت تلك المبادرات مجموعة من المطبوعات والنشرات الدورية الصادرة باللغتين العربية والألمانية. كما نوه بإسهامات بعض المفكرين الألمان الذين حرصوا على تعزيز التواصل الثقافي بين الجانبين.

وفي مداخلة قدمها الروائي المصري جمال الغيطاني، أعرب عن قناعته بأن الثقافة العربية ما تزال معزولة في ألمانيا، والجهود التي تتم لتعزيز التواصل الثقافي العربي الألماني ما تزال محصورة في جهود فردية، منوها بدور ألمانيا الديمقراطية في التعريف بالثقافة العربية حيث بدأت هناك ترجمات الأعمال الفكرية والأدبية العربية، كما نوه بمشروع النشرات الإسلامية في ألمانيا والذي تمكن من تحقيق مكتبة عربية مهمة ضمت العديد من نفائس المؤلفات وأمهات الكتب العربية، إلا أنه للأسف تعثر في المرحلة الأخيرة بعد أن قدم للمكتبة الألمانية مجموعة محققة بالغة الأهمية من المؤلفات العربية التراثية.

دور المثقف في عالمنا اليوم

وفي الجلسة التي حملت عنوان "دور المثقف في عالمنا اليوم" بحث المشاركون عن إمكانية وضع مفهوم محدد لمصطلح المثقف وتحديد دوره في المجتمع بمختلف أيدلوجياته وواقعه ومستوى تطبيق الحرية والديمقراطية فيه.

ودعا الكاتب والمفكر الإسلامي فهمي هويدي خلال الجلسة التي ترأسها أستاذ العلاقات الدولية الإسلامية في جامعة الإمارات الدكتور سعيد حارب ، إلى تحديد من هو المثقف وما هو المجتمع الذي يخاطبه في ظل ظاهرة تزوير المثقفين، وبخاصة مع ثورة الاتصالات الحالية، حيث يظهر أنصاف الموهوبين عبر الفضائيات ليعبروا عن الرأي العام، معتبراً أن المثقف الذي يقصده هو الذي يعبر عن ضمير المجتمع بالدرجة الأولى.

وأوضح هويدي أن المثقف في المجتمع الديمقراطي يختلف عنه في المجتمعات غير الديمقراطية، فالأول حسب تعبيره هو شريك في التنمية والتغيير، أما الثاني فهو مُبّلغ بالدرجة الأولى وليس مغيراً، معرباً عن دهشته من أكثرية المثقفين الغربيين والمتحركين دفاعاً عن حقوق مختلفة منها حقوق الإنسان وحقوق الجنوب وقضايا أخرى، وهم أنفسهم الذين يصاب أغلبيتهم بالسكون أمام التحديات الخارجية التي تواجه الأمة العربية.

وقال هويدي إن المثقف في المجتمعات العربية غير الديمقراطية دوره محدود ينحصر في التبليغ فقط وينشط في حدود متواضعة، رغم أن الإنسان في المنظومة الإسلامية مسؤول عن التغيير ولم يخلق عبثاً فهو مكلف وله دور في التشجيع على الخير ومحاربة الشر، موضحاً أن المثقف هو طليعة التغيير ولديه فرصة متاحة للتغيير في المجتمعات الغربية بينما تظل فرصته محدودة في المجتمعات غير الديمقراطية.

وقال أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي السابق بجامعة محمد الخامس في الرباط، الدكتور محمد عبد الجابري إن العالم العربي مصاب بعدة أدواء، فهو في حالة حرب أهلية معلنة في بعض أقطاره وغير معلنة في أقطار أخرى، مشيراً إلى أن هذه الحرب الأهلية ليست فقط في الانفجارات والمشاحنات المسلحة، ولكنها أيضاً حرب أهلية بواسطة الكلام والفكر والقلم، موضحاً أن هذه الحرب منغمسة أو محنطة في أكوام من الجهل.

وأضاف أن علاقة العالم العربي أيضاً بالعالم الخارجي هي علاقة صراع بحيث لم يعد العربي صانعاً للتاريخ لا الخاص ولا العام، ولم يعد وراء العرب إلا الشكوى وغالباً ما تكون شكواهم بكلام غير دقيق لا يترك تأثيراً في الشخص الذي يشكون إليه أو يشتكون منه. وأعرب عن اعتقاده بأن المثقف ليس عالماً أو فقيهاً أو سياسياً أو قائداً أو مجتهداً، كما أنه ليس لمصطلح المثقف أساس في اللغة العربية فهي كلمة فرنسية، مفضلاً استخدام كلمة المفكرين لتعريف المثقفين.

وأكد الجابري أنه لكي يتم إيجاد جيل من المثقفين في العالم العربي فلابد أن تحتوي المناهج الدراسية منذ المرحلة الثانوية على مواد للفلسفة والكلام مع ضرورة العمل على فهم الفلسفة. وشدد على أنه لا يمكن أن يخرج مثقفون في مجتمع منغلق على نفسه، أما المقلدون فكل ما يفعلوه أنهم ينتحرون من دون أن يعرفوا ذلك. 

وبدوره، قال البروفسور أدولف موشج، الأستاذ والرئيس السابق لأكاديمية الفنون الألمانية إن هناك اختلافا بين دور المثقف ودور المتعلم رغم وجود تداخل بينهما، موضحاً أن الشيء الحاسم في حياة المثقف هو موقفه من السلطة بغض النظر عن توجهه إذا كان يمينيا أو يساريا، فلا يكفي أن يكون المثقف متعلماً وإنما مشهرا موقفه من السلطة، بما في ذلك السلطة المشروعة ديمقراطياً بحيث يكون موقفه انتقادياً لهذه السلطة.

واعتبر موشج أن الثقافة هي العنصر الثوري بين العناصر الثلاثة في كل مجتمع، حيث أن العنصرين الآخرين وهما الدين والدولة يميلان إلى الاستقرار والمحافظة، مؤكداً على أن دور المثقف هو الانتماء ومساءلة النفس والتي هي مصدر المعرفة، مشيراً إلى أن المثقف البارع هو الذي يتقن اللعب بين المستويات المختلفة.

وأوضح أن دور المثقف كناقض للسلطة لا ينبغي أن يكون دوراً حصرياً كدور الممثل على المسرح الذي يلعب دوراً محدداً مقابل أجر من المال، ولكن يجب على المثقف أن يعرف دوافع وبواعث الدور الذي يلعبه.

حرب اللغات

وعُقدت خلال الملتقى جلسة حملت عنوان" حرب اللغات" ناقشت محنة اللغات الأم في ظل هيمنة اللغة الإنجليزية في العالم، وما يترتب عليها من تبعية للثقافات الأخرى لثقافة معينة وضرورة الحفاظ على اللغات والثقافات الوطنية.

وأدار الجلسة المدير التنفيذي للمنتدى الاستراتيجي الدكتور سليمان الهتلان، الذي أشار إلى أن أهمية الجلسة تكمن في أنها تعقد وسط تغيرات متسارعة يشهدها العالم اليوم في كافة المجالات السياسية والاقتصادية ومع تنبؤات عالمية ببروز قوى دولية جديدة، وفي وقت أصبحت فيه الأزمات العالمية تشكل هما مشتركاً.

وطرح مجموعة من التساؤلات الأساسية المتعلقة بهيمنة اللغة الإنجليزية وسيطرتها على بقية اللغات في العالم، وكيف للمشاركين العرب أن يطلعوا على التجربة الألمانية في هذا المجال، وما إذا كان هناك جانب إيجابي في هيمنة اللغة الإنجليزية كأداة لتعزيز الحوار الحضاري أم أن هناك حساسية مفرطة غير مبررة تجاهها.

ووصف الدكتور حسام الخطيب،  المواضيع المطروحة على جدول الملتقى بالشاملة والمفصلة، وجاء حديثه معربا عن زاوية عملية نقدية واستشهد بمثال حي يتعلق بكتاب "تاريخ اللغات ومستقبلها" للكاتب هارلد هارمان، الذي تم ترجمته مؤخراً إلى اللغة العربية والذي وصفه بالخارطة المفصلة لأوضاع اللغات في بعض أنحاء العالم.

وأشار إلى أن الكاتب هارمان قد شمل في كتابه معظم لغات العالم، ودرس العديد من اللغات شبه المنقرضة في دول عدة إلا أنه لم يتعرض إلى اللغة العربية رغم أنه قام بتأليف وإعداد الكتاب من دولة المغرب، وتجنب حتى الإشارة إلى العديد من الإحصائيات والحقائق المهمة المرتبطة بواقع اللغة وإسهامها في انتشار الدين الإسلامي لدرجة أن قارئ الكتاب بالكاد سيعرف أن هناك لغة تدعى العربية. وتساءل الخطيب إلى إن ذلك الإهمال ربما حدث لأسباب سياسية أو ثقافية مما يثير تساؤلات علمية مهمة على المادة العلمية والأرقام والإحصائيات غير الدقيقة التي تقدمها.

من ناحيته استفسر الكاتب والشاعر الألماني ميخائيل كروغر عن اللغة التي ستهيمن على العالم بعد 100 سنة من اليوم، والتي لفت إلى إنه يستحيل التكهن بها.  وضرب بعض الأمثلة من الدول التي رزحت تحت الاحتلال واضطرت إلى تعلم لغات جديدة خاصة بها بسبب الاستعمار. وأشار إلى أن اللغة الألمانية كانت منفذً إلى أوروبا ككل رغم أنها تعتبر لغة أقلية في العالم. واعتبر أنها مهمة جدا من اجل قراءة الأدب والتاريخ وأن الترجمة تلعب دوراً حيويا في مد جسور التواصل بين الحضارات.

ولفت الكاتب الألماني إلى أن عدد الطلبة الذي يدرسون الألمانية في الولايات المتحدة في تراجع كبير، وأنه يشعر بأسف شديد عندما يسمع أن لغةً ما قد انقرضت أو أن لغةً أخرى تعاني من تراجع، وأن على العالم أن يتكاتف من أجل إنقاذها من الضياع أو التراجع.

وبدورها أعربت المترجمة السويسرية الدكتورة إيلما راكوزا عن سعادتها لأنها غير مضطرة اليوم للتحدث بلغة أخرى غير الألمانية، ما يشعرها بأنها أقدر على التعبير بدلا من استخدام اللغة الإنجليزية التي لا تتقنها بطلاقة كما الألمانية لغتها الأم.

وأشارت الدكتورة راكوزا إلى إن اللغة هي الأداة التي تقودنا إلى أعماق الفكر والأحداث، وهي من يمكننا من التعرف على الذهنيات المختلفة، ومن دونها لا يمكننا التعرف على المعنى العميق لمعظم الأشياء. ولفتت إلى إن الناس مرتبطون بشكل وثيق بلغتهم وأدبهم كما الحال بالنسبة لتاريخهم، وأن الدول الصغيرة تخاف من أن تبتلعها ثقافات الدول الكبرى. ورأت أنه من الصعب أن يتم إيقاف هذا التطور، ولكن يجدر بنا أن نرعى ثقافتنا ولغتنا الأم ونبذل المزيد من أجل الحفاظ عليها.

التعليق