لوتس عبد الكريم تنشر وثائق وأسرارا جديدة في حياة مصطفى محمود

تم نشره في الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • لوتس عبد الكريم تنشر وثائق وأسرارا جديدة في حياة مصطفى محمود

عمان-الغد - بعد صدور كتابها "الملكة فريدة وأنا - سيرة ذاتية لم تكتبها ملكة مصر" بتسعة أشهر أصدرت الكاتبة الدكتورة لوتس عبد الكريم كتابًا جديدًا عنوانه "مصطفى محمود - سؤال الوجود بين الدين والعلم والفلسفة" في سلسلة كتاب اليوم، تلك السلسلة الشهيرة التي تصدرها مؤسسة أخبار اليوم، وهي السلسلة ذاتها التى أصدرت كتابها عن الملكة فريدة ونفدت طبعته الأولى في بضعة أيام، وتجري حاليًا إصدار طبعة ثانية منه. وترأس تحرير سلسلة "كتاب اليوم" الكاتبة نوال مُصْطَفَى.

الكتاب الجديد للدكتورة لوتس عبد الكريم يقع في مائتين وعشرين صفحة من القطع المتوسط. ويأتي في وقتٍ مايزال فيه مصطفى محمود طريحًا فراش مرضه منذ سنوات، لا يكتب ولا ينشر ولا يقابل أحدًا. كما يأتي الكتاب بعد الضجَّة التي أحدثتها مقالة الدكتورة لوتس عبد الكريم ونشرتها في مجلة "الشموع" الثقافية الفصلية – وهي مؤسستها- وكانت سببًا كبيرًا في إعادة الجدل والنظر في إرث مصطفى محمود الأدبي والثقافي والديني والسياسي.

الكتاب تهديه د. لوتس عبد الكريم "إلى أستاذي وصديقي الذي أضاء بفكره ظلام حيرتي وأشعل بإيمانه جذوة الأمل في طريق أرحب طريق الله إلى الدكتور مصطفى محمود". وهو كتابٌ في مجال السير الذاتية من وجهة نظر الكاتبة التي وضعت أكثر من مُؤَلَّفٍ في هذا الشأن، إذْ لا تكتب إلاَّ عن شخصيات بارزة ومؤثِّرة عرفتها عن قرب، ومن ثم استطاعت أن تضيف جديدًا ومختلفًا في كل ما كتبت.

وعندما بدأت نشر مقالتها عن مصطفى محمود في مجلة "الشموع" (وهي المقالة التى بسببها ألَّفت الكتاب "كان قصدها" إيقاظ غفلة أهل العلم والفن والإعلام الذين ينامون في سباتٍ عميق، متناسين قيمة ما قدم هذا العالم  من فكرٍ وعلمٍ ودينٍ لمصر وكل العرب على مدى زمنٍ طويل، وأنه واجهة، مضيئة بكل ألوان الثقافة التى أصبحنا نفتقدها اليوم في عالمنا الخاوي المتناسي لكل أنواع الإبداع".

وتذكر لوتس عبد الكريم في تقديمها لكتابها "مصطفى محمود – سؤال الوجود – بين الدين والعلم والفلسفة": طلب مني الكثيرون أن أكتب عن مصطفى محمود كتابًا ككل ما كتبت عن أصدقائي المقربين: الملكة فريدة، ثم إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومحمد عبد الوهاب ويوسف وهبي.. ولكنَّه غير كل هؤلاء. إن ذكرياتي معهم وسيرتهم ولون علاقتي بكل منهم غير مصطفى محمود. إن كتاباتي عن كُلِّ هؤلاء كانت انطباعات ومشاعر أساسها الاندماج الكلي والأحداث والعِشْرة والفهم الكثير والتأثُّر بمسيرتهم في حياتي ودورهم فيها. فأنا أكتب بفطرةٍ بالغةٍ الصدق ولستُ محترفةَ كتابةٍ. إنما أُسَجِّل مشاعري دون دراسةٍ أو نقدٍ أو تحليلٍ، وهنا أذكر له (مصطفى محمود) أنه قال لي ذات مرة (أنت يا لوتس أكثر واحدة عندك القدرة على فهم وتحليل الشخصية).. هذا ما قاله، وما لم أعرفه في نفسي، ورغم ذلك فحين أقدمتُ على محاولة الكتابة عنه، شعرتُ للمرة الأولى بعجزٍ شديدٍ، فتوقفتُ تمامًا لمدةٍ ليست قصيرةً. لماذا؟ لأنه عملاق ليس كبقية من عرفت من عمالقة، عملاق فريد في شخصه، في خصاله، في أدبه، في تفكيره، في عقليته، في نظرته إلى الحياة وفلسفته، إنَّه من كبار المفكرين العرب في عصرنا الحاضر، هو أصعب من كُلِّ هؤلاء العمالقة، أعجز تمامًا في الوصول إلى عقله أو قلبِهِ، رغم سعة هذا العقل سعة غير طبيعية وعمق هذا القلب عمقًا غير عادي. إنه عاقل جدًّا ومجنون جدًّا وهو طيب جدًّا وقاس جدًّا، وهو عاطفيٌّ أحيانًا وجامدٌ ومتحكم في أحاسيسه أحيانًا كثيرة. وهو سَهْلٌ وممتنع وهو هادئٌ وثائرٌ، وهو بسيطٌ للغاية ثم مبهمٌ وغامضٌ أكثر المرات، وهو عميقٌ ومدركٌ وأذكى الأذكياء، ثم يبدو غير ذلك مرات كثيرة. إنه إنسانٌ لا يستطيع أن يفهمه إنسانٌ، لكن إنَّ ذلك الرائع العملاق المستعصي على فهم الأذكياء بفلسفته المحبوكة المحكمة وعلمه الذي تفوَّق على العلم، وعمق إدراكه لكل ما لا يُدْرَكُ".

وفي إطار محاولة لرسم شخصيته تذكر الدكتورة لوتس عبد الكريم في بداية كتابها أن مصطفى محمود "دائمًا يحفظ المسافة بينه وبين أقرب الناس إليه، إنه يصفعك بنظرةٍ ويربت كتفك بيدٍ حانية".

ومن فَضْلِ هذا الكتاب أنه جمع المقالات التي كتبها ونشرها مصطفى محمود في مجلة "الشموع" إذْ كانت د. لوتس عبد الكريم حريصةً على أن تستكتبه مع رموز الفكر والأدب والفلسفة والفن والدين الذين كانوا ينشرون في "الشُّموع" وقتذاك.

وتسرد  لوتس عبد الكريم تفاصيل تلك الصداقة الأسرية مارّةً بزواجه وطلاقه وشقيقته زكية، وعلاقته بأنور السادات الذي كان صديقًا حميمًا له ومقتربًا منه، ومفهوم مصطفى محمود للزواج والمرأة بشكلٍ عام "لن تحتمل زواجي أية امرأة".

كما تتناول المؤلفة وجوه مصطفى محمود العديدة ومنها: الفَنَّان، الصوفيُّ، السياسيُّ الماركسيُّ، الفيلسوف، المحبُّ، العَاِلمُ، الأديب، إذ تراه شخصيةً نادرةً لا تتكرر قائلةً: "هو رفيق مشوار ثقافيٍّ على مدى عشرين عامًا من العلم والمعرفة والفن والدين والأخلاق أعانني على كثيرٍ من الصعوبات في حياتي".

وفي فصل عنوانه "مصطفى محمود الشَّاعر" تقدِّم الدكتورة لوتس عبد الكريم كشفًا أدبيًّا، إِذْ تَنْشُرُ قصيدةً لمصطفى محمود عنوانها "السُّؤال" مشيرةً إلى أن مصطفى محمود كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقالة والسيناريو، ولم يُعْرَف عنه أنه كان شاعرًا، مستدركةً "غير أن كتابته السردية تحفل بالشعرية العالية، والحس الراقي في كتابة الجملة، وهذا ما طبع كتابته بالعمق اللغوي والحفز الدائم للبحث عن لغة خاصة به". وقد أثبتت المؤلفة نص القصيدة في كتابها داعيةً إلى البحث في تراث مصطفى محمود – وهو كثير ومتنوع – للكشف عن الشاعر فيه، وننشر هنا النص الذي كشفته الدكتورة لوتس عبد الكريم:

السُّؤال

يا صـاحبي ما آخر الترحـال

وأين ما مضى من سالف الليال

أين الصباح وأين رنة الضحـك

ذابـــــــــــت...؟

كـأنها رسمٌ على المـــاءِ

أو نقــشٌ علــى الرمـالْ

كــأنَّها لــم تكـــــنْ

كأنَّهــا خيــــــــالْ

أَيَقْتُلُ الناسُ بَعْضُهُـم بعضـَا

علـى خيـــــــــالْ

على متـــاعٍ كُلُّــه زوالْ

على مسلسلِ الأيام والليــالْ

في شاشةِ الوهمِ ومرآةِ المُحْالْ

إلهي يا خالقَ الوجدِ...من نكون؟

من نحن.. من همو.. ومن أنا

وما الـذي يجـــري أمامنا

وما الزمـانُ والوجودُ والفَنَـا

وما الخلَقُ والأكـوانُ والدُّنَـى

وَمَـنْ هُنـاك.. مَـنْ هُنَــا

أصــابني البَهْتُ والجنــونُ

ما عـــــــــدتُ أدري

وما عــاد يُعَبِّر المقـــالْ

 ويحمل الكتاب صورة مرسومة لمصطفى محمود بريشة الفَنَّان عمرو فهمي وإخراج الكاتب والفَنَّان عبد القادر محمد علي – يُقّدِّم صورة أخرى مختلفة عن مصطفى محمود، تُفَارِقُ ما وقر في أذهان القُرَّاء وحتَّى المقربين عنه.

كما أَنَّ الكتاب – عَبْرَ مؤلفته يحفظ لنا الكثير من سيرة ومسيرة مصطفى محمود، كما يشير إلى المصادر والمنابع والمراجع والمحاور التي شَّكلته؛ إضافةً إلى أنه يَفْتَحُ البابَ من جديدٍ ليُطِلَّ مصطفى محمود مِنْ ذاكرة من عرفوه ومن تواصلوا معه.

التعليق