لا شيء يشبه زيارة البيت الأبيض

تم نشره في الثلاثاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2008. 09:00 صباحاً
  • لا شيء يشبه زيارة البيت الأبيض

هآرتس – الوف بن

أثبتت رحلة وداع رئيس الحكومة ايهود اولمرت الى واشنطن مرة اخرى اول قاعدة في السياسة الاسرائيلية وهي أنه لا يوجد ما يشبه زيارة للبيت الابيض لإظهار انك ممسك بزمام الامور. قد تكون مهانا في الداخل لكنك في اللحظة التي تستقل فيها طائرة رئيس الحكومة وتجلس قرب رئيس الولايات المتحدة على الاريكة في الغرفة البيضاوية وكأنما ابتلعت علبة فياجرا.

هذا ما حدث هذا الاسبوع لأولمرت. كان يبدو في الاسابيع الاخيرة انه نُسي ببساطة في مكتب رئيس الحكومة. فالوضع النادر لقائد استقال ولا ينافس في ولاية اخرى ابعده عن ضجيج الانتخابات. خطبه السلمية ودعوته الى الانسحاب من المناطق وجهوده للتقدم في المحادثات مع ابو مازن والسوريين أثارت التثاؤب. لهذا يبدو أن اكثر أسر تحرير الصحف وقنوات التلفاز الاسرائيلية اختارت ان توفر ثمن بطاقة السفر والفندق ولم ترسل مراسلين مع اولمرت الى الولايات المتحدة.

لكن اولمرت في وضعه الحالي ايضا ما يزال اكثر الساسة خبرة وتخصصا في الساحة بالرغم من انه لا يبدو أنه توقع ان يعلن المستشار القانوني للحكومة بعد عودته الى اسرائيل بلحظة انه قراره ان يقدم فيه لائحة اتهام في قضية "ريشون تورز".

الثلاثاء الماضي في توجيه الصحافيين اهتم بان يذكر الجميع في صحيفة "هآرتس" بانه ما يزال في الحكم. علم اولمرت ان محادثاته مع الرئيس المنتهية ولايته جورج بوش ومسؤولي الادارة الكبار لن تهم احدا. لهذا اختار موضوعا يهم كل مواطن قلق الا وهو انقاذ التقاعد والتوفيرات، وأعلن أنه سيجري تباحثا مع رؤوس الجهاز الاقتصادي فور عودته الى اسرائيل. ولكي يزيل الشك في من هو السيد كرر قوله ان رئيس الحكومة يوجه المالية وان رئيس الحكومة يتخذ القرارات لا موظفي المالية، وان رئيس الحكومة سيعرض خطة منه ولن يكتفي بالخيارات التي صيغت في المالية.

وفي لحظة واحدة حلق اولمرت من حضيض عدم الصلة بالواقع الى العناوين مباشرة على أنه رجل سينقذ توفيرات الجمهور من الركود وبخل المالية معا. هو لا تسيبي ليفني. وهو لا بنيامين نتنياهو. واذا كان وزير المالية روني بار أون لم يدرك انه يعمل عند اولمرت فقد ذكره اولمرت بتدخله في أزمة الجامعات، إذ امر رئيس الحكومة بان تحول اليها ميزانية بخلاف موقف بار أون ورجاله. وقد احتال عليه فقد وافق بار أون على تحويل نصف بليون شيكل الى مخصصات الاولاد في المفاوضة الائتلافية التي اجرتها ليفني مع شاس. وعندما فشلت المفاوضة ولم تزد المخصصات اخذ اولمرت ببساطة المال وقسمه على الجامعات. وبيّن مقربوه ذلك قائلين: "اذا كان يوجد للمتدينين فإنه يوجد للطلاب".

لم تكن حيلة الزعامة التي دبرها اولمرت لبار أون من واشنطن اول فرصة يستغل فيها رئيس حكومة زيارة للخارج لإخضاع وزير ماليته. لكن هذه كانت سلوة صغيرة فقط، ولحظة من الرحمة في رحلة بائسة. بدا اولمرت وبوش كولدين منبوذين في الصف، ينظمان لنفسيهما حفلة انهاء ولا يأتي احد للاحتفال معهما. وليست لديهما ايضا اسباب كثيرة للفرح بعد أن فشلا في احراز اهدافهما. قد اصبحت الدولة الفلسطينية ابعد مما كانت دائما وايران قريبة من السلاح الذري، والمتطرفون في الشرق الاوسط في احتفال، ونظم الحكم المعتدلة في تقهقر. لم ينشأ شيء عن الخطب الكبيرة، ولقاءات القمة والرحلات المكوكية. والانجاز الوحيد الذي يستطيع اولمرت وبوش نسبته الى نفسيهما هو تدمير موقع في سورية. أما ما بقي فقد انتهى الى خيبة أمل كبيرة – خطة الانطواء، وحرب لبنان، وانابوليس، والتضييق على ايران.

في وضع كهذا يشغل الزعيمان الخارجان وأناسهما انفسهم بمعركة على الرواية، اي كيف يرويان قصتهما للتاريخ. قالت وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس في بدء الشهر ان معركة الانتخابات في اسرائيل هي عائق الاتفاق مع الفلسطينيين. ولم يعجب ذلك اولمرت الذي تبتعد علاقاته برايس عن الود المتبادل. في فطوره مع رايس ومع مستشار الامن القومي ستيف هدلي قال لهما بحضور مساعديهما: "ليس هذا صحيحا. أنا التزم المسيرة وأنوي الاستمرار فيها". بعد ذلك حاول اقناع بوش بأن يضيق على ابو مازن  لقبول اقتراحه السلمي قبل نهاية السنة.

باراك والشرير

اولمرت مستعد لأن يخرج الآن القلم لتوقيع اتفاق سلام مع الفلسطينيين. فهو يرى انه لا شك في الشرعية العامة لإجراء كهذا. احضروا ابو مازن ولننهِ القضية، قال للأميركيين. ولم يحدث فيهم ذلك تأثيرا. كان بوش ورايس يسعدهما ان ينهيا ولايتهما المليئة بالاخفاقات باتفاق سلام بين اسرائيل والفلسطينيين لكنهما لا يعتقدان ان هذا ممكن.

مع نقد اولمرت لرايس لا يختلف خطاب اولمرت كثيرا عن خطابها. فهو ايضا يعتقد ان المشكلة كانت التوقيت لا الجوهر. فلو مكنوه فقط لكان انجز اتفاقا مع الفلسطينيين، ودعا بشار الاسد الى القدس وأعاد جلعاد شاليط الى بيته. في بدء السنة خرج بسلام من تقرير فينوغراد، وطويت حرب لبنان الثانية، وكان الائتلاف مستقرا وقويا. كل شيء بدا ممكنا. آنذاك أتت موجة التسونامي التي اسقطته عن الحكم وأضيعت جميع الفرص الكبيرة.

الرجل الشرير في قصة اولمرت هو ايهود باراك، لا افراد الشرطة ولا افراد النيابة العامة ولا الشاهد موريس تلنسكي ولا مراقب الدولة ميخا ليندنشتراوس. اعتقد رئيس الحكومة انه لن ينتج شيء عن جميع التحقيقات معه، على الاقل حتى سمع المستشار القانوني للحكومة يستعد لأن يقدمه للمحاكمة في قضية "ريشون تورز". ان ما لا ينجح في فهمه هو اجراء وزير الدفاع الذي افضى الى عزل رئيس الحكومة. ويتساءل اولمرت ما الذي كان يسوؤه في الحكومة وقد كان اقوى الوزراء. وفي حلقات مغلقة يستعمل تعبيرات غير مطرية لوصف باراك ووضعه النفسي.

لا يصعب ان نخمن ان اولمرت يمتعه ان يرى كيف يُهزم حزب العمل بقيادة باراك في استطلاعات الرأي. وفي لقاء مع زعماء الجماعة اليهودية قبل عودته من واشنطن تناول المنافسة في وراثة مقعده. "توجد انتخابات وجميع المرشحين اهل، وأقصد المرشحين الذين لهم احتمال لا اولئك الذين لا يوجد لهم". وقد فسر اولمرت لمن لم يفهم فقال: "من المحقق ان بيبي وتسيبي مرشحان أهلان".

كان اولمرت في حالة نفسية جيدة طول الزيارة، وبحسب شهادات مساعديه كان ايضا اكثر تنبها وتركيزا مما كان قط في اثناء الاحاديث السياسية. مما يثير الاسى ان هذا ما يحدث للزعماء في نهاية الطريق فقط عندما تكون قدرتهم على التأثير في الواقع قد أخذت تتلاشى. وكذلك كان اللقاء مع وسائل الاعلام اهدأ من المعتاد بغير ملاحظات الوخز التي ميزت هذه اللقاءات في الماضي.

اجاب اولمرت على الاسئلة بارتياح وعندها أتى دور مراسل "اسرائيل اليوم"، شلومي تسزنا، الذي لم يسمح له بركوب طائرة رئيس الحكومة وأتى الزيارة في رحلة تجارية. يرفض رئيس الحكومة التعاون مع صحيفة "شيلدون ادلسون" الذي يهاجمه في كل صباح من جديد ويصفه بانه فاسد غير أهل للمنصب. "لماذا تقاطعون صحيفتي"، سأل تسزنا. وأخرج ذلك من اولمرت ايهود القديم المقاتل: "هذه اول مرة اسمع فيها ان "اسرائيل اليوم" صحيفة وأنا اهنئكم".

التعليق