بنكراد: التنوير في الوطن العربي يحاج ان يتغذى من تراث النهظة الاوروبية

تم نشره في الجمعة 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 09:00 صباحاً
  • بنكراد: التنوير في الوطن العربي يحاج ان يتغذى من تراث النهظة الاوروبية

أكاديمي يرى أنه ليس ضد الكتابة عن الجسد

 

عمان- يرى الناقد د. سعيد بنكراد "أن الفكر الغربي أسس لنفسه جملة من التقاليد عندما فصل بين النقد، وبين النظرية التي تهتم بالقواعد العامة والتعميم".

ويلفت بنكراد إلى أن تقاليد النقد العربي ماتزال "تخلط  بين النظريات وتصنف الأحكام البسيطة أو العرض السطحي ضمن الأعمال النقدية".

"الغد" التقت بنكراد وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى السيميائيات في الأصل الاشتقاقي وعلاقتها مع السرد واطلالة المدونة النقدية على النص الأدبي اضافة الى رأيه في الكتابة النسوية والذكورية التي تناولت الجسد. ورائية اللافت في حركة الترجمة في الوطن العربي.

 

حاورته: عزيزة علي

* بداية دعنا نسأل عن  "السيميائيات" وما العلاقة بينها وبين الثقافة والسرد، وعلى ماذا تقوم هذه العلاقة ؟

- السيميائيات  في الأصل الاشتقاقي هي علم العلامات، إلا أن هذا التعريف لا قيمة له من حيث إنه عام وفضفاض. والسيميائيات لا تكترث للعلامة إلا من حيث هي مدرجة ضمن سياق، أما الوحدات المعزولة فلا قيمة لها. لذلك يقولون إن اللغة ظهرت للوجود مع ظهور الحاجات المضافة، فالإنسان قادر على تلبية كل حاجاته النفعية اعتمادا على لائحة محدودة من الإشارات، ولكنه إذا أراد أن يقول لامرأة: في عينيك شلالات حزن تصب في نفسي صدى الزمن الموحش، فإنه يحتاج إلى اللغة. والطابع الثقافي هذا هو ما يهم السيميائيات لا الوظيفة التعيينية. بالطبع للسيميائيات فروع وحقول منها السيميائيات السردية ومنها سيميائيات الصورة.

* مع توسع الاطلالة النقدية المعاصرة  هل ترى أن هناك مواكبة نقدية للنصوص الأدبية تسهم في مقاربة المسافة بين النص الأدبي والمتلقي .

هناك بالتأكيد في التراث النقدي العربي الحديث الكثير من الدراسات التي أنجزت حول أعمال كبار الروائيين والشعراء العرب. وهي دراسات فائقة القيمة والجدية والمسؤولية. وهناك المتابعات التي لا يمكن الاستهانة بها، فهي تهدي القارئ إلى النصوص، وتخلق شهية القراءة عنده، ودورها كبير في التعريف بالأعمال الأدبية. ولكنها لا يمكن أن تصنف ضمن النقد، فللنقد لغته ومعاييره وعادة ما لا يكترث للإخوانيات والكلام المجامل. وأعتقد أن الفكر الغربي أسس لنفسه تقاليد عندما فصل بين النقد، فهو ممارسة بعدية تلتقط في النصوص الخصوصية والتحقق المفرد، وبين النظرية التي تهتم بالقواعد العامة والتعميم، إنها تعمل على استخراج القواعد العامة من النصوص نفسها. فالتجريد تعميم وبحث عن قوانين كونية، فكلما توغلنا في التجريد تقلصت المسافات بين التجارب الإنسانية، وحلت الأسئلة الوجودية العامة محل ما يخصص ويميز.

فالتجريد هو أداتنا في الإمساك بالعلاقات التي تتحقق من خلال مفاهيم بسيطة ومرتبطة فيما بينها وفق روابط من مستويات متنوعة، وهو وحده السبيل إلى التعرف على القواعد الخفية التي تنتظم وفقها كل الوقائع الدالة، بغض النظر عن الثقافات المتنوعة والمخصوصة التي تحتضن هذه الوقائع. فالممارسة وحدها يمكن أن تقود إلى التعميم. واعتقد أن الخلط مازال قائما في التقاليد النقدية العربية، حيث تصنف الأحكام البسيطة أو العرض ضمن الأعمال النقدية.

* كيف تقيم الكتابة النسوية والذكورية التي تناولت الجسد؟

-أنا لست ضد الكتابة عن الجسد، ولست قاضيا يصادر ويبيح ويجيز ويحرم، فالجسد حاضر في الوجود، بل هو الوجود ذاته من حيث إننا في الجسد وبه نحيا. أنا ما يعنيني هو الكتابة، وتقويمي ليس حكما مسبقا، يمكن أن نكتب روايات عظيمة عن الجسد، ويمكن أن نقدم للقارئ رؤية بورنوغرافية يغني عنها مشاهدة فيلم في قنوات الخلاعة. ولذلك فالخلاعة ليست في الجسد، بل في العين التي ترى وتتملى الجسد ضمن محيطه لا باعتباره مدخلا إلى التحرر.

لذلك عندما كتبت عن الجسد وعن عين المذكر في رواية محمد برادة "الضوء الهارب" كانت غايتي هو الكشف عن الرؤية المذكرة كما تتحقق في السرد لا كما يمكن أن نحكم عليها خارجه. فالجسد في هذه الرواية هو موضوع للسرد، وموضوع للوصف وموضوع للاستذكار والاستباق والاستيهام، وموضوع للغة أيضا، فمنه تخلق لنفسها تركيبا جديدا لا يدرك إلا في علاقته بما يتولد عن هذا الجسد من "هزات" و"إيماءات" و"آهات" حيث يصبح للكلمات صورها المذكرة والمؤنثة . وهذا ما نعاينه في بعض المشاهد التي تقدمها الرواية حيث تتخلى اللغة عن تركيبها العادي  بتركيب يخلط بين اللفظي والبدني، ليُقرأ اللفظي انطلاقا من التركيب الذي يقدمه البدني.ضمن هذه التناظرات - وهي تناظرات ممتعة في ذاتها ولذاتها-  ينتصب المذكر كنقطة ارتكاز تصبح  وريثا شرعيا لمتاع البشرية المادي والمعنوي حيث تقوم النساء بـ"حلاوة اللسان وذكاء الفؤاد " بـ "فك الحصار عن الشهوة المتوارية خلف هموم التفكير والخلق وفهم العالم للآخرين". فهذه المعرفة تحدد زاوية النظر: في كل لقاء ترمي الحركة السردية خيوطها في اتجاه إلغاء نفسها في فعل جنسي يكون خاتمة لجزء سردي ما. وداخل هذا الجزء السردي يتحدد الطرف "المستفيد" الذي "يفهم" و"يعي" ما يدور ويجري، إنه المذكر، العنصر الفاعل الذي يتحرك الآخر من أجله. ويتحدد الطرف "المانح" و"المستكين"، إنه الطرف الذي لا ندرك عنه إلا ما يحدث تأثيرا عند المذكر. فهذه قراءتي لرواية الرجل والمرأة على حد سواء: ما يستهويني هي الآليات الداخلية، ولا تعنيني أحكام الشارع.

 

* قمت بترجمة كتابات لمؤلفين مهمين  في تاريخ الحركة الأدبية والفلسفية  مثل:"مشيل فوكو، أومبيرتو إيكو" وغيرهم. ماذا قدمت لك هذه الترجمة؟

- لقد قدمت لي الترجمة الشيء الكثير. وقدمت من خلال الترجمة أشياء كثيرة للغة العربية. فقدرة اللغة ونموها وتأهيلها يمر عبر قدرتها على أن تتحدث لغات أخرى. وربما طريقتي في الكتابة مستوحاة من الترجمة ذاتها. فأنا أعشق العربية، ويبدو لي أحيانا أن هناك أشياء لا يمكن أن أقولها إلا بالعربية، أي من خلال استحضار السقف الثقافي الذي يغذي العربية ويمدها برحيقها التعبيري . ومع ذلك أحس أن هذه الأشياء ما كان بالإمكان التفكير فيها إلا من خلال استحضار تجارب لغوية أخرى تسندها أسقف ثقافية مغايرة. إن الترجمة ممارسة سيميائية راقية، لا تعلمك المضامين، فالمضامين الإنسانية واحدة، ولكنها تعلمك كيف تعبر اللغات بطرق مختلفة عن المضامين ذاتها، حينها تدرك أن ما يميز الشعوب عن بعضها البعض ليست مضامين كما نتوهم، بل طريقة تجزيء هذه المضامين وتحويلها إلى أشكال هي وحدها ما يخبر عن هوية شعب.

* من خلال اطلاعنا على بعض الكتب التي قمت بترجمتها تظهر لغتك الإبداعية التي توصل المعلومة والفكرة للمتلقي العربي بشكل سهل وقريب إلى ذهنه؟ برأيك ما هي أهم الأدوات التي يجب أن يمتلكها المترجم؟

- العشق، فالترجمة هي عشق للغات. وكما سبق أن اشرت إلى ذلك، فإن الانتقال من لغة إلى أخرى ليس انتقالا من دال معبّر عنه من خلال لغة إلى دال آخر معبّر من خلال لغة أخرى، إن الأمر يتعلق بانتقال من حقل دلالي له تقطيعاته المفهومية الخاصة إلى حقل آخر لا يملك بالضرورة التقطيعات نفسها. "الفرنسيون يقولون هذا يسخن القلب، ونحن نقول هذا يثلج الصدر للتعبير عن المضمون نفسه: هناك البرودة وهنا شمس الصحراء الحارة".كانت لي صديقة فرنسية زرقاء العينين، فقلت لها ذات مرة بالفرنسية لا تنظري إلى السماء فالسماء في عينيك، وكم كانت دهشتها كبيرة لهذا التعبير، فأغلب الفرنسيات لهن عيون زرقاء. لذلك عندما أترجم أميز بين مرحلة النقل وبين التعريب، أضيف نفسا عربيا لكي يشعر الفكر المنقول بالراحة داخل مثواه الجديد. وهذا لن يتم إلا من خلال استحضار السياقات الثقافية المترجم عنها والمترجم إليها، ومحاولة استنبات الفكر ليس في اللغة، بل في الثقافة التي تسندها.

* انتعشت الترجمة في العالم العربي في العصور الماضية وترجمت أمهات الكتب للغات عديدة، كيف تنظر الآن حركة الترجمة في العالم العربي؟

- يبدو أن الجواب موجود في التقارير العالمية والعربية التي تصنف الدول العربية في الصفوف الأخيرة، "آخر تقرير أممي عن التعليم وضع المغرب وجيبوتي جنبا إلى جنب". وهذه أمور عادية إذا هي وضعت في سياقها الحقيقي. فالترجمة كما سبق أن أشرت ليست نقلا لمعارف، بل هي جزء من مشروع حضاري وأغلب الأنظمة العربية إن لم نقل كلها لا مشروع لها. لذلك ستظل الترجمة مجهودات فردية "نستثني مصر ومشروعها الذي يستحق كل تنويه". وهذا ما يصدق على كل الأسماء التي تجاهد من أجل نقل أكبر عدد ممكن من المشاريع. نحن لا نترجم استنادا إلى مشروع، بل نترجم ما يروقنا فقط وهذا ليس عيبا ولكنه غير كاف. التنوير في الوطن العربي في حاجة إلى أن يتغذى بتراث النهضة الأوروبية مثلا.

* كيف ترى العلاقة بين المغرب والمشرق العربي، وهل هناك تواصل واطلاع على ما يتم نشره بينهم، فهناك من يقول إنه لا يوجد تواصل بين المشرق العربي غير مطلع على المشهد الثقافي في المغرب العربي؟

- التفاوت حاصل بين المشرق والمغرب بالتأكيد، لكنه تفاوت يميل حاليا لصالح المغرب العربي الذي تخلص نسبيا مع عقدة الآخر. لقد كان اللقاء في المغرب العربي مع التراث الغربي مباشرا من دون وسائط، فأغلب النقاد الذين يكتبون باللغة العربية تابعوا دراستهم في فرنسا أو في دول فرانكوفونية "سويسرا أو بلجيكا" مما سهل نسبيا نقل التراث النقدي المعاصر إلى العربية "رغم كل ما يقال عن الترجمات التي كانت أحيانا تسيء إلى التراث المنقول". لذلك فالبنيوية ومشتقاتها اللاحقة وصلت إلى المشرق العربي من خلال الأقلام المغربية والتونسية والجزائرية. ومع ذلك سيظل المشرق العربي منارة فكرية ساهمت إلى حد كبير في تعميم الفكر العربي "أساتذة مصر وسورية في الجامعات الجزائرية والمغربية". والأمر لا يتعلق بتنافس، بل بتكامل، فما يقدمه لنا المشارقة اليوم لا يقل قيمة عما يكتب في المغرب العربي ، الذي حصل هو أنه لم تعد هناك جهة تنتج وأخرى تستهلك كما كان يقال سابقا.

*إذا كان الغرب أسس لتقاليد نقدية، برأيك كيف تنظر إلى حركة النقد في المغرب، وفي العالم العربي بشكل عام؟

- إن مسارات الحركة النقدية في الغرب هي غير مسارات النقد في العالم العربي عموما. النقد في الغرب مرتبط بحركة فكرية عامة تحاول أن تجيب عن أسئلة يطرحها المجتمع. فالتمييز في الغرب صريح بين النظريات وبين الممارسات التي تقرأ النصوص وتكشف عن بعض دلالاتها . وهذا التمايز يوجد أصلا في نمط اشتغال حالات الفكر . لذلك فالنظرية هي تساؤلات حول طبيعة المعنى ونمط انبثاقه من الواقعة كيفما كان نوعها، وهو التصور الذي قاد إلى الاعتقاد في وحدة الظاهرة الدلالية. وهذا الاعتقاد يجد أساسه في نمط اشتغال المجتمع وطريقته في إفراز الأسئلة وطريقته في تنظيمها وفق قطاعات معرفية مختلفة ولكنها مرتبطة فيما بينها باعتبارها أجوبة عن أسئلة من الطبيعة نفسها. وهو أمر لا يمكن العثور عليه في الوطن العربي : هناك قطيعة بين الحقول المعرفية،فما يجري في التاريخ لا علاقة له بما يحدث في الأدب، والأديب لا علم له بما يمارسه المحلل النفسي، والمهتم بعلم الاجتماع لا يربطه أي رابط بالأدب أو غيره من الحقول المعرفية. إنها قارات مفصولة عن بعضها البعض، ولا أثر لنتائج هذا الحقل في ذاك. وعلى العكس من ذلك ما وقع ويقع في الغرب، فقد حدثت هزات عنيفة متتالية عمت كل الحقول المعرفية، فقد كانت كل مرحلة تاريخية تفرز أسئلتها التي تخترق المجتمع كله، وتجد صداها في كل الحقوق المعرفية، من دون أن يؤدي ذلك إلى ذوبان هذه الحقول في بعضها البعض. فعندما اجتاحت البنيوية الفكر الغربي "الفرنسي بالخصوص" أصبحت كل القطاعات بنيوية، وعندما ظهرت السيميائيات إلى الوجود تبنتها قطاعات معرفية متنوعة. إن الأمر يتعلق بأسس فلسفية هي التي تمد الناقد الأدبي وعالم الاجتماع بالأدوات التي سيجربها استنادا إلى خصوصية القطاع الذي يشتغل به. وهذا ما يؤكده واقع الحال في الدراسات الأدبية المعاصرة. فالمعرفة النقدية بكل توجهاتها تثبت أن الاختلافات القائمة مثلا بين رواد الشعرية والسيميائيات والهرموسية لم ترتبط أبدا بالطاقات الانفعالية التي يطلقها الباحث من عقالها وهو يطارد معنى أو معاني تختفي في جزئيات النص وتفاصيله، كما لم تستند إلى مكونات تشكل هوية النص وشكل تلقيه.

 يذكر أن الناقد سعيد  بنكراد  صدر له الأعمال التالية: "السرد الروائي وتجربة المعنى" في العام 2008، "العلامة: تحليل المفهوم وتاريخه، أومبيرتو إيكو"، ترجمة، في العام 2007، "مسالك المعنى، دراسة في بعض أنساق الثقافة العربية" في العام 2006، "حاشية على اسم الوردة ، أومبيرتو إيكو" ، ترجمة في العام 2006، "سيميائيات الصورة الإشهارية:الإشهار والتمثلات الثقافية" في العام 2006، "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي: ميشال فوكو" ترجمة في العام 2006، "السيميائيات والتأويل ، مدخل إلى سيميائيات شارل سندرس بورس" في العام 2005، "ست نزهات في غابة السرد، أمبيرتو إيكو"، ترجمة، في العام 2005، "السيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها" في العام 2003، "سميولوجية الشخصيات الروائية" في العام 2003، "السيميائات السردية، مدخل نظري" في العام 2001، "التأويل بين السيميائيات والتفكيكية: أمبيرتو إيكو" في العام 2000، "النص السردي:نحو سيميائيات للإيديولوجيا" في العام 1996، "سيميولوجية الشخصيات الروائية، فيليب هامون"ترجمة في العام 1990.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نهظة؟ (عماد علي)

    الجمعة 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    نهظة؟
  • »نهظة؟ (عماد علي)

    الجمعة 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    نهظة؟