إسماعيل شموط وتمام الأكحل: حتى لا تسقط فلسطين في ثقب النسيان

تم نشره في الجمعة 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • إسماعيل شموط وتمام الأكحل: حتى لا تسقط فلسطين في ثقب النسيان

 عمان - ثمّة خصوصيّة شديدة الفرادة تسِمُ قضية الشعب الفلسطيني على وجه التحديد: لقد وجدَ هذا الشعب نفسه، على حين غرّة وفي غفلة من التاريخ، في مواجهة قوّة منظمة عملت طوال عقود على صياغة أدوات قوّتها، متسلحة بكل ما وقع في يديها من الوسائل، والتي كان همّها وغايتها تسويغ إحلال نفسها محلّه، مستغلة حالة الإنهاك التي كان يعاني منها جراء تعاقب الاحتلالين التركي والبريطاني.. ولم يكن الشعب الفلسطيني منفصلاً في ذلك كله عن محيطه العربي سوى في تفصيل واحد: كانت أرضه بالذات هي التي تلائم الأطروحات اللاهوتية والقومية للحركة الصهيونية لتحقق فيها حلمها التاريخي: إقامة وطن قومي لليهود على "أرض إسرائيل"، من دون غيرها من بقاع الأرض.

كانت من أهم الأدوات التي استخدمتها الصهيونية لتحقيق هذه الغاية وبيعها على العالم، أداتان منفصلتان ومتعالقتان في الوقت ذاته: المحرقة النازية (الهولوكوست)، والوعد الإلهي التوراتي الذي منح الله بموجبه "أرض إسرائيل" لشعبه "المختار"، وأعطاهم، من دون غيرهم من البشر، حق امتلاكها إلى الأبد. وعلى أن المحرقة تظل حدثاً سياسياً، إن جاز التعبير، والذي يفترق عن الرواية اللاهوتية التوراتية ذات الطابع العقائدي - القومي، إلا أن الرابط يأتي تحديداً من هذا التفارق الظاهري في التصنيف.. لقد أحرق "هتلر" اليهود لأنهم يهود. وإذن، فقد كان الانتماء الديني، وليس العنصر القومي أو العرقي، هو الذي سوّغ "اضطهاد" هؤلاء الناس في ألمانيا النازية..

من هاتين الأداتين، من بين أخريات، صنعت الحركة الصهيونية "روايتها" narrative التي سوّقتها على اليهود أنفسهم قبل أن تسوّقها على العالم.. كانت هناك "حكاية" كاملة عن الشعب الذي أورثه الله "أرض الميعاد"، وطُردَ منها المرة تلو المرة، ثمَّ أصبحَ بعد ذلك "الضحيّة" الأكثر مدعاة للإشفاق في التاريخ الحديث بعد حادثة "المحرقة". ولذلك، استحق هذا "الشعب" اليهودي تعاطف العالم ودعمه غير المشروط.. باستخدام هذه الرواية وأدوات التأثير الحسية التي وفرتها الحركة الصهيونية، تعزز "الوعد الإلهي بأرض الميعاد" بوعد "بلفور" الشائن الذي أعطى لنفسه التخويل بممارسة دور "إلهي" مماثل، فمنح ما لا يمتلك، متذرعاً، ربما، بباعث أخلاقي ظاهري، والذي يظل متجدداً في خطاب السلطة المهيمنة، منذ عهد الاستعمار وفكرة "التنوير" Enlightenment، إلى تكليف بوش وبلير "الإلهي" أيضاً بتحرير الشعوب المقهورة وإهدائها نعمة الديمقراطية Democratization.

في مقابل "الرواية" الصهيونية المحبوكة بعناية، وجد الشعب الفلسطيني نفسه بلا رواية تقريباً. كان هناك شعب متجذر في أرضه، ولكنه كان بلا رواية. وكما لاحظ المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد في أكثر من مكان، كان نضال الشعب الفلسطيني، طوال الفترة التي أعقبت نكبته وتشريده، بالإضافة إلى مناصري قضيته من العرب، هو محاولة كتابة هذه "الرواية"، شفاهاً وعلى الورق. كان لا بدّ له أن تكون له حكايته ليقول للعالم: "إنني شعب موجود، وكنت موجوداً هنا منذ بدء التاريخ، ولم تكن أرض فلسطين أبداً أرضاً بلا شعب". ولم تكن مسؤولية كتابة هذه الحكاية مسؤولية المثقفين، في رأي سعيد، بقدر ما هي مهمّة كل فلسطيني، فقال: "على كل فلسطيني أن يروي قصته".

كان على الشعب الفلسطيني أن يضع نفسه على خارطة الوجود مجدداً بقص حكايته. ومن مجموع هذه الحكايات: حكايات المفاتيح المعلقة في الصدور أو على حيطان المنازل، وقصص الآباء والأمهات، ومن أشكال التعبير الأخرى عن مكونات الثقافة الفلسطينية: من الأقاصيص والشعر والتراث والسينما والمسرح والفنون التعبيرية كلها، بدأت ملامح "الرواية" الفلسطينية بالتشكل أخيراً. وتكاملت ملامحها، فعلياً، لتصبح التجلي الحاضر، والضروري، "للهوية" التي كانت غائبة عن الشخصية الفلسطينية.. أصبحت هناك "ثقافة" فلسطينية قوامها التعبيرات المذكورة. والتي يقول عنها إدوارد سعيد: "..عندما يتعلق الأمر بالهوية السياسية حين تكون عرضة للتهديد، فإن الثقافة تمثل أداة للمقاومة في مواجهة محاولات الطمس والإزالة والإقصاء. إن المقاومة شكل من أشكال الذاكرة في مقابل النسيان".

*    *    *

خطّ إسماعيل شمّوط، وزوجته ورفيقة دربه تمام الأكحل، بريشتيهما وحكاياتهما، فصولاً بارزة من أجزاء الرواية الفلسطينية الوليدة.. واكتسب الفنانان الفلسطينيان خصوصيتهما في كتابة الحكاية الفلسطينية من حقيقتين مهمتين: أولاهما الانتباه المبكّر إلى ضرورة تسجيل الحدث الفلسطيني منذ مطلع الخمسينيات، أي في وقت غير متأخر كثيراً عن نكبة الفلسطينيين في عام 1948. وثانيهما التركيز الذي لا يخالطه تشتّت على تصوير المشهد الفلسطيني في كل عمل من أعمالهما تقريباً. وقد استطاع هذا الثنائي المنتمي إلى قضيته حتى العظم أن يضفر الخصوصية الفلسطينية في نسيج أي موضوع أو شكل ضمته لوحاته، وبحيث يمكن للمرء أن يقول، مطمئناً، بأن لوحات شموط والأكحل هي أعمال فلسطينية بامتياز، تكشف عن هويتها من النظرة الأولى. وقد أسّست، من دون شك، للحركة التشكيلية الفلسطينية التي تطورت بعد ذلك لتصبح مدرسة تضم العشرات من الفنانين، وتتسم بالكثير من الخصوصية والتميز بدورها.

وإذن، فقد استطاع الفنانان الإفلات من إغواء الأفكار التي تضج بها النظرية الفنية المعاصرة، من الإغراق في التجريد، بمعنى تضييع هوية العمل بالتقنيات، إلى تعويم هذه الهوية وطمس ملامحها تحت يافطة الإغراق في تعميم الموضوعات بهدف إضفاء الصبغة الكونية، مثل التركيز على رسم المشاهد الأوروبية أو وجوه الناس في كل مكان ورسم الحانات.. لم يختر الفنانان الذهاب إلى مناطق أوروبا، الطبيعية منها والنظرية، للتنويع والتجريب في موضوعات لوحاتهما وتقنياتها طلباً للعالمية، على عكس ما فعله الكثيرون من الفنانين العرب الآخرين. وكانت المفارقة المفرحة أن خصوصية طبيعة أعمال الفنانين الناجمة عن اشتباكهما المستمر بالموضوع الفلسطيني هي التي وصلت بهما، تحديداً، إلى العالمية. ذلك أن تصوير المعاناة بما ينبغي من الصدق، أياً كان الطرف الذي يعاني، يظل موضوعاً إنسانياً كونياً بقدر كونيّة فكرة المعاناة نفسها.

تقول تمام الأكحل في حديث لها عن تجربتها المشتركة مع إسماعيل شمّوط:

لما كان هدفنا الفني، إسماعيل وأنا يعني "إن أسمى الأهداف هي تلك التي تتخذ الإنسان محوراً لها، فتعمل لرفع الظلم عنه وتحاول تجميل الحياة من حوله وتفتح آفاق الآمال أمامه"، كان لا بد أن يكون التزامنا النابع من وعينا على حقيقة وجودنا المرتبط بالتاريخ والتراث والحضارة، وهي جذورها في وطننا العربي المعايش للواقع والمتطلع نحو المستقبل. أن نلتزم بالتعبير عن قضيتنا الفلسطينية، قضية المنطقة بأكملها.

..المهم أن يكون (الفن) صادقاً ونابعاً من أحاسيس يملؤها الصدق، مستمداً الحدث من دون تقليد مفتعل حتى يخلد ولا يسقط..

... ولذا، فأنا لست ملزمة أو مجبرة على أن ألهث وراء المدارس الأوروبية الحديثة التي تحول الإنسان إلى بقع لونية، إذ ليس بمقدوري الهروب من المؤثرات التي تحيط بي أو أخفاؤها من أجل أن أخفي جرائم عدو شرس مغتصب لأرضي وشعبي.. ولست أرى سبباً يجعل الفنان المعاصر (يخبئ) مشاعره تحت عنوان الحداثة والمعاصرة. ولكن، ولأن قلبي مملوء بحب الإنسان، وأكره أعداء الإنسانية والمغتصبين للحقوق الشرعية، فإنني لست مضطرة لتقليد المدارس الحديثة المستوردة، ولا أن أنقل واقعاً خارجاً عن واقعي.. وعند تصويري التعبيري، يكون هناك إفراغ لما في مشاعري وأحاسيسي من شحنات سابقة متولدة عن انصهار لما حدث ويحدث في حياتي اليومية، فيتم إفراغها على اللوحة كما لو كانت قطعة من ذاتي، وليس جزءاً منفصلاً عن محيطي وما يدور من حولي.

تنظر إلى أعمال إسماعيل شمّوط، فترى العقال والكوفية والملامح الفلسطينية حاضرة دائماً هناك. وترى فيها الثوب المطرز بالحرير، وجموع المشردين المحاطة بالجنود، والعذاب الذي رسمته التغريبة الفلسطينية على الوجوه، والأسيجة السلكية والعسكر، والأصفاد التي تحيط بالمعاصم وقضبان الزنازين، ووجوه الشيوخ المغضنة وأيديهم وهي تشد طفلاً تكاد تدفعه عفويته إلى الانفلات من كتلة الجموع المتراصّة.. وباختصار: تقول لوحة شموط عن نفسها وبنفسها: أنا لوحة إسماعيل شموط، الفلسطيني، وأنا هنا لأحكي حكاية فلسطين.

في البداية، رسم شمّوط ذلك "الربيع الذي كان"، كما يقول العنوان الأول في مجلد يضم جداريات وذكريات شموط والأكحل.. هناك رجل على يمين المشهد يضم زوجته وأطفاله، وعلى الشِّمال نساء يحملن على رؤوسهن أطباق الطعام، ويحتضنّ سلال الفواكه لإطعام الرجال في البيارات والحقول.. والمشهد كله تكتنفه الخضرة والألوان.. وثمة فلسطيني بعقاله وكوفيته ينظر بحنان إلى امرأته التي تحتضن طفلهما.. وشيخ يحكي شيئاً للأحفاد حول طبق من الطعام.. بعدها يجيء "الاقتلاع".. آلاف الوجوه التي فجتعها المأساة تحاصرها البنادق وتسوط ظهورها بالخوف لتحثها على الرحيل.. وهنا، يراوح شمّوط بين التقاط المشهد العام ويركز على كتل الجمع الذي يتقاسم التجربة والنكبة ليعبر عن شعور الفجيعة المشترك نفسه، وبين التقاط التعبيرات الخاصة على وجوه المنكوبين.. عيون تبكي، وأخرى مشدوهة أو مسكونة بالسؤال.. في "العطش.. على طريق التيه"، يرسم شمّوط أولئك الذين يمضون على الطريق الصعب، والذين يسقطون على الطريق، والأيدي التي تمتد في الهواء محاولة أن تمسك بشيء هارب لا ملامح له... وهناك، بعد ذلك، الخيام.. والطوابير الجائعة على أبواب مراكز وكالة الغوث، والرجال المتبطلون في أزقة المخيمات.. ومن هذا تولد "إرادة الحياة"، كما يصوّرها شمّوط.. هناك الأمّ الفلسطينية التي تجمع حولها العائلة في كل مكان من لوحاته، والمرأة العالية طويلة القامة، التي تحمل الزهور بيد، وتشير بالأخرى إلى الطريق.. وهناك طفلان يدرسان وقد انتثرت كتبهما المدرسية على "طبليّة" خشبية، وأشخاص يتسوقون، وعروسان يبدآن معاً مشوار حياة جديد تزفهما جموع اللاجئين.. وبعدها، يحضر إسماعيل شموط "عرس المقاومة" والانتفاضات الفلسطينية، ويصورها.. ويبدأ اللون الأحمر والبنادق بالظهور كثيراً في لوحاته، وفيها ينبت "الحنّون"، ويفرخ الحمام في الأعشاش.. ويبدأ الحلم.

علاء الدين أبو زينة

*(كاتب ومترجم)

alaeddin.abuzeineh@alghad.jo

التعليق