"جواز سفر": صياغة أخرى لشكل الحب في معرض تشكيلي عن درويش

تم نشره في الخميس 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • "جواز سفر": صياغة أخرى لشكل الحب في معرض تشكيلي عن درويش

يوسف الشايب

رام الله - ما أن تدخل جاليري المحطة في رام الله، حتى تشتم رائحة أشعار درويش المرافقة للوحات وأعمال فنية، نفذها 31 فناناً من أجيال مختلفة، ومناطق جغرافية مختلفة في الوطن، وحدها "لاعب النرد"، في معرض حمل اسم "جواز سفر"، يتواصل منذ أيام، في إطار فعاليات معرض فلسطين الدولي السابع للكتاب.

اختار معظم الفنانين أشعاراً لدرويش استوحوا من خلالها لوحاتهم .. منها ما أعد خصيصاً للمعرض، ومنها ما كان معداً في السابق من وحي أشعار درويش، وعموم أعماله.

"امرأة جميلة في سدوم" توحي لأحمد كنعان بعمل يدمج الخشب والنحاس، يجاوره شعر درويشي، كما في مجمل الأعمال.. "يأخذ الموت على جسمك شكل المغفرة، وبودي لو أموت داخل اللذة يا تفاحتي. يا امرأتي المنكسرة".

على جدار آخر في "المحطة"، لوحة لأيمن حلبي، مستوحاة من ملحمة درويش "أحمد العربي"، وأخرى لبشار الحروب من وحي "حالة حصار"، وثالثة لحسني رضوان استخدم فيها مواد متعددة مستوحاة من "مديح الظل العالي"، فجدارية برؤية خالد حوراني، وحرق على خشب لتيسير بركات من وحي "شدت على يدي.. وشوشتني كلمتين".

وفي ركن ثالث يرسم جواد إبراهيم بفيض برتقالي من وحي "كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة وجدنا غريبين يوماً"، في حين صنعت دينا غزال من الخزف عملاً فنياً من وحي "يرنو إلى أعلى فيبصر نجمة ترنو إليه!"، أما سليمان منصور فأخرج لوحة تقطر دموعاً من وحي "وعاد في كفن".

"أثر الفراشة" كانت القصيدة التي من وحيها خرجت لوحة فراشة لرأفت أسعد، أما الجدارية التي تكررت في أكثر من عمل فني، كان من أبرزها عمل رنا بشارة، التي عنونته بعبارة "تراب البروة يحن إلى جسد ابنه محمود درويش"، وصنعته من خبز وقهوة وخيوط، حيث توسط الرغيف المخيط كلمة البروة مصنوعة من القهوة.. وهي القصيدة نفسها التي خرج منها محمد صالح خليل ببورتريه مختلف لدرويش كان العنوان المصور للمعرض ومنشوراته.

وتبقى قصائد درويش تفوح في المكان بما يطغى على قهوة رنا بشارة.. "عابرون في كلام عابر" أوحت لعبد الرحمن المزين بعمل أكثر من مجرد "حبر على ورق"، في حين شاركت فيرا تماري بلوحة مزدوجة بعنوان "رقصة" من وحي "ولا أتذكر في أي أرض ولدت.. ولا أتذكر في أي أرض بعثت".

وتستمر الجولة الموجعة كسفر درويش إلى "حضرة الغياب" بأكثر من جواز سفر، أو ربما دونه.. منذر جوابرة يردد بريشته "رأيت جبينك الصيفي مرفوعاً على الشفق"، أما نبيل عناني فقدم في مواد مختلفة عملاً فنياً يحمل صورة لدرويش تتوسط أشعاره، كتب فيه "سرداب كقاع بئر مهجورة تصرخ لا تسمع صراخك.. تختنق بدخان ينشره خلل ما في جهاز التنفس.. لكنك تراه وتشمه وتختنق".

نهاد ضابيط وفي الغرفة الأخرى من المحطة قدم عملاً من حديد ونحاس وزيتون "عن الصمود"، وكأنه يقول "لو يذكر الزيتون غارسه لصار الزيت دمعاً".

الحديث عن جميع الأعمال المشاركة يبدو صعباً، لكن مما يلفت الانتباه ذلك العمل الذي قدمه خالد محاميد، وراضي عبد الجواد، وأحمد أبو بكر، وازدهار كساب، عبر جمعية اللجون الثقافية، وهو عبارة عن طباعة على حجارة قرية البروة المهجرة، مسقط رأس درويش، وأرض أجداده.. كانوا يقولون "أرى أثري على حجر، فأحسب أنه قمري وأنشد واقفاً".

الفنان التشكيلي بشار الحروب، من فريق "جاليري المحطة"، أشار إلى أن "جواز سفر" يعد أول حدث تشكيلي اجتمع الفنانون عليه ليليق بمكانة درويش.. وقال: "شارك في المعرض فنانون من الضفة الغربية، والقدس، وغزة، وداخل الخط الأخضر، والجولان المحتل.. هناك أعمال أعدت خصيصاً للمعرض، وأخرى كانت أعدت سابقاً من وحي قصائد درويش".

وعن سبب اختيار اسم المعرض، أشار الحروب إلى عدة أسباب، أهمها أن "درويش كان جواز سفرنا إلى العالم، ثم إنه وعبر هذا التجمع الفني استطعنا أن نخرج بجواز سفر موحد بعيداً عن كل محاولات تفريقنا كفلسطينيين".

الفنان والناقد الفني عصمت الأسعد، وصف المعرض بأنه "صياغة أخرى لشكل الحب"، مشيراً إلى أن تجمع هذا العدد من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين متمثلين بأشخاصهم وأعمالهم يعبر بوضوح عن المساحة الشعرية التي يحتلها محمود درويش من جهة، وعن مساحة أخرى تشكلت بغيابه من جهة أخرى.

ويضيف الأسعد: "التشكيليون المشاركون في المعرض يصيغون خطاباً، ولكن بمفردات العمل التشكيلي، لا ترجمة لأشعار درويش أو توضيحاً لها، بقدر ما هي موازاة إبداعية صاغها الفنان برؤيته الخاصة، وإن كانت ملتحفة شخص الشاعر، أو قصيدة من قصائده أو حتى نفحات واسعة مشتملة على مجريات التجربة الدرويشية الغنية، وأثرها على ذات الفنان، وعلى تجربته الخاصة أيضاً".

التعليق