"يحدث لنا دون سائر الناس"

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 10:00 صباحاً

فهيمة طملية

 

"نموت وقوفاً كالأشجار" هكذا رحلت .. كما تمنيت وحلمت، صامداً معانداً وساخراً من المرض.

كنت دائماً تردد سؤالاً في كل جلسة تلمنا حولك "أين يذهب الإنسان إذا أراد أن يعيش فقط؟". اخترت أن تلتحق بأمي وأخي إسماعيل. أراهن أن أمي قد أعدت لك "طنجرة الملوخية"، وأن إسماعيل قد احتفى بك جيداً.

ولكنك رحلت باكراً يا أخي، فأوراق الرواية التي لم تكتمل حائرة، ونحن حائرون أمامها أكثر، يقتلنا الحزن والذهول، حزنٌ بالجملة؛ أبي، أمي، أخي إسماعيل، وأخيراً أنت يا محمد. حزنٌ بالجملة ومكتمل النصاب.

الصحيح، لست قلقة عليك، فقد التحقت بأحب الناس، وأنا متأكدة أن إسماعيل لن يتركك حائراً، سيدربك جيداً، واثقة من التقاطك الذكي والسريع لتعليماته.

ومن ناحية ثانية، مطمئنة أن أمي ستلاقيك بالحضن، وستعد لك رغيفاً شهياً لطالما أحببته من يدها. لست قلقة عليك يا أخي.. ولكنك فعلاً رحلت باكراً.

أتذكر الآن لحظة الوفاة تحديدا: محمد في سريره بالعناية الحثيثة، يحتشد حوله أطباء، أختي جهاد تذرف دموعاً لا تنتهي، وهيفاء ترتجف متمتمة بآيات قرآنية لعل الله.

أما خولة فقد كتمت في صدرها صرخةً ودموعاً وهرولت إلى مكان ما في المدينة الطبية.

لكن الطبيب سرعان ما حسم الأمر قائلاً: البقية بحياتكم. سقطنا ارضاً بجوار جسده الهزيل، وذرفنا دموعاً وقهراً مُرّاً. اختار محمد أن يجنب أمي هذه الحسرة، فقرر الرحيل بعدها.

كم كنت مهذباً يا أخي؛ حتى في عزّ المرض كنت تهذي بأمر ما، تصمت قليلاً، ثم تبتسم كأنك تعتذر حتى عن الهذيان.

والمفارقة الغريبة، عندما انتهى بيت العزاء وجلسنا في بيت أمي يغمرنا الوجع، سألت أختي هيفاء: هل تخيلت محمد مبتسماً لحظة وفاته؟!، فأكدت أنها لاحظت ايضاً تلك الابتسامة.

لقد عاش طمليه ساخراً وودع الحياة ساخراً أيضا.

صدقني يا أخي، لست قلقة عليك، لكنني سأظل أكرر "رحلت وتركتنا باكراً". كن مطمئناً، سنحفظ "مخرطة الملوخية"، و"طنجرة المفتول"، و"الشوبك" أيضا. وسأذهب برفقة خولة وجهاد وهيفاء إلى سوق الجمعة في العبدلي، نشتري ملابس مستقبلية، نأخذها إلى بيتنا في النزهة ونوزعها على (الرفاق).. رفاقنا في الفقر.

لا تقلق بشأن اللغز الذي احترت بأمره، سنترك لأحمد هذه المهمة، فأحمد هو "الأعقل" كما كنت تقول لنا دائماً، سوف يحلّ لغز "أول رَجل حطّ رِجِل على رِجِل".

شقشقة الكاتب الراحل محمد طمليه

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طمليه اخي (محمد الزعبي)

    الجمعة 5 آب / أغسطس 2011.
    هو اخو الجميع وليس فقط اخاك ... كتب عنا ولنا وخرج منا ومات بيننا ... محمد لم يمت انه بشارع ابراهيم طوقان ينادي أحممممممممممممممممد او ذهب الى وسط البلد يبحث عن جلدة توقف النقط المزعج او ذهب يستعيد الحذاء الذي خبأه ريثما يكبر ... محمد لم يمت لم يمت لم يمت لم يمت لم يم .....
  • »حزن مكتمل النصاب (عمر شواقفة)

    الثلاثاء 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    كنت اقراء للاخ طمليه ( رحمه الله ) واسرح كثيرأ وانا اقراء بعد كل سطر محاولا ترجمة كل سطر لادرك معانيه ولكن سنة الحياة ان يتركنا ولو مبكراً ولكنه يترك فينا ارثاً غنياً وذكرى محفورة بالصيوان .
    وداعاً اقولها او الى لقاء ولا حول ولا قوة الا بالله فهذا يحدث لكل الناس .
  • »حزن مكتمل النصاب (عمر شواقفة)

    الثلاثاء 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    كنت اقراء للاخ طمليه ( رحمه الله ) واسرح كثيرأ وانا اقراء بعد كل سطر محاولا ترجمة كل سطر لادرك معانيه ولكن سنة الحياة ان يتركنا ولو مبكراً ولكنه يترك فينا ارثاً غنياً وذكرى محفورة بالصيوان .
    وداعاً اقولها او الى لقاء ولا حول ولا قوة الا بالله فهذا يحدث لكل الناس .