عبدالرحمن: السياسة الاستعمارية للغرب كونت جيلا من النخب العربية المستلبة

تم نشره في الأحد 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 08:00 صباحاً
  • عبدالرحمن: السياسة الاستعمارية للغرب كونت جيلا من النخب العربية المستلبة

مفكر مغربي يحاضر حول التحديات الثقافية

نادر رنتيسي

عمان - اعتبر المفكر المغربي الدكتور طه عبدالرحمن أن الثقافة "جملة مفاهيم تقاوم اعوجاج الفكر والسلوك داخل الأمة" مبينا أن القيم المثلى لا تستنبط من الواقع وإنما من الدين المُنزل.

وذهب في محاضرته أمس في المعهد العالمي للفكر الإسلامي بعنوان " من يثقف من: نحن والتحديات الثقافية" إلى أن "الأثقف هو من يمتلك أكثر القيم، فهو لذلك الأقوم".

وشدد عبدالرحمن على أن "الآخر" ليس هو الأقوم كما رسخ في الأذهان، وإنما الأمة الإسلامية محيلا ذلك إلى "خاتمية الدين".

وأجاب عن عنوان محاضرته بالقول إن "الأقوم يثقف الأعوج" معتبرا أن التثقيف ينبغي أن يكون في مجال الشرط التداولي، ذاهبا إلى أنه اصطلاح يدل على الإطار القيمي الذي يكون المثقف ويبني عليه أعماله وتعامله.

وقال إن الغرب يجوز له أن يثقفنا في ما يملك، مستدركا أن ذلك لا يمنع من نقد المسلمين لما يثقفهم به الغرب، ما يرى أن ذلك يرفضه الآخر الذي "يريدنا أن نتلقف ما يثقفنا به من باب التبعية".

وأكد على أن الغرب ليس بمقدوره تثقيف المسلمين فيما يملكون، معتبرا أنه يعمل جاهدا على إفقاد الآخرين الثقة، وحصرها فيما يملك من قيم وما يتصف من سلوكيات.

واعتبر أن الأمة لا تكون شاهدة على غيرها إلا إذا كانت عادلة، ذاهبا إلى أن العدل صفة الأمة القوية، مبينا أن العالم الإسلامي يحتضن ثقافات متنوعة، ومنظومة من القيم الأخلاقية والمعاني الروحية التي يفتقدها الغرب.

ورأى أن التنميط والتفسخ دلالة اعوجاج الآخر، ذاهبا إلى أن الصفة الأولى تجرد الغرب من التنوع الثقافي، بينما جاء تفسخه نتيجة "تمسكه بمبادئ حداثية قطعت صلته بالأخلاق وأدت إلى تكوينه المادي".

ويؤشر عبدالرحمن إلى أن الظلم عند الآخر يتجلى في مظهرين الاستتباع والتدمير، منوها إلى أن المظهر الأول يتجلى في "إخضاعه للآخرين لسياسات تعليمية تنال من المبادئ التي تحملها الثقافة الإسلامية".

وأضاف أنه بفضل السياسة الاستعمارية للغرب تكوّن جيل من النخب العربية المهجوسة بفكره، رائيا أنها "نخب مستلبة" أضاف إلى دورها البعثات الأجنبية التي تتوسع وتتمدد في العالم الإسلامي.

أما المظهر الثاني المتمثل بـ "التدمير" فرأى أنه يتجلى في محاولة الغرب التشكيك بالدين الإسلامي، والتطاول على المقدسات، والطعن في الإرث الحضارية للأمة، مضيفا إلى ذلك محاولة تشويه صورة المسلم في الروايات ووسائل الإعلام المختلفة.

ويشير إلى صور أخرى من محاولة تشويه صورة الإسلام من قبل الغرب، بالإشاعة أنه دين تطرف وكراهية للآخر، ويشكل خطرا على العالم، واعتباره عدوا ثقافيا يفتح عهدا جديدا من الصراع الحضاري.

ونوه إلى أن أساليب تثقيف الغرب من قبل المسلمين تكون بتذكيره بقيمة التعارف بين مختلف الأمم، وأن الشعوب لم تخلق للتصادم مع بعضها، وإنما للتعارف والإقرار بالقدرة على الإفادة والعطاء.

وأوضح أن على الغرب إدراك معنى التكامل بين الثقافات، مشددا على أن لا مفر من اعتماد الرؤية الأوسع، التي تضم رؤى متجاورة ومتكاملة بين الثقافات، لإقامة أي نظام ثقافي عالمي جديد.

وقال عبدالرحمن إن التاريخ يؤكد أن ما من مجتمع انتشر فيه الانحلال إلا وذهب إلى الهلاك، مستدركا أن على الغرب إعادة القيم الروحية إلى ثقافته.

واعتبر أن مقاومة ظلم الغرب تكون بالتحرر، لافتا إلى أن الآخر ذهب عن الشرق بالاستعمار المادي، فيما بقي الاستعمار المعنوي مفروضا.

وبين أنه من الضروري "كشف فداحة الأضرار التي يستخدمها المستعمر لطمس الهوية الثقافية والدينية عند الشعوب المستعمرَة".

وشدد على ضرورة مقابلة الغرب بالتكافؤ، مبينا أن التكافؤ الثقافي لا يعني المطابقة وإنما هو "تكافؤ في المغايرة" مشددا في المقابل على أنه كيفي وليس كميا.

وكان رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي الدكتور فتحي حسن ملكاوي قد قدم عبدالرحمن بوصفه "مفكرا وعالما عرفته منتديات العالم العربي والإسلامي منذ مطلع السبعينيات".

وأضاف أنه تميز في ميدان الفلسفة في مجال النظر بالعمل الديني عموما، والتراث الإسلامي على وجه الخصوص.

وقال ملكاوي إن عبدالرحمن يعمل معظم وقته بصمت، منوها إلى مشروعه الكبير في فقه الفلسفة الذي صدر منه مجلدان.

وكان المفكر المغربي شارك في مؤتمر الفلسفة الذي نظمه المعهد مع وزارة الثقافة والجامعة الأردنية في وقت سابق من هذا العام.

وعبدالرحمن أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم العربي والإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي. ولد في مدينة الجديدة بالمغرب عام 1944، وبها درس دراسته الابتدائية، ثم تابع دراسته الإعدادية بمدينة الدار البيضاء، ثم بجامعة محمد الخامس بالرباط حيث نال إجازة في الفلسفة.

 واستكمل دراسته بفرنسا بجامعة السوربون، حيث حصل منها على إجازة ثانية في الفلسفة ودكتوراه السلك الثالث عام 1972 برسالة في موضوع "اللغة والفلسفة: رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود"، ثم دكتوراه الدولة عام 1985 عن أطروحته "رسالة في الاستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه".

درّس المنطق في جامعة محمد الخامس بالرباط منذ بداية السبعينيات. حصل على جائزة المغرب للكتاب مرتين، ثم على جائزة الإسيسكو في الفكر الإسلامي والفلسفة عام 2006.

وأهم أعماله: "اللغة والفلسفة رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود" (بالفرنسية) 1979، "رسالة في منطق الاستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه" (بالفرنسية) 1985، "المنطق والنحو الصوري" 1985، "في أصول الحوار وتجديد علم الكلام" 1987، "العمل الديني وتجديد العقل" 1989، "تجديد المنهج في تقويم التراث" 1994، "فقه الفلسفة والترجمة" 1995، "اللسان والميزان، أو التكوثر العقلي" 1998، "كتاب المفهوم والتأثيل" 1999، "سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" 2000، "حوارات من أجل المستقبل" 2000، "الحق العربي في الاختلاف الفلسفي" 2002، "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري" 2005، "روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية" 2006، "الحداثة والمقاومة" 2007.

التعليق