الطب الشرعي: شجاعة وجلد لمحاربة الظلم

تم نشره في الاثنين 20 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 10:00 صباحاً
  • الطب الشرعي: شجاعة وجلد لمحاربة الظلم

 

لبنى الرواشدة

عمان- تفرض السيكولوجية الإنسان الخاصة أنماطا معينة من الحياة عليه، وكثيرا ما يلجأ إلى اتخاذ قرارات بمزاولة مهن لا تروق لآخرين، أو ربما لا يحتملها غيره.

"لا أستطيع حتى رؤية إنسان ميت"، تقول ريما شهاب التي لا تعترف بخوفها وارتباكها من مجرد طرح موضوع الموت والأموات.

ريما (34 عاما)، التي تعمل معلمة فيزياء، تبدي استغرابها من الأشخاص الذين يستطيعون التعامل مع الجثث، خصوصا في حالة الحوادث الذي تنتج عنها إصابات تصل إلى حد التشويه، وتقول "لا أستطيع تخيل نفسي داخل مشرحة".

ريما تشترك مع كثيرين يعترفون بخوفهم من رؤية إنسان ميت، كما يستبعدون إمكانية عملهم في مجال يقتضي التعامل مع جثث وأموات كما هو الحال في مهنة الطب الشرعي أو الدفاع المدني.

وفي الطرف المقابل، يعمل كثير من الأشخاص في مهن تقتضي التعامل الدائم مع الجثث والأشلاء، مظهرين شجاعة وجلدا ناتجين عن قناعتهم بسمو هذه المهن، مثل مهنة الطب الشرعي على وجه التحديد.

الدكتورة إسراء الطوالبة تبدأ عملها في المركز الوطني للطب الشرعي التابع لمستشفى البشير في ساعات الصباح الباكر، ليمتد إلى ساعات متأخرة في المساء تمضيها بين الجثث في المشرحة أو ضحايا العنف سواء الجسدي أو الجنسي من جميع الفئات العمرية.

وتقول الطبيبة، التي استطاعت أن تثبت جدارة ونجاحا لافتين بشهادة من يعملون معها، إن هذه المهنة الشاقة تحتاج إلى قناعة تامة بأهميتها من ناحية إحقاق العدالة ومحاربة الظلم والمفسدين.

مدير عام المركز الوطني للطب الشرعي د. مؤمن الحديدي يؤكد خصوصية مهنة الطب الشرعي، إضافة إلى مهن أخرى تحتاج إلى تعامل خاص معها مثل العاملين في الطب الشرعي والنفسي والبحث الجنائي وحراس السجون ورجال الدفاع المدني.

إدارات عاملة في هذه المجالات تراعي مسألة التفريغ النفسي للعاملين فيها، بحسب الحديدي، وذلك من خلال جلسات خاصة، الى جانب منحهم إجازات طويلة يبتعدون بها عن أجواء العمل.

ويلفت الحديدي كذلك إلى طبيعة تعامل الممارسين لهذه المهنة مع عملهم وتعامل الإدارات معهم "ممارسة العمل بطريقة سليمة تتيح للموظف مواصلة العمل لمدة طويلة من دون أي تأثيرات جانبية على نفسيته وحياته الخاصة".

غير أنه يلفت إلى أنه في حال لم يحظَ العاملون بهذه المهن بالمراعاة اللازمة لخصوصية عملهم، سيؤثر ذلك سلبا على أدائهم وحياتهم وحالتهم النفسية.

كما ينوه إلى برامج التدريب التي يجب أن يخضع لها العاملون في هذه المهن الخاصة إلى جانب تمتعهم بالقوة النفسية والرغبة الشديدة والاقتناع بأهمية عملهم "السعي الى العدالة ومعرفة الحقيقة وخدمة الناس هي الهدف الأول لهؤلاء الناس".

مزاولون لمهنة الطب الشرعي يؤكدون أنها تشكل نوعا من الإرهاق للعاملين فيها، والذي ينتج عن التعامل مع ضحايا عنف وجثث قد تكون مشوهة بشكل كبير، فضلا عن التعامل مع مجرمين وأشخاص خطرين يهددون أحيانا الأطباء للتأثير في التقارير التي يكتبونها في حيثيات القضية.

ومن المواقف التي حفرت في ذاكرة الطوالبة، حسب قولها، رؤية شاب وقد انقطع معظم رأسه وما يزال يتحدث مع مسعفيه، وهو من المشاهد التي يصعب نسيانها، لافتة إلى أن القوة النفسية للأطباء والعاملين في هذا القطاع تتفاوت من شخص إلى آخر، مستذكرة أحد الأطباء الشرعيين الذي حضر إعدام شخص ليشعر بعدها بتعب نفسي كبير اضطره إلى ملازمة البيت لفترة من الوقت.

وتضيف أن كثيرا من الأطباء العاملين في القطاع يشعرون بالخوف الذي يصل الى المرض على أطفال وعائلاتهم، غير أنها تلفت إلى أن "الطبيب الشرعي الماهر يستطيع أن يفصل بين العمل، مهما كان صعبا، وبين الحياة الخاصة".

وتقول الطوالبة إن الدول الغربية المتقدمة تترك للطبيب الشرعي حرية التقاعد عن العمل بعد عشر سنوات نظرا للإرهاق النفسي الكبير الذي يتعرض له، مع دفع جميع حقوقه، إضافة إلى منحه الكثير من الإجازات والمغادرات خلال فترة عمله.

وتعترف أن "حوادث اغتصاب الأطفال تسبب أزمة نفسية كبيرة، وتجهلها في مزاج عكر لمدة طويلة"، ولكنها تؤكد مرة أخرى الشجاعة الكبيرة التي لا بد أن يتمتع بها العاملون في الطب الشرعي وأقسام الطوارئ والدفاع المدني.

وتقول إن أهم الصفات التي لا بد أن يتمتع بها العاملون في المهن هي الإيمان والقناعة التامة بالعمل وتحديد الهدف بشكل واضح، والمتمثل في خدمة الناس، لافتة إلى أن الناجحين هم من يستطيعون الفصل بين العمل والحياة الشخصية.

سيدة عرفت على نفسها باسم رائدة تبدي استغرابها من الأشخاص الذين يقومون على إعدام المجرمين "بالتأكيد يتعرضون لأزمات نفسية كبيرة ويتناولون المهدئات".

وعلى ذلك ترد الطوالبة قائلة إنها ومن خلال حضورها للعديد من حالات الإعدام لفحص الجثة والتأكد من الموت لاحظت مدى الثبات وحالة السلام التي يتعامل بها الشخص الذي يقتاد المذنب الى منصة الإعدام.

وتضيف أن هذا الشخص وبالرغم من صعوبة عمله نظرا لمعايشته حالة إنسانية دقيقة يتمتع بنفسية مطمئنة لقناعته بعدالة العقاب، الذي يوقع على المذنب. وتضيف "الإعدام فيه إنصاف وتبريد لنار المتضررين وتحقيق للأمن في المجتمع".

وتؤكد الطوالبة بذات الوقت أهمية منح العاملين بمثل هذه المهنة الشاقة امتيازات من شأنها أن ترفع من معنوياتهم وتزيد من إقبالهم على العمل وكفاءتهم مثل التقدير المعنوي والمادي حتى لا تهرب الكفاءات إلى الخارج.

وتضيف ان بعض المهن تعتبر حساسة نظرا لمحاولة بعض الفاسدين رشوة الأطباء الشرعيين أو القضاة للتأثير في أحكامهم والتقارير التي يرفعونها بحق المجرمين "هذه نقطة لا بد من أخذها بعين الاعتبار" ورفع رواتب ومداخيل هؤلاء الأشخاص.

ومن المهن التي يحتاج العاملون فيها إلى جلسات تفريغ وإجازات يخرجون من خلالها من ضغوطات العمل مهنة الطب النفسي.

استشاري الطب النفسي الدكتور محمد الحباشنة يؤكد أن جلسات التفريغ أمر إيجابي بين الفترة والأخرى "بدأ العمل في هذه الجلسات لكن على نطاق ضيق" والشائع كما يقول الحباشنة هو جلوس أطباء في جلسات ثنائية يتبادلون الحديث فيها عن الأزمات التي يواجهونها.

ويصف الحباشنة هذا الأمر بأنه "غير سليم على المدى البعيد"، مؤكدا أن جلسات التفريغ الجماعي لعدد من الأطباء تكون أفضل.

ويقول إن الأطباء النفسيين قاموا بعد تفجيرات عمان بعمل جلسات تفريغ للعاملين في مجال الطب الشرعي ورجال الدفاع المدني وكانت إيجابية في تهدئة النفوس والتعامل مع الأمر بشكل عملي.

ويؤكد أن الأشخاص العاملين في هذه المهن الحساسة لا بد أن يكونوا قادرين على الفصل بين العمل والحياة الخاصة "هذه المهن ضاغطة للنفسية وتحتاج إلى جلد وصبر في العمل ومن يتعب بسهولة لا يستطيع الاستمرار بها".

التعليق