مزالق في الخطاب الإسلامي

تم نشره في الأحد 28 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • مزالق في الخطاب الإسلامي

مبارك عامر بقنه

إننا وفي الوقت الذي نعيشه فيه الانفتاح على العالم ، وتداخل الثقافات، وتبادل المعلومات في المجالات الإنسانية والفكرية والاقتصادية، نجد أن الخطاب الإسلامي لم يرتق إلى مستوى التحدي والمواجهة؛ بل إن هناك غيابا عن العالمية وحصرا للخطاب في إطار إقليمي محلي ضيق، متسماً باللغة الدفاعية التبريرية وفي أحايين لغة انهزامية عاجزة عن تقديم رؤية شمولية مبدعة مستقلة عن مؤثرات الاستعمار والتخلف وسيطرة الغرب.

وهذا العجز أسقط الخطاب الإسلامي في مزالق قد تسبب التيه والاضطراب، ومن هذه المزالق:

أولاً: تمييع الثوابت يلحظ من بعض المنتسبين إلى الصف الإسلامي تمييع الثوابت الإسلامية ، ومحاولة الابتعاد عن بعض الثوابت والتي لا تتفق مع الرأي العام .

 وإن ذكرت هذه الثوابت فإنه يكون فيها التمزيق والترقيع والتشبث بالأقوال البعيدة كل ذلك تبريراً للمواقف وبحثاً عن مخرج يعلل فيه الأحداث ليصف الدين الإسلامي بأنه دين حضاري تجديدي تنويري.

 وسلوك الترقيع هذا يهدم أكثر مما يبني، ويولّد تناقضات كبرى لا يمكن إيجاد حلٍ لها إلا بمزيد من الترقيع والتمزيق. فالتبديل والتحريف في بعض الثوابت يؤدي إلى تحريف في ثوابت أخرى؛ وبالتالي إيجاد منهج إسلامي جديد مغاير للمنهج النبوي الكريم.

 لا بد أن ندرك أن الدين جاء كاملاً مترابطاً متسقاً بعضه ببعض يصعب إلغاء أو تحريف جزئية دون أن تحدث تغييرا في المسار، وهذه من سمات ديننا التي تميزه عن المناهج الوضعية " وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً" . إن المتحدث باسم الدين يجب أن يظهر الحكم الشرعي كما هو دون زيف أو تبديل وتحريف.

 ومن يتكلم عن الإسلام فعليه أن يدرك أنه يتحدث عن أعظم دين، فالمتحدث لابد أن يشعر بالفخر والعزة وهو يتكلم عن الإسلام النموذج الأمثل للبشرية قاطبة.

فلا يحق لأحد أن يخترع رأياً في الدين فالدين ليس بالرأي، فدورنا هو البلاغ مع الخضوع المطلق لكل ما صح في هذه الشريعة الربانية، والنصوص والأحكام الشرعية يجب أن تُبين كما بينها الإسلام، فمحاولة عرض القضايا القطعية اليقينية بطريقة مغايرة هو نوع من التلبيس والتمييع وتضليل للناس. ولا بد أن يكون تفسيرنا للنصوص الشرعية تفسيراً دقيقاً علمياً مبنياً على أصول أهل السنة والجماعة مهتدياً بفهم السلف وأقوالهم بعيداً عن الهوى والتعصب والجهل، فلا نحمّل النص ما لا يحتمل من المعاني.

فلا نقص أو زيادة معنوية أو لفظية للنص، ولا تغيير أو تبديل لمعاني الشريعة من أجل إرضاء البشر وإتباع للهوى.

 ثانياً: الخلط بين الرأي والأمر لابد أن يكون هناك تمييزاً واضحاً بين النص والرأي الشخصي ، فلا يحق لأحد أن يصور رأيه الشخصي وكأنه وحي من السماء يجب على الناس قبوله ، فهذه نزعة فرعونية ما أريكم إلا ما أرى، وهو من التضليل في الخطاب؛ بل الرد لابد أن يكون لكتاب الله وسنة رسوله لا إلى الرأي. فرأي المرء ـ وإن كان عالماً صالحاً تقياً

 ـ لازال يحتمل درجة من الخطأ ولازال تحكمه عوامل كثيرة قد تمنعه من موافقة الحق. وباب الاجتهاد فيما لا نص فيه باب مفتوح لأهل العلم ولكن لا يعني ذلك أن يكون اجتهاد العالم ورأيه في درجة النص الذي لا يقبل الجدل.

 ثالثاً: عموميات الخطاب يفتقد الخطاب الديني في طرح بعض القضايا الشفافية والمصداقية، ولذلك يتجه إلى العموم والشمول يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه

. مما يجعل القارئ أو المستمع في إشكالية لتفسير الخطاب وتحقيق مناط الحديث. وهذه العمومية لقضايا تتطلب البيان والذكر لا تقدم حلاً جذرياً وإنما قد تزيد في توسيع دائرة الخلاف والشقاق. فالعموميات مجال واسع قد يستدل به كل شخص في إثبات ما لديه.

 والاتجاه إلى العموميات قد يكون سببه ضغط الواقع والخوف من النقد والمحاسبة فلا يستطيع أن يوضح ما يرى أنه الحق، ولا يستطع أن يذكر خلاف ما يعتقده فيتجه إلى العموم والشمول وهنا يحدث اللبس والتمويه.

رابعاً: لغة الخطاب العالم برمته بحاجة ماسة لمخاطبتهم بهذا الدين بلغة تنسجم مع لغة العصر، تحمل أفكاراً ورؤى إسلامية صافية نقية، مقدمة حلولاً لإشكاليات الأمم والشعوب.

ولاشك أن معرفة ضرورات العصر ومتطلباته أمر شرعي، ومن ضرورات العصر مخاطبة الناس بما يتفق مع أفهامهم ويتناسب مع طبيعتهم من غير تبديل أو تحريف لأصول الدين. فالخطاب لابد أن يتواءم مع لغة المخاطب وفكره، فالعبرة بالمعاني وليس بالمباني والألفاظ إلا ما خص الشرع من ألفاظ تعبدية.

إن إدراك لغة العصر ومخاطبة الناس بأسلوب مغاير يلائم الزمان والمكان أمر مطلوب، فما أرسل نبي إلا بلسان قومه كما قال الله تعالى :" وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (إبراهيم:4) إن تجديد الخطاب الإسلامي لا يعني إلغاء الألفاظ الشرعية التي تميز بين السني والبدعي، وبين المؤمن والكافر.

فليس من التجديد أن يسمي قول المبتدع بأنه رأي آخر، وإن كان لا مشاحاة في المصطلحات إلا إن بعض المصطلحات تحمل تمييع الدين وتذويبا للفوارق بين أهل السنة والبدعة وبين أهل الإسلام والكفر.

 فالمصطلحات لابد أن تكون متسقة مع التصورات والقيم فلا تحدث شرخاً لمبدأ أو تجاوزاً لقيمة. ولا يعني هذا استخدام مصطلحات التنفير والبغض والتفرقة والكراهية وإنما المقصود أن لا تكون المصطلحات تحمل دلالة الذوبان والتنازل عن الحق الذي يحمله المسلم. فالتنازل عن المصطلحات الشرعية واستبدالها بمصطلحات محدثة هو تحول فكري قبل أن يكون تحولا لفظيا، وهو تعبير عن أزمة قبل أن يكون تأصيلا علميا.

وإلغاء المصطلحات الشرعية والألفاظ الإيمانية يخلق إشكالية في مجال التطبيق وعمل النصوص.

خامساً: الخطاب الاعتذاري لقد أصبحت لغة التبرير والدفاع هي السمة البارزة في الخطاب المعاصر، والخطاب الاعتذاري له مفهوم عكسي وهو إن الإسلام غير قادر على التعايش مع الواقع فضلاً عن تقديم حلولا للمشاكل المعاصرة أو تقديم أنموذج لحياة إنسانية سامية. إن لغة التبرير معناه الوقوع في الخطأ ومحاولة الخروج منه؛ ومما نعتقده ـ يقيناً ـ إن شريعتنا منزهة عن الخطأ والعيب والنقص.

فلغة التبرير تتجه إلى تبديل وتغيير أحكام الله تعالى ، ويظهر ذلك جلياً في جعل الجهاد هو جهاد دفع وليس جهاد طلب ، وفي الحديث عن حجاب المرأة بصورة انهزامية تجعل التبرج والسفور أمراً لا حرج فيه، والأمثلة في ذلك كثيرة.

فلغة التبرير تجعل العقل حاكم على النص وليس النص هو الحاكم.ولا شك أن هذا نتيجة للتحديات والضغوطات الخارجية فهو انعكاس من مرايا الآخرين وليست صورة منبثقة من الذات والهوية.

ختاماً إننا لا نطمع بأن نجد خطاباً موحداً، ورأياً واحداً، فهذا أمر متعذر شرعاً وعقلاً ، ولكن يمكن أن يكون هناك قواعد كلية تأطر الخطاب الإسلامي لا تخرجه عن مساره الإسلامي، فتكييف الخطاب وفق الظرف والحالة النفسية وضغط الواقع يعني ذلك إيجاد أزمات وخلق عقبات في طريق التصحيح والبناء.

التعليق