"عين شمس" و"الهوية" : العدوان على العرب

تم نشره في الخميس 21 آب / أغسطس 2008. 10:00 صباحاً

 محمد الكيالي

عمّان- تستمر فعاليات مهرجان كارافان للسينما العربية الأوروبية في دورته الرابعة، حيث عرضت مساء أول من أمس ثلاثة أفلام اثنان منها في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة وحديقته، فيما عرض الفيلم الثالث في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام.

ولجأ الفيلم الروائي "عين شمس" للمخرج المصري إبراهيم البطوط، الذي جاء في ساعة ونصف الساعة وعرض في حديقة المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، إلى مزج أكثر من أسلوب في العرض السينمائي مثل السرد باستخدام الراوي ومثل العرض الوثائقي لبعض اللقطات التي تم تصويرها بالفعل في بغداد بعد سقوطها في العام 2003 والتي توجه إليها المخرج في ذلك الحين وتحدثت بطلته في الفيلم إلى بعض أفراد مشاة البحرية الأميركية هناك وما طرأ عليهم مع تطورات الأوضاع بعد سقوط بغداد في أتون الحرب.

ثم يعود الفيلم إلى استعراض بعض نماذج من سكان حي عين شمس من خلال أسرة سائق التاكسي رمضان، الذي يقدم نموذجا لأسرة تئن تحت وطأة مشكلات الفقر وإصابة ابنته الصغيرة شمس بمرض سرطان الدم وتأثير ذلك على أسرتها بالكامل، وعلاقة هذه الأسرة بالسلطة من خلال النائب البرلماني الذي جاء من منطقة الزمالك كي يساعد ساكنى عين شمس ولما دخل تحت قبة مجلس الشعب تنكر لأهل هذا الحي.

ويركز الفيلم على مدى الخطر الكبير الذي يحيط بالبشر بسبب التلوث الإشعاعي والمواد المسرطنة، مؤكدا أن الحال في مصر وغيرها من الدول العربية لا تختلف كثيرا عما يعيشه أهل العراق عقب القصف الأميركي لهم باليورانيوم المستنفد الذي سبب للعشرات منهم فيروس السرطان.

ويعرض المخرج الكثير من المشكلات اليومية للمصريين وبينها البطالة التي تدفعهم للهجرة غير الشرعية وإدمان المخدرات المنتشر بشكل واسع والهوس بكرة القدم كما يضم عددا من المشاهد المصورة لتظاهرات حقيقية يظهر فيها تعامل قوات الأمن مع المتظاهرين بأعدادهم القليلة بشكل وحشي بينما معظم فئات الشعب لا يدرك سبب اندلاع التظاهرات من الأساس.

وفيلم "عين شمس" هو الفيلم الروائي الطويل الثاني للبطوط وكان المخرج قد كتب السيناريو بمشاركة زميله تامر السعيد وتولى مع عدد من زملائه إنتاجه وقام بتصويره على مدار عام كامل قبل أن يضم إليه مشاهد صورها سابقا في العراق أثناء تغطيته لحرب الخليج الأولى كمصور حربي لكن الرقابة على المصنفات الفنية في مصر رفضته.

وفي الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وبحضور المخرج السوري غسان شميط، تم عرض الفيلم الروائي "الهوية" ومدته ثمانون دقيقة، حيث تدور أحداثه في الجولان المحتل، ويشارك فيه عدد من الممثلين منهم قيس الشيخ نجيب، سلمى المصري، مجد فضة، سوسن أرشيد وعبدالرحمن القاسم ومجموعة أخرى من الفنانين السوريين.

وتبدأ الحكاية من سماع شاب نعي شيخ جليل في إحدى قرى الجولان بمكبرات الصوت والدعوة إلى تشييعه في اليوم التالي، وسرعان ما يدرك الشاب أن الشيخ المتوفى كان والده، فيقرر التسلل مع الوفد الديني الذي ينتقل من فلسطين إلى الجولان المحتلة للتشييع لتبدأ المحطة الأولى من استعادة ذاكرة حياته الماضية ويترافق التشييع مع انتفاضة الهوية في الجولان المحتل ضد الاحتلال الصهيوني.

ويلفت شميط إلى أن القضية المهمة في الفيلم هي الهوية العربية السورية لأبناء لجولان ورفضهم الهوية الإسرائيلية إضافة إلى تسليط الضوء على نضال أهالي الجولان وتاريخهم البطولي، الذي كتب بدماء الشهداء ومعاناة السجن والاعتقال، مؤكدا أهمية الشفافية في تقديم الفيلم بكل ما ينطوي عليه من تفاصيل إنسانية خاصة ينفرد الجولان بها.

ويتناول الفيلم معتقد "التقمص"، حيث يؤدي قيس الشيخ نجيب فيه دور شاب ينتحر ثم تعود روحه للولادة في عائلة جديدة وعندما يسمع خبر احد الأشخاص تعود به الذاكرة إلى جيله الماضي ويتذكر أن الشخص هو والده من عائلته الأولى ويبدأ رحلة البحث عنه.

تبدأ الحكاية من اكتشاف "عهد" حقيقية الروح التي تتقمصه، من خلال نعي وفاة في مكبرات الصوت لشيخ جليل في إحدى قرى الجولان السوري المحتلة يدعو لتشييعه في اليوم التالي، وسرعان ما يدرك الشاب بأن الشيخ المتوفى كان والده، ولكن في جيل سابق، فيقرر التسلسل مع الوفد الديني الذي ينتقل من فلسطين إلى الجولان المحتلة للتشييع، لتبدأ المحطة الأولى من استعادة ذاكرة حياته الماضية، التي انتهت انتحاراً برصاصة أطلقها من بندقية صيد احتجاجاً على تزويج "حياة" حبيبته من ابن عمها، لوأد قصة حب تجمعها مع الشاب فواز "اسم عهد الأصلي" ذاع صيتها في القرية كلها.

وفي القرية التي يصلها الوفد الفلسطيني معزياً، يكتشف عهد بأن الزمن في القرية ساكن لا يتحرك، فلم تزل على حالها كما كانت قبل عشرين عاماً زمن فواز، وفي التشييع الذي يترافق مع انتفاضة الهوية في الجولان المحتل ضد الاحتلال الصهيوني والهوية الإسرائيلية، سيلملم "عهد" تفاصيل أخرى عن حياته، إذ يجد نفسه وجهاً لوجه أمام قبر فواز الذي هو قبره، حيث سيدفن الشيخ الأب إلى جواره، وبعد إجراءات التعزية يقرر عهد تعزية أمه السابقة حيث سيكون في بيتها على موعد آخر مع الذكريات والتفاصيل، التي تحفظها الأمكنة المتروكة كما عهدها منذ سنين، وترويها الأم التي عرفته من علامة أسفل ذقنه آثار الرصاصة التي قتلته منذ عشرين عاماً، ومعها يستعيد أحداث عشرين عاماً من معاناة العائلة واستشهاد أخيه فوزي خلال المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي، واستشهاد والده أبو فواز خلال مواجهات متشابهة، وحين يسألها عن حبيبته حياة التي قضى من أجلها منتحراً ستخبره الأم أنها تعيش الآن وحدها في منزلها القديم بعد أن تركت تواجه مصيرها إثر فشل زواجها بسبب انتحار "فواز" وتخلي ابن عمها عنها.

يقرر عهد زيارة حياة، ليفاجأ بالهزال الذي نال من جسدها، وبالمأساة التي استهلكت سنوات عمرها وتركتها في حالة موت مؤجل، يؤلمه حالها فيغادرها حزيناً دون أن يخبرها من هو، وفي طريق عودته بعد أن اكتملت الحكاية في ذاكرته، يجد عهد نفسه أمام تظاهرة جولانية في مواجهة بنادق الاحتلال ومدرعاتهم ومدفوعاً بروح جذوره يشارك عهد فيها ويموت.

وعلى امتداد ساعتين من الزمن، يتابع المشاهد مصائر شخصيات ريفية تعيش مفردات حياتها البسيطة، لكنها تملك من الغنى الروحي، والإرث التاريخي، ما يجعلها قادرة على إعطاء معنى جديد لحياتها عبر الحب، وهي شخصيات تلقي بكل شيء خلفها عندما تطرح عليها الحياة تحدي المعنى، فتضحي بكل شيء في سبيل الحب، الذي يضيء حياتها ويقيم لها احتمال النجاح والظفر في امتحان الجمال في مواجهة كل قوى الظلام والقبح.

وقدم مخرج الفيلم غسان شميط للمؤسسة العامة للسينما السورية عدداً من الأفلام الوثائقية والروائية منها "بصرى" في العام 1983 ومدته 23 دقيقة، و"محطات الصداقة" في العام 1986، و"يوميات جولانية" في العام 1987، و"الطحين الأسود" في العام 2001 وهو فيلم روائي طويل مدته 120 دقيقة.

التعليق