الذات في مرآة الوجود

تم نشره في الجمعة 15 آب / أغسطس 2008. 09:00 صباحاً

 

ماجد السامرائي    

هل كان كل ذلك الاقتراب من الذات ووضعها أمام مرآة الوجود، أو رؤية الوجود في مرآتها، في أعمال محمود درويش الأخيرة، تعبيراً عن حالة اقتراب من الموت أحسها الشاعر واستشعرها، موقناً أن الإنسان حين يواجه الموت إنما يواجهه وحيداً، أعزل إلاّ من ذاته وكلماته؟

وهل كان محمود درويش في ما قال وكتب عن حالات اقتراب كبير من الذات إنما كان يعبر عن روح المواجهة عنده لما كان يجده يتقدم نحوه، وإن بخطى بطيئة، ولكن واثقة، فيراه حاملاً له الكفن الأبيض، فيلتف به على نفسه ليحلم أكثر وأوسع من تلك المساحة المفتوحة له في هذا الزمان الضيق، ويشد يديه أكثر على حلمه، مخاطباً الحياة التي وجدها، في لحظة المواجهة هذه، تحتاج من الكلمات ما هو أكثر مما قال، ومن الرؤى ما هو أوسع وأكبر لتطويقها وحراستها من هذا القادم الغريب الذي يترصد لحظة الفتك به؟

وهل كان محمود درويش في ما كتب في السنوات العشر الأخيرة، على وجه التحديد - سنوات المواجهة مع هذا القادم الغريب الذي اخترق عالمه في غفلة منه - طارقاً أبواب الرؤية، ومدركاً أن ما انفتحت أمام رؤياه من أبواب الذات على الذات والوجود كانت كافية (أو تصورها كذلك) لأن يرى الحياة على سعتها في الداخل/ من الداخل بعد كثرة رؤيته لها وتعددت في الخارج/ ومن الخارج، يوم كان منشغلاً بهذا الخارج في مدى ما عاش من سنين سبقت هذه المواجهة؟

وهل كان محمود درويش وهو يتأمل نفسه "في حضرة الغياب"، ومن خلال تأملاته في أبعاد الغياب ومعانيه ودلالاته، إنما كان يكتب ذاته و"يوثّق" هذه الذات في لحظة وقوفها على الحد الفاصل، كنصل السيف، بين "قوة الذات" و"هشاشة الواقع" الذي وجده، في لحظة المواجهة، يتفتت أمامه على نحو غير متوقع، فحاول، أمام هذا، أن يتماسك ذاتاً، وأن يكتب هذه الذات وهو يقف في حضرة الغياب: بحثاً عن الأعلى في الوجود، وتعبيراً باللغة الأعلى حضوراً، بما تمنحه هذه "الذات" موقعاً له؟

هل كانت هذه كلها هي دواعي انسحابه، في أعماله الأخيرة، الى نفسه للوقوف معها - بمعنى القدرة الذاتية على الاستمرار، ومواجهة ما ندعوه "محو التاريخ للأثر"، وتأكيد القدرة، قدرته هو، على أن يكون في زمن لم يعد له فيه الكثير ليكون هو، بذاته ومن ذاته، الشيء الكثير والكبير، ولكن لنفسه في هذه المرة؟ وقد أدرك الفرق بين أن تعرف الأشياء وتدركها وجوداً وحركة، وبين أن "تعرّفها"... ففي الحالة الأولى أنت تكتشف، وتعبّر عما تكتشفه، فتجد للكلام لذة.

وعلى مثل هذا المسار الذي اتخذ، وجد نفسه، شعرياً، يحتمي بشيئين: الذات واللغة... وباللغة أقام الكثير من صور الذات يوم صارت تتراجع الى ذاتها، يوم أصبح القول عنده هو ما تقوله هذه الذات في لحظة إحساسها بالوجود الذي لم يكن يرسم أمامه من الصور إلاّ صورة الغياب، ليغرق في هذه "العلاقة الجديدة" التي قادت خطاه الى... الموت - وكان يدرك ذلك. وها نحن نفقد بغيابه آخر الشعراء الكبار في شعر اليوم... اليوم الذي ندرك فيه أن الفراغ الذي أحدثه غيابه فراغ فسيح لا يغطيه كل ما تبقى لدينا من شعر.

* كاتب عراقي

التعليق