"ما زلنا هنا": رحلة إبداعية ثرية نفخ فيها شمّوط حلم العودة

تم نشره في السبت 5 تموز / يوليو 2008. 10:00 صباحاً
  • "ما زلنا هنا": رحلة إبداعية ثرية نفخ فيها شمّوط حلم العودة

المتحف الوطني الأردني يحتضن الذكرى الثانية لرحيل عميد الفن الفلسطيني بالمحبة والعرفان

 

غسان مفاضلة

عمان- ما أن يمرّ رنين اسمه على مسمعك، حتى تتقاطر أمام ناظريك تفاصيل التغريبة الفلسطينية كلّها، منذ النكبة الأولى.. حتى آخر جملة في الدّرس المفتوح على سبات الضمير وليله الطويل.

منذ 60 عاماً، حين اقتلعته النكبة من بيته قبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وقبل أن تجفّ ألوانه على مسندها الذي سيسند عليه فيما بعد أفقاً ما يزال يترنح من جرح الخاصرة والذاكرة، راح عميد الفنانين الفلسطينيين يستشرف أفق "السيرة والمسيرة" ويلّونه على ذات المسند بلون المقاومة ونشيد الحياة.

وفي الذكرى الثانية على رحيل اسماعيل شمّوط الذي وافته المنية في ألمانيا إثر عملية جراحية في القلب، احتضن المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة مساء أول من أمس، ذكراه بالمحبة والعرفان لمسيرة فاضت بالمحبة والعطاء، وامتدت لتغطي أفق لوحته بأحلام العودة والانتصار للجمال وإنسانية الإنسان.

واشتمل إحياء ذكرى رحيل الفنان على المعرض الاستعادي "ما زلنا معاً" الذي ضمّ 46 لوحة مشتركة للفنان ولزوجته الفنانة تمام الأكحل غطت مراحل مختلفة من مسيرتهما التشكيلية من العام 1953 وحتى العام 2008.

وضم المعرض، الذي افتتحته الأميرة وجدان الهاشمي، لوحات وتخطيطات كان اقتناها أشخاص من الفنان الراحل ولم يتسن له عرضها على الجمهور، إضافة إلى جداريه "المسيرة" التي تعرض لأول مرة في الأردن.

ورافق إحياء ذكرى رحيل الفنان الإعلان عن الفائز بجائزة الفنان شموط على مستوى الوطن العربي التي تمنح لأول مرة في مجال الفن التشكيلي وقيمتها 5 آلاف دولار مقدمه من الدكتور هشام حماد المقيم في المانيا.

وقد أعلن الدكتور أسعد عبد الرحمن عن الفائز بالجائزة التي حظيت بها الفنانة نور القواسمة.

وفي سياق متصل في ذكرى الإحياء، قدم الثلاثي جبران الأشقاء سمير ووسام وعدنان جبران أبناء أشهر صانع أعواد في فلسطين بحديقة المتحف أمسية موسيقية رافقهم فيها عازف الإيقاع يوسف حبيش. وعزف الاخوان العديد من مقطوعات اسطوانتهم مجاز التي تحتل المرتبة الأولى من حيث التوزيع في الأسواق الأوروبية منذ ستة أشهر. وحقق الثلاثي جبران حضورهم العالمي عبر تميّزهم الفني بما يقدمونه من مقطوعات موسيقية على آلة العود، ومن خلال اشتباكهم مع المنطقة الملتبسة بين السياسي والفني.

وتتميّز مقطوعات جبران بالجملة الموسيقية التي تعتمد الارتجال التلقائي بمنطلقاته الحسية الأولية "Instrumental"، وهي جملة موسيقية تعتمد التنويع الحواري على الإيقاع الرئيسي بانسجام وتوافق صوفي تتوحد معه مادية الآلة مع حسية الموسيقى وشاعريتها. 

وقال مدير المتحف الوطني د. خالد خريس لـ "الغد" إن إحياء ذكرى شموط يأتي في سياق استمرارية سياسة المتحف بتنظيم معارض الفنانين الرواد الأردنيين والعرب وتكريم من تركوا بصمات واضحة في مسيرة الفن التشكيلي وممن لهم حضور وتأثير عربي وعالمي.

وأضاف بأن الفنانين إسماعيل شموط وتمام الأكحل تركا أثراً واضحاً في مسيرة التشكيل العربي عبر رؤيتهما وقضيتهما الوطنية ومن طروحاتهما الإنسانية والجمالية.

من جهته قال د. أسعد عبد الرحمن لـ "الغد" بأن الفنان إسماعيل شموط بإبداعه وعطائه الموصول استطاع أن يكون عميداً للفنانين التشكيليين الفلسطينيين. وأضاف بأنه كان الألمع في نقل هموم ومعاناة وطموحات أهل الشتات والمنفى من خلال فنه، الأمر الذي حفظ معه تاريخ القضية عبر لوحاته الشهيرة عن السيرة والمسيرة، لهذا فهو يستحق كل التقدير الذي منحه إياه شعبه ومحبوه.

وأشار الناقد د. مازن عصفور بأن التماس مع اللحظة الراهنة والمعاشة بلغة بصرية مشهدية وتسجيلية، حكم أن يرينا شموط مشهداً درامياً برع من خلاله بإبراز قيمة ما يروى ويشكّل.

وعن أعمال الفنانة تمام الأكحل قال عصفور بأن اللحظة المعاشة هي نفسها التي حكمت منطلقات أعمالها ضمن تكوينها وخصوصيتها الذاتية في الصياغة والتعبير في سياق خصوصية تماس المرأة الفلسطينية مع راهنية اللحظة بكل صدق وتعبير.  

وكان شموط من مؤسسي قسم الفنون في منظمة التحرير الفلسطينية، وشغل منصبي الأمين العام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطيني والأمين العام لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب، وهو حاصل على درع الثورة للفنون والآداب، وسام القدس، جائزة فلسطين للفنون وجوائز عربية ودولية عديدة.

وكان شموط، الذي كان يقول بأن "النكبة كسرت كل شيء حلو في حياتنا، كانت مأساة عشناها كلنا، بين العطش الذي قتل أخي الصغير ابن العامين ومئات آخرين، وبين الجوع والذل والقهر"، ولد في مدينة اللد العام 1930 وتوفي في الثالث من تموز (يوليو) العام 2006 في ألمانيا بعد أن خضع لعملية جراحية في القلب. ترك خلفه عددا من الكتب حول الفن التشكيلي، منها الفنان الشاب (1957)، فلسطين: صور تأريخ وسياسة (1972)، والفن التشكيلي في فلسطين (1989) الذي يعتبر أهم كتبه.

واتخذت فلسفة شموط من تحقيق الإنسان لشرطه في الحياة محورها الرئيسي، فكان يردد دائماً "الحياة من دون الإنسان لا تكون حياة، والحياة قاسية مع الظلم والجهل والفقر، وأنا ابن واحدة من أهم مآسي هذا القرن، وهي المأساة الفلسطينية الإنسانية الرهيبة، والإنسان متغلغل فيّ بحكم العذاب الذي حلّ بالإنسان العربي الفلسطيني، والذي شهدته في حياتي وبأم عيني.. ولا أستطيع تصور عمل فني لي من دون أن يكون الإنسان محوره الأساسي".

وأقام اسماعيل وتمام شموط منذ عام 1954 وحتى عام 2005 العديد من من المعارض منها المعرض الذي رعاه وافتتحه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في القاهرة العام 1954، ومعارض في بيروت وصيدا وغزة ورام الله ونابلس والقدس وعمان، وأكثر من مائة وواحد وعشرين معرضا في اثنتي عشرة ولاية أميركية.

وقررت أمانة عمان في ذكرى الفنان إطلاق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة.

التعليق