التوحد: أعراضه وطرق التعامل معه

تم نشره في الاثنين 30 حزيران / يونيو 2008. 10:00 صباحاً

 

عمّان-ماتزال أسباب التوحد تؤرق العديد من الأسر التي لديها أطفال يعانون من هذا الاضطراب والذي حدا بأطباء وتربويين ومتخصصين إلى دراسة التوحد والتفسير العلمي لحالة التوحد أنه "إعاقة تطورية تؤثر على التواصل اللفظي وغير اللفظي والتفاعل الاجتماعي للطفل وهو حالة قصور في الإدراك ونزعة انطوائية انسحابية تعزل الطفل عن عالمه ويصبح متقوقعا حول ذاته". وقد لوحظ مؤخرا وبحسب ما جاء في التقرير الذي نشره معهد أبحاث التوحد، Institute Autism Research""و مركز الأبحاث في جامعة كامبردج ازدياد نسبة التوحد بنسبة كبيرة لتصل من  5 حالات إلى  75 حالة لكل 10.000 للفئة العمرية من (5-11 سنة ), وربما يعود ذلك إلى زيادة المعرفة الدقيقة بأعراض التوحد مما زاد من المقدرة على تشخيصه بدقة وهو الأمر الذي ساهم في إبراز نسبة انتشاره الحقيقية فبدت أعلى بكثير مما كانت عليه من قبل. ولقد تم تصنيفه ونتيجة للأبحاث والدراسات التي أجريت كأحد الأمراض والاضطرابات النفسية والعقلية وتم تعريفه باضطراب نمائي عام يؤثر على جوانب النمو الأخرى وفي مقدمتها الجانب العقلي المعرفي، وأن آثاره تنعكس بشكل واضح في سلوكيات الطفل. وتشير باتريشيا هاولين إلى أن التوحد عادة ما يقع ضمن الإعاقات العقلية العامة التي يزداد انتشارها بين البنين قياساً بالبنات إذ تصل النسبة بينهما 1:4 .

 أن السبب الرئيس للإصابة بالتوحد غير معروف وما تزال النظريات العلمية عن التوحد غير مثبتة، بما في ذلك أثر العوامل الوراثية للإصابة به، وعلى الرغم من ذلك فهناك دلائل على وجود أسباب عضوية مثل التعرض للإصابة في الدماغ، أو لإصابة الأم أثناء الحمل ببعض الأمراض، أو استعداد بيولوجي أو عيوب في الجهاز العصبي. وهناك دلائل حديثة تشير إلى أن مسببات التوحد ناجمة عن أسباب فسيولوجية عصبية، وهناك من يربطه باضطراب في جين معين كما هو الحال بالنسبة لـ"phenylketonuria PKU" أو بشذوذ كروموسومي معين  Fragile X chromosome. او بالتصلب الدرني للأنسجة sclerosis  tuberous".

وتؤكد دراسات التوائم أن هناك سببا جينيا لهذا الاضطراب حيث إنه قد تكرر في حالة التوائم المتشابهة بنسبة92% في مقابل10% فقط للتوائم غير المشابهة، كما أن احتمال ولادة طفل توحدي آخر في الأسرة التي لديها طفل توحدي واحد لا يتجاوز3% تقريباً، ورغم كل ذلك فليس هناك رأي يفسر ما هو السبب الأساسي عن هذا الاضطراب. وتشير هولينز

 أنه من المفترض أن تكون هناك عدة جينات مختلفة تعد في مجملها هي المسؤولة عن التوحد وأن تعاطي الأم الحامل للعقاقير المختلفة، أو للكحوليات، أو تعرضها للأمراض، أو التسمم بالمعادن يتفاعل مع تلك المكونات الجينية فيجعلها تؤدي إلى حدوث مثل هذا الاضطراب. وبذلك يتضح جلياً تضارب الآراء حول هذه الأمور.

أعراض اضطراب التوحد

يعاني الأطفال التوحديون من قصور واضح في معدل نموهم المعرفي وفي قدراتهم المعرفية المختلفة. كما أنهم من جانب آخر يعانون من قصور واضح في مجالات أخرى تعد بمثابة ثوابت أساسية يمكن أن نعرف هذا الاضطراب من خلالها، وهي على النحو التالي:-

1 - قصور في نموهم الاجتماعي: يتمثل هذا القصور من جانب أولئك الأطفال الذين يعانون من ذلك الاضطراب في وجود صعوبات ومشكلات اجتماعية عديدة من مثل صعوبة في إقامة العلاقات الاجتماعية المتبادلة، قصور الانتباه المشترك من جانبهم، عدم قدرتهم على التعاطف مع الآخرين، صعوبة فهم القواعد الاجتماعية من جانبهم، عجزهم عن الارتباط بالأقران، عدم قدرتهم على التواصل البصري، عدم قدرتهم على فهم تغييرات الوجه.

2- قصور في التواصل مع الآخرين: يعاني هؤلاء الأطفال أيضاً من قصور في التواصل سواء لفظياً أو غير لفظي حيث إن هناك50% منهم على الأقل لا تنمو اللغة لديهم على الإطلاق، وبالتالي لا يكون بمقدورهم استخدام اللغة في الحديث أو استخدامها للتواصل، أما النسبة الباقية فإنها تعاني من قصور واضح في نمو اللغة لديهم حيث يتأخر ذلك النمو بشكل ملحوظ، ولا يكون لديهم سوى بعض الكلمات القليلة، ومع ذلك لا يكون بإمكانهم استخدامها في سياق لغوي صحيح كي تدل على معناها الذي نعرفه نحن، كما أن لغتهم التعبيرية تتسم التكرار، والترديد المرضي للكلام، والنطق النمطي لتلك الكلمات التي يعرفونها، وعدم القدرة على إجراء محادثات متبادلة مع الآخرين أو وإبدال الضمائر، كما أن نغمة الصوت وإيقاعه يكونان غير عاديين، هذا بخلاف الاستخدام الشاذ أو غير العادي للإيماءات. ومن ناحية أخرى فإن قدرتهم على التظاهر أو اللعب التخيلي تمثل جانبا آخر من جوانب القصور التي يعانون منها. أما قدرتهم على الفهم والاستيعاب من جانب آخر فهي محدودة جداً، كما أنهم يكونون غير قادرين على فهم وإدراك المفاهيم المجردة.

3 -  اهتمامات وميول وسلوكيات نمطية تكرارية: إن أنماط لعبهم تكون تكرارية ونمطية، وأنهم يقومون بجمع أشياء معينة غالباً ما تكون غير ذات قيمة أو جدوى لهم، ويضعونها في صف. كذلك فمن أهم الأمور التي تميزهم التعلق بأشياء غير عادية والانجذاب إليها، والانشغال الشديد بموضوعات أو أمور معينة، ومقاومة أي تغير يمكن أن يطرأ على بيئتهم المحيطة حتى وإن كان مثل هذا التغير بسيطاً، والإصرار على التمسك بروتين صارم في أداء الأشياء إلى جانب القيام بحركات نمطية معينة.

العلاج

تشير الدراسات فيما يتعلق بمستقبل طفل التوحد إلى انه يحدث تحسن في الحالة بين( سن 6 إلى 7 سنوات) ونسبة20 % منهم يمكن أن تخدم نفسها والعيش باستقلالية أما الباقي فهم بحاجة إلى مساعدة، حيث يبدأ التوحد في سن الثلاث سنوات الأولى من العمر ومن المهم أن نعرف انه ليس جميع أطفال التوحد مستوى ذكائهم منخفض ... فحسب الإحصائيات أن ¼ الحالات من الأطفال المصابين بالتوحد ذكاؤهم في المعدلات الطبيعية فضلاً على أن. تشخيص طفل التوحد لا يتم بزيارة واحدة للطبيب بل يستغرق وقتا للتأكد من الحالة.. فهذا التشخيص لا يطلق بسهولة على أي ألا بعد الملاحظة المكثفة وعمل اختبارات نفسية وملء استبيانات وتحليلها..

وهناك العديد من العلاجات للتوحد، إلا أن الوسيلة الأفضل لمساعدة هؤلاء الاطفال تعتمد في الأساس على تكوين علاقة معهم تضمن الاستمرار في التواصل. ويرتكز العمل حول حالة هؤلاء الأطفال على أسلوب التواصل معهم ويرى العلماء أنه لا يوجد هنالك علاج معتمد للتوحد، ولكن هناك وصفات مختلفة حسب اختلاف الحالة، وأن معظم العلاجات قد تصلح لأشخاص ولا تصلح لآخرين. ومهما كانت طريقة العلاج إلا أنه من الضروري العمل على وضع خطة علاجية خاصة بكل شخص لتقابل احتياجاته المتفردة.

فيما يلي بعض الطرق العلاجية المستخدمة

  1-  التعليم والتدخل المبكر: هذا من انفع واهم الوسائل بالنسبة للطفل التوحدي حيث اثبت الدراسات ان كلما تلقى الطفل برامج التعليم المخصصة مبكرا من عمر3 سنوات كانت النتيجة المستقبلية افضل. 

وتسهم برامج التدخل المبكر في الحد بدرجة كبيرة من تلك المشكلات المتباينة التي يعاني الطفل منها فتنعكس على الأسرة كذلك حيث أن عدم التعامل بفاعلية مع تلك المشكلات يقلب حياة الأسرة رأساً على عقب، ويجعلها لا تطاق، كما أن النجاح في التعامل من خلال تلك البرامج ييسر التفاعل بين أعضاء الأسرة.

2- الغذاء: حتى الآن لا يوجد إثبات علمي يوضح ان الغذاء له علاقة بمرض التوحد لكن هناك كثيرا من الأمهات وجدوا علاقة بين الامتناع عن بعض الأطعمة وتحسن بعض الأعراض المصاحبة للتوحد مثل زيادة الحركة والنشاط من هذه الأطعمة( القمح – الحليب و منتجاته - الخميرة ).

3- استعمال بعض الفيتامينات بكميات كثيرة : لم يثبت حتى الآن أن  الفيتامينات لها تأثير فعال وجذري لذا يجب توخي الحذر من استعمال مثل هذه الفيتامينات ويجب صرفها عن طريق الطبيب حتى لا يدخل الطفل في تسمم من جراء الإكثار من هذه الفيتامينات.

4- العلاج التفاعلي الحسي- السمعي: القاعدة الاساسية في التعليم هي أن لكل شخص مصاب بالتوحد طاقاته ونسبة العجز، وبناء عليه فلا بد وأن يتوافق التعليم مع احتياجات الطفل الشخصية وظهرت هذه الطريقة على اساس ان الأطفال المصابين بالتوحد لديهم تحسس للصوت وهذا العلاج الذي أظهر تحسن جزئي في بعض الأطفال يتألف من اسماع الطفل لموسيقى اليكترونية معينة عن طريق سماعات للرأس لمدة 30 دقيقة مرتين في اليوم لمدة عشرة أيام فقط.

ويعتمد هذا النوع من العلاج على الفن والعلاج بالموسيقى والتعايش مع الحيوانات الأليفة، وهذه الطرق العلاجية لا تعد في حد ذاتها تدخلات سلوكية أو تعليمية، ولكنها تضيف فرصة للطفل لتنمية مهاراته الاجتماعية والتواصلية بالاضافة إلى التدخلات التعليمية والسلوكية.

ويقدم العلاج بالفن طريقة غير لفظية للطفل للتعبير عن مشاعره، حيث تعمل التدخلات الموسيقية على تنمية المهارات الكلامية واللغوية، كما أن العلاج بالحيوانات مثل ركوب الحصان والسباحة مع الدولفين من شأنها العمل على تنمية مهارات الطفل الحركية التي تنمي بالتالي الثقة بالنفس.

5- السكريتين: هو هرمون يفرز من الأمعاء الدقيقة في جسم الإنسان لكي يحفز إفراز بعض العصائر في البنكرياس(وعادة يعطى عند اجراء بعض الفحوصات للجهاز الهضمي) وجد أنه في بعض الحالات أظهر تحسنا في الناحية اللغوية والاجتماعية عند الطفل. والسبب إلى الآن غير معروف وهناك دراسات كثيرة جارية في هذا الموضوع.

كما أن تعاون الأهل والمدرسة في كشف أي سمة أو اعراض من التوحد مبكرا يخفف كثيرا من معانات الأهل والطفل معا لذا يجب أن تمتلك كل معلمة في رياض الأطفال خلفية عن هذا المرض.

د. أميمة محمد عمور

التعليق