الجهود البريطانية لحماية الأردن بعد ثورة 14 تموز

تم نشره في الجمعة 27 حزيران / يونيو 2008. 10:00 صباحاً
  • الجهود البريطانية لحماية الأردن بعد ثورة 14 تموز

د.سعد أبودية

عمان- قد يستغرب البعض حجم الجهد الذي بذلته بريطانيا لحماية الأردن بعد ثورة 14 تموز 1958م والحق يقال أنه جهد غير عادي، في وقت ركز الأميركيون على لبنان فقط، ولم يعطوا أي اهتمام للأردن.

والغريب أن هذا الجهد البريطاني جاء بعد عام واحد فقط من إنهاء المعاهدة مع بريطانيا وبعد عامين من تعريب الجيش، ومع كل ذلك فإن الملك حسين طلب المساعدة وعرض الأمر على الإنجليز والأميركان وروى الحسين أن الاستجابة جاءت من الإنجليز.

ويلاحظ القارئ في تلك الوثائق الكثيرة حجم هذا الدور البريطاني وحجم الجهد والمصاعب التي واجهتها بريطانيا وقتذاك في دعم الأردن.

الحسين رئيساً للاتحاد العربي

ذكرت برقية صادرة من السفارة البريطانية في عمان إلى وزارة الخارجية البريطانية أن الحسين أعلن انه رئيس للاتحاد العربي بعد انتهاء الحكم الملكي في العراق، وأعلن أن حابس المجالي قائد لجيش الاتحاد العربي، وطلب من الشعب ألا يصغي للإشاعات أبداً وأن يأخذ معلوماته من البيانات الرسمية.

مصنع الإشاعات في الأردن

ذكرت الوثائق أن في الأردن مصنعاً للإشاعات ظهر بعد أحداث نيسان 1957، وأن هذا المصنع يزود السوق بالإشاعات وأن وراءه الشيوعيين ومصر. والشيء المحزن أنه لا يوجد عند الموالين للحكومة في الأردن مصنع مماثل.

برقية الخارجية البريطانية إلى الخارجية الأميركية 15/تموز

أرسلت وزارة الخارجية البريطانية إلى وزارة الخارجية الأميركية برقية طلبت أن يطلع عليها الرئيس ووزير الخارجية (جون فوستر دلاس) وفيها أن الملك حسين طلب مساعدة من أميركا وبريطانيا. تطلب البرقية أن يتم تأكيد المساعدة للأردن قبل أن تشمل ظاهرة عدم الاستقرار الأردن.

رد وزارة الخارجية الأميركية 16/تموز

ردت الخارجية الأميركية في اليوم التالي وذكرت تحت عنوان (سري جداً) أن الأردن مهم جداً في نظر (دلاس) ولكن ما هو هدف التدخل في الأردن هل سيعيد عرش العراق؟! هل يثير العشائر في سورية؟! ويرى (دلاس) أن العراق أهم من الأردن.

ويرى أن مساعدتها سوف تضعف دور الملك حسين ولا تقويه!!! ينتظر (دلاس) زيارة السفير (اللورد) ولا يريد أن يتورط قبل أن يرى اللورد.

برقية من عمان

أرسل الدبلوماسي البريطاني (ماسون) برقية من عمان ذكر فيها أنه قابل الملك حسين وسمير الرفاعي، وأن سمير الرفاعي طلب منه أن يتدخل في العراق وهذا حق شرعي للأردن لأنه في الاتحاد العربي ولم يوافق (ماسون) سمير على كل شيء، علماً أن سمير توقع أن الانجليز سوف يتدخلون في الحبانية وفيها (900) فني بريطاني يخضعون للمراقبة من النظام الجديد وليس لديهم جهاز اتصالات مع بريطانيا!

وفي اللقاء أكد ماسون أن بريطانيا إذا أرسلت قوات سوف ترسلها للمحافظة على تماسك الأردن واستقلاله وهذا يعني ليس في نيتهم أي تدخل في العراق. وهذا صحيح لأن الأنجليز كانوا قلقين في وجودهم في الأردن ويحسبون حساب انسحاب القوات الأميركية من لبنان، وأن موقفهم سوف يكون صعباً، وتذكر الوثائق أنهم لا يريدون انسحاباً مهيناً من الأردن لو تعرض الأردن لأي محاولة انقلاب وتغير نظام الحكم.

أخبر الملك (ماسون) أنه منزعج من تركيا التي تسأل الأردن عن (رفيق عارف) رئيس الأركان العراقي، وتتوقع أنه في الأردن وتريد أن تستشيره في موضوع العراق!

البرلمان الأردني يطلب مساعدة

كتب الدبلوماسي البريطاني (ماسون) أن البرلمان الأردني اجتمع وطلب مساعدة من الدول الصديقة طبقاً لمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

برقية من بعثة نيويورك إلى الخارجية البريطانية

في يوم 17/7 أرسل (دكسون) من البعثة البريطانية في نيويورك رسالة إلى الخارجية بيّن فيها أن مجلس الأمن اجتمع والوضع صعب والأردن طلب مساعدة للحفاظ على استقلاله ووحدته.

ملاحظة: استغربت من موقف الوزير المصري محمود فوزي وكان يردد بصراحة أن الملك يجب أن يغادر الأردن!

رد الخارجية البريطانية

في 18/تموز ردت الخارجية البريطانية أن مجلس الأمن سوف يجتمع (الاثنين) لمناقشة مقترح ياباني.

وفي البرقية توجيه للبعثة بأن تحضر قراراً من أجل الأردن وحتى يتم تغطية الوضع في الأردن سياسياً وأن يكون لمجلس الأمن دور في الأردن.

وفي البرقية شيء غريب أن الانجليز يشكون من العرب وتقول البرقية أنهم ساهموا في تأسيس البلاد العربية، وساعدوا الدول الناشئة ولكن هذا الدور يتم نسيانه وأن الإنجليز (الآن) يقومون بعملهم بكل مسؤولية تجاه الأردن!

برقية يوم 19/تموز

أرسلت الخارجية البريطانية برقية إلى نيويورك (البعثة) وفيها تترك البرقية أمر صياغة القرار للبعثة، وتذكر موضوع تحضير مسودة قرار وأنه لا بد ان يؤيد مجلس الأمن موقف بريطانيا تجاه الأردن. وأن على البعثة أن تعمل مثلما يعمل الأميركيون في الكولسة لتفادي (الفيتو).

برقية من واشنطن إلى الخارجية 19/تموز

يذكر السفير أنه سيقابل (همرشلد) سكرتير الأمم المتحدة وسوف يقابل المندوب البريطاني الدائم في نيويورك وهو ضد إصدار قرار من مجلس الأمن، وأن الأميركيين ضد فكرة إصدار قرار من مجلس الأمن أيضاً، وأن التركيز كله على لبنان وليس على الأردن، وأنه خائف من (الفيتو) ولو صار فسيذهب إلى الجمعية العامة وهناك غير مضمون أخذ 2/3 الأصوات ويقترح السفير أن تترك الأمور معلقة حتى ينجلي الوضع في لبنان.

برقية الخارجية البريطانية إلى واشنطن 22/تموز

وفيها أنه يجب عمل شيء للأردن ويجب ألا يتعرض الانجليز لانسحاب (مذل) من الأردن إذا تغير نظام الحكم في الأردن، وطلبت الحكومة الجديدة سحب قوات بريطانيا. لابد أن يشترك الأميركيون ويرسلوا قوات ولو قليلة للأردن ويا حبذا كما تقول البرقية أن يساعد الأميركيون في نقل القوات البريطانية للأردن حتى لا تتعرض لابتزاز إسرائيل.

برقية أخرى من الخارجية إلى السفارة في واشنطن 22/تموز

تذكر البرقية أنه تم إرسال قوات للأردن بناء على طلب الملك حسين يوم الأربعاء وهناك (2000) جندي...لقد ساهم حضورهم للأردن في استقرار الوضع...لكن رئيس وزراء الأردن أبلغهم أنه يجب زيادتهم حتى لا يقع انقلاب في الأردن.

القوات البريطانية الموجودة في الأردن كان بحوزتها غداء يكفيها (12) يوما، وتذكر البرقية أن التموين والطيران مر فوق أجواء إسرائيل وأن بريطانيا تواجهها مشاكل مع رئيس وزراء إسرائيل بن غوريون، وأنهم واجهوا متاعب معه فهو يتعرض لضغط المعارضة وزملائه وهم الانجليز يعتمدون على إرادة بن غوريون في الاستمرار.

لقد أرسل كاتب البرقية رسالة شخصية إلى بن غوريون لضمان تعاونه، وبريطانيا بحاجة لاستمرار موافقة إسرائيل في الطيران فوقها فالمسافة تختصر من (24) ساعة إلى (9) ساعات.

وذكرت البرقية أنهم يبحثون عن طريق بديلة فوق العقبة. وتذكر البرقية أنهم الانجليز طلبوا من فوستر (وزير الخارجية الأميركي) أن يسهل مهمة الانجليز في استخدام طائرات أميركية بدلاً من بريطانيا للطيران فوق إسرائيل لأن معارضة الاسرائيليين للأميركان أقل من معارضتهم للانجليز.

برقية من السفير في عمان إلى لندن 27/تموز

قابل السفير (جونستون) الملكة زين وسمير الرفاعي رئيس الوزراء وهما مستاءان من أخبار العراق وقتل العائلة المالكة ووزراء أردنيين، أنهت الحكومة خدمة (17) ضابطاً (مشكوك في ولائهم) وتم القاء القبض على موظفين كبار مثل رئيس ديوان الموظفين (شيوعي) (لم تذكر اسمه) ولكن ذكرت اسم حمد الفرحان وأنه ألقي القبض عليه.

عمان مليئة بالإشاعات بأن نظام الحكم في الأردن لن يصمد طويلاً.

برقية من الخارجية إلى عمان 24/تموز

طلبت البرقية من السفير إبلاغ الملك وسمير الرفاعي بثقة بريطانيا بقدرتهم على المحافظة على الوضع وأن الأميركيين وافقوا على دعم الانجليز بالمساعدة في نقل الإمدادات الجوية.

بالنسبة لحماية الأردن من التدخل الخارجي طلبت البرقية من السفير أن يسأل الأردن عن هذا الوضع وضبط الحملات الإعلامية ووضع قوات الأمم المتحدة U.N.T.S.O بين الأردن وسورية (سنلاحظ بعد قليل أن الملك حسين رفض هذا الاقتراح ورفضه سمير الرفاعي وأن الملك وسمير هددا باتخاذ موقف في الأمم المتحدة يتعارض مع توجه بريطانيا وأميركا لأن ذلك فيه اعتداء على سيادة الأردن ومن الأفضل إنشاء وحدات عسكرية جديدة لتقوية الجيش الأردني، وسنلاحظ أن الإنجليز والأميركان بدأوا يميلون لهذا الاقتراح وقد تجول الملحق العسكري في الأردن ولاحظ أن التي يسمونها حفنة الأردنيين والتي تحمي النظام هي صمام الأمان إذ أنه لاحظ بشكل عام الاستقرار في الأردن ما عدا نابلس بالرغم أن الحاكم العسكري في نابلس عزت حسن أكد أن الأمور على ما يرام).

من السفير إلى الخارجية 25/تموز

قابل السفير الملك وسمير الرفاعي وعبرا للسفير عن شكرهما، طلب الملك اتفاقية دولية يلتزم بها مصر والشيوعيون ولكن السفير قال إن هذا غير عملي Not Very Workable Scheme وطرح موضوع التحالف وذكر السفير أن حلف الناتو يمكن أن يمتد للأردن وباكستان وإيران.

من السفير إلى الخارجية 27/تموز

أبلغ سمير الرفاعي السفير أن الملك حسين تعامل مع معلومات أفضل من نظام الحكم الملكي في العراق وهنا يشير إلى أن العراقيين استهتروا بالمعلومات التي كانت ترد عن ثورة أو انقلاب ويتذكر القراء قصة الملك حسين مع رفيق عارف عندما طلب منه الملك إبلاغ الملك فيصل بخطورة الموقف وكيف أخذ يقهقه قهقهة العراقيين المعهودة.

abudayeh@hotmail.com

التعليق