فولكس واجن بيتل ـ قصة نجاح

تم نشره في الجمعة 27 حزيران / يونيو 2008. 09:00 صباحاً
  • فولكس واجن بيتل ـ قصة نجاح

منذ بدء انطلاقها سنة 1938، أصبحت سيارة بيتل أكثر السيارات إنتاجاً والتي حافظت على نفس الشكل والتصميم، حيث تم إنتاج أكثر من 21 مليون سيارة منها منذ إحداثها. ومنذ ذلك الحين، أصبحت تلك السيارة تمثّل ليس فقط عصراً بأكمله بل أسلوباً للحياة كان من شأنه تغيير صناعة السيارات حول العالم. وبمعنى آخر، أصبحت سيارة فولكس واجن بيتل منهاج حياة لملايين الأشخاص الذين اعتمدوا كثيراً في تنقلاتهم على هذه السيارة الأسطورية.

بداية قصة سيارة بيتل

لقد بدأت قصة سيارة بيتل في 17 يناير سنة 1934 عندما قام فيرديناند بورشه بكتابة بيان تقديمي يتحدّث عن صناعة "سيارة الشعب الألماني"، وفي رأيه، إن سيارة الشعب أو فولكس واجن يجب أن تكون سيارة ملائمة وموثوقة إلى حد كبير، وخفيفة الوزن وبمعدّات متينة. وقد كان من المقرر أن تكون سيارة سريعة ذات محرك قوي قادر على دفع السيارة بسرعة فوق أي طريق جبلي. أما طريقة تصميم المقاعد فكان من المقرر لها أن تكون مريحة إلى أبعد حد ـ وكل تلك الصفات كانت لتجتمع في سيارة واحدة وبسعر منخفض، فكانت النتيجة هي سيارة فريدة ذات شكل مستدير لا ينسى، أثبتت بأنها قفزة كبيرة نحو الأمام في تاريخ صناعة السيارات.

ولم تكن أي من الأبعاد الرئيسية في تصميم سيارة البيتل جديدة بالكامل ـ كالهيكل الانسيابي العصري المصنوع بالكامل من الفولاذ، ونظام التعليق ذي القضبان الملتوية، والمحرك الاقتصادي القوي والموجود في الجهة الخلفية للسيارة ويعمل بنظام الدفع الخلفي. وقد قام مكتب بورشه في مدينة شتوتغارت بتصميم مزيج عملي بين تلك العناصر التي كانت بمثابة متنفس في عالم السيارات. وقد أدى هذا المزج بين المبدأ المثالي والاهتمام الدقيق بتفاصيل التصميم إلى صناعة سيارة ثورية ذات قيمة لا تتغيّر على مر الأيام.

وقد تم إكمال النموذج الأول للسيارة في 5 فبراير 1936، ثم تمت صناعة ثلاثة سيارات تجريبية من الفئة V3 قطعت أكثر من 50,000 كلم في اختبار تحمّل استمرّ من أكتوبر إلى ديسمبر من العام 1936. وبعد القيام بالتعديلات اللازمة أُجريت اختبارات تحمّل شاملة على 30 نموذجاً معدلاً تحت اسم VW 30. وكانت السيارة الجاهزة للإنتاج سنة 1938 سيارة ذات تقنية عالية.

وبغرض إنشاء المصنع وأنظمة الإنتاج، قام فيرديناند بورشه بالبحث في مصانع سيارات أمريكية لتوظيف مهندسين من المهاجرين الألمان. وعند ذلك فقط، اكتسبت السيارة شكلها النهائي وتم تحسينها بعد اختبارها في نفق الإنتاج في المصنع وتحسينها بعد ذلك في الاستخدام الفعلي. كما أُثبت أيضاً بأن من الممكن تطوير نظام تعليق بسيط جداً، وكانت نقطة النقاش حينئذٍ تدور حول اختيار المحرك وفي النهاية، تم اختيار محرك Boxer بأربع أسطوانات.

وفي سبتمبر سنة 1939، اندلعت الحرب العالمية الثانية وتغير إنتاج سيارة البيتل من إنتاج مدني إلى إنتاج عسكري. وقد كان من شأن ذلك التطور تسليط الضوء على مستقبل سيارة البيتل التي كان عليها وبسبب الحرب أن تجتاز اختباراً من أصعب الاختبارات التي لم تخضع لها أبداً أية سيارة حتى الآن. وقد كان أداؤها رائعاً جداً، فلم يوقف سيارة البيتل أي ظرف من الظروف الجوية (لا في أفريقيا حيث الحرارة المتقدة ولا في روسيا الجليدية) ولا أي نوع من الأراضي (لا في الطين ولا الرمال ولا الثلوج). لا شيء أوقف سيارة يبتل.

وفي أغسطس من سنة 1945، قامت سلطات الجيش البريطانية التي أدارت المصنع حصرياً من سنة 1945 وحتى سنة 1949 بتكليف مصنع فولكس واجن بإنتاج 20,000 سيارة سيدان. وفي ديسمبر سنة 1945، بدأ إنتاج سيارات البيتل على نطاق واسع بدءاً بـ 55 سيارة. وفي موقع منعزل عند قناة ميتلاند، تم تنظيف المصنع من أنقاض الحرب وتجهيزه ليضم مجموعة متنوّعة من الناس من ذوي الاختصاصات والخلفيات المتعددة، والذين قاموا بتحويل الفوضى والأنقاض إلى مصنع جديد لهم.

ولم يعرف الموظفون العاملون في فولكس واجن آنذاك بسبب المعاناة التي كانوا يقاسونها بأن تلك المعاناة ستتحول إلى قصة من قصص النجاح. لكن في سنة 1946، كان قد تم إتمام أول إنجاز من نوعه وهو صناعة 10,000 سيارة فولكس واجن.

وفي الثلاث سنوات التالية، وقفت العديد من القيود والأحداث الخارجية بوجه تأسيس المصنع ولم يكن تسليم السيارات إلى الأشخاص مسموحاً، كما أدى نقصان الفحم سنة 1947 إلى إغلاق مصنع فولكس واجن مؤقتاً. وبعد حين، عادت قصة النجاح للظهور من جديد، ففي سنة 1948، كان حجم العمالة قد وصل إلى 8,400 موظف قاموا بتصنيع 20,000 سيارة.

وقد بدأ تصدير السيارة في أغسطس سنة 1947، حيث تم تعيين الأخوة بون من هولندا كمستوردين عامّين لشركة فولكس واجن، وقاموا باستلام 56 سيارة بيتل سيدان في دفعة التسليم الأولى. وبعد سنة واحدة، توسّع نطاق التصدير ليشمل بلجيكا والدنمارك ولوكسمبورغ والسويد وسويسرا. وكانت أول مرة تتدفق فيها العملة الأجنبية المرغوبة إلى البلد، حيث تم بيع 4,464 سيارة بيتل بـ 21 مليون مارك ألماني.

وعلى الرغم من ضعف القوة الشرائية للمارك الألماني بعد عملية إصلاح العملة، استمرت قصة نجاح سيارة البيتل ونمت مبيعاتها بشكلٍ مطرد، وكانت تلك السيارة هي "سيارة الشعب" فعلاً. وفي أوقات الشتاء وتساقط الثلوج، وقبل اختراع جرافات الثلوج وإطارات للشتاء، تمكّنت البيتل من السير على الطرقات الجليدية بنجاح، حيث وفّر محرّكها الخلفي تعليقاً كافياً وملائماً للعجلات الخلفية الدافعة.

وفي 8 يناير سنة 1949، غادرت البيتل هولندا متجّهة عبر المحيط إلى الولايات المتحدة. وقد برهنت هذه السيارة على أنها سفيرة ألمانيا وشركة فولكس واجن، واستطاعت أن تضع موطئ قدم لها في العالم الجديد. وفي تلك السنة، استمرت سلسلة التحسينات التي أجريت على السيارة  وكانت تلك التغييرات في معظم الأحيان تغييرات محسوسة أكثر من كونها ملموسة.

وفي 13 مايو سنة 1949، كانت الـ50,000 بيتل تجوب الشوارع. وقد تم عزو تحقيق مثل ذلك الرقم الإنتاجي الكبير إلى مدير عام شركة فولكس واجن هينريخ نوردهوف الذي حافظ على علاقات وروابط قوية مع القوة العاملة، وامتازت سياساته التي اتّبعها في العمل وخصوصاً إسهامه في تحقيق المبيعات الكبيرة وفي منظمة خدمة العملاء بأنها كانت بعيدة النظر، ما كان له الأثر الكبير في إرساء أساس نهضة فولكس واجن في موقعها كأكبر مصنّع للسيارات في أوروبا.

وفي تلك الأثناء، اعتاد الناس بسرعة في مدينة وولفسبورغ الألمانية على رؤية أعداد كبيرة من سيارات البيتل: ففي سنة 1950، تم إنتاج سيارة بيتل الـ100,000، وبعد مرور سنة، كانت فولكس واجن قد أنتجت ربع مليون سيارة على الرغم من أن نقصان المواد قد أدى إلى تعليق الإنتاج وتقليل ساعات العمل بشكلٍ مؤقت. وفي سنة 1952، تعدّى الإنتاج السنوي 100,000 سيارة لأول مرة. أما في سنة 1953، فقد أدى إنتاج 500,000 سيارة بيتل إلى جعل حصة فولكس واجن من إنتاج السيارات في جمهورية ألمانيا الفيدرالية تصل إلى 42.5 بالمائة.

وفي سنة 1955 تحقق الإنجاز الكبير، فقد تم إنتاج سيارة فولكس واجن بيتل المليون. وفي سنة من أكثر سنوات العمل نجاحاً، ازداد الإنتاج إلى 280,000 سيارة. وكمعدّل سنوي، تجاوز الإنتاج اليومي ألف سيارة لأول مرة.

ثم وصل الإنتاج السنوي إلى أكثر من 700,000 سيارة بيتل واستمر نمو الإنتاج إلى أن تم كسر حاجز المليون سيارة في سنة 1965. وفي سنة 1967، تم إنتاج سيارة فولكس واجن بيتل الـ10,000,000. وفي تلك الأثناء، كانت هنالك خمسة مصانع في ألمانيا وهي هانوفر، كاسل، برانسويك، إمدن، إضافةً إلى وولفسبورغ.

وفي العام 1973، كان مجموع الإنتاج فد تعدى الـ16 مليون سيارة، وبحلول 23 يونيو 1992 وصل عدد سيارات بيتل المصنعة الى أكثر من 21 مليون سيارة. واليوم، يعدّ تصميم سيارة بيتل الأكثر مبيعاً في العالم.

البيتل الجديدة

في سنة 1998، أطلقت فولكس واجن سيارة بيتل الجديدة التي احتوت على الخواص الرئيسية للطراز الكلاسيكي مع تطوير مستوى التصميم. وفي منتصف العام 2005، تم تغيير الكثير في شكل سيارة البيتل حيث تمت إضافة مصابيح جديدة، كما أصبحت خطوطها العامة أكثر صقلاً وأصبحت ألوانها منعشة وزاهية، إضافةً إلى تجهيزها بأغطية مقاعد قماشية جديدة، وتلك التغييرات ليست سوى جزء من التغييرات الكاملة التي تم عملها، والتي كانت نتيجتها نجاحاً باهراً جعل مظهر سيارة البيتل الجديدة أجمل وأكثر أناقةً من ذي قبل.

وقد نال تصميم السيارة ذو الجودة العالية جوائز عالمية متنوعة. فعلى سبيل المثال، حصلت سيارة بيتل الجديدة على "جائزة أفضل تصميم للقرن" من قبل جمعية المصمّمين الصناعيين في أميركا (IDSA). ويتم منح تلك الجائزة للمنتجات التي يلعب تصميمها دوراً هاماً في نجاحها ونجاح العلامات التجارية التي تمثّلها. وقبل الحصول على تلك الجائزة، حصلت البيتل الجديدة أيضاً على جائزة "أفضل تصميم" من معرض هانوفر الصناعي، إضافةً إلى جائزة "التصميم الجيد" من المجمّع العلمي في شيكاغو.

لقد سادت سيارة بيتل على الصورة العامة لسيارات فولكس واجن وكان لها تأثيرها الواضح في جميع شوارع العالم. كما أن نجاحها الوطني والعالمي جعل من شكلها واحداً من أكثر التصاميم إذهالاً في القرن العشرين وذلك لإعتمادها كثيراً على مبدأ "التصميم الديمقراطي". ولا تزال هذه السيارة رفيقاً موثوقاً للجيل الجديد من السائقين وستكون أكثر من ذلك بكثير مع تقديم سيارة بيتل الجديدة في المستقبل القريب.

التعليق