أطفال العراق يعشقون ألعاب "العنف"

تم نشره في الخميس 26 حزيران / يونيو 2008. 10:00 صباحاً
  • أطفال العراق يعشقون ألعاب "العنف"

 

بغداد - رغم تصاعد الدعوات الحكومية لوقف استيراد الألعاب المحرضة على العنف، إلا أن أطفال العراق يعشقون بشغف اقتناء ألعاب "العنف"، ومنها البنادق والمفرقعات.

وتعج المحال والأسواق والمراكز التجارية في أرجاء بغداد بأنواع فاخرة من لعب الأسلحة كالمسدسات والبنادق والمفرقعات من مناشئ غالبيتها من الصين، وبعضها يشبه إلى حد كبير البنادق التي يحملها الجنود العراقيون والأميركيون فضلا عن أنواع أخرى كثيرا ما تشاهد في أفلام الخيال العلمي أو أفلام الكرتون.

ولا يقتصر المعروض في الأسواق العراقية على هذه الأنواع، بل إن هناك أنواعا أخرى لا تقل أهمية، وهي تشهد إقبالا لافتا وخاصة تلك التي تأخذ شكل جنود حاملين أسلحتهم أو شكل المركبات التي تتحرك بالبطاريات وهي تحمل جنودا لا تختلف كثيرا عن الجنود الذين يجوبون شوارع بغداد يوميا حاملين أسلحتهم لمطاردة المسلحين والمليشيات الخارجة عن القانون.

ويصبح منظر شوارع وأزقة بغداد لافتا خلال عيدي الفطر والأضحى، حيث تنشط تجارة السلاح في المحال وتلقى رواجا كبيرا مع حرص الأطفال على اقتنائها ومن ثم أداء أدوار تمثيلية في الشوارع لمشاهد مواجهات مسلحة أو مشاهد مداهمات أو انتشار كالتي يقوم بها أفراد الجيش العراقي والأميركي يوميا في الشوارع.

ويقول ليث الخالدي (52 عاما) صاحب محل تجاري ببغداد، تعليقا على هذه الظاهرة: "ألعاب الأسلحة والقتال تلقى رواجا بين الأطفال وهم يعشقونها إلى حد الجنون ومن الصعب منعها عنهم بالقوة، لكن يمكن التعامل معها بهدوء حتى تضمحل وتنتهي".

وأضاف: "لدينا مخزون هائل (من هذه الألعاب) وهناك طلب متزايد عليها في جميع الأحياء لكنها تنشط في الأحياء الشعبية".

وقالت النائبة نادرة العاني عضوة لجنة المرأة والطفولة في البرلمان العراقي: "إن اللجنة ومنذ تشكيلها عملت كل ما في وسعها من أجل أن تشرع قوانين تسهم في إعداد أسرة عراقية صالحة مع العمل على الحفاظ على حقوق ومستحقات الأسرة والمرأة والطفولة".

وأضافت: "أن اللجنة تقدمت بمشروع قانون إلى مجلس النواب يقضي بمنع استيراد ألعاب الأطفال المحرضة على العنف.. وهذا القانون يأتي في إطار مساعي اللجنة لبناء طفولة عراقية بعيدة عن الأحداث أو الاضطرابات التي مر ويمر بها العراق".

وتابعت قائلة: "إن ثقافة العنف التي انتشرت في المجتمع العراقي بدأت تلقي بظلالها على سلوكيات الأطفال، حيث نرى أن الطفل العراقي بدأ ينجذب إلى نوع معين من الألعاب وتحديدا الألعاب التي صممت بشكل يشبه الأسلحة النارية الحقيقية والتي باتت منتشرة في كل مكان في العراق".

وأوضحت العاني "أن الكثير من الحوادث سجل أن القوات الأميركية أو العراقية كانت كثيرا ما تتوهم بمن يحمل هذه الأسلحة فتطلق عليه النار ظنا منها أنه يستهدفها".

وقالت "إن معاناة الطفل العراقي من المشاهد المروعة التي شاهدها من خلال أحداث العنف أثرت في نفسية الكثير منهم وإن منع هذه الألعاب ربما يساهم في مسح هذه الصورة المأساوية من خيال هؤلاء الأطفال لكي يستطيعوا أن يمارسوا حياتهم بعيدا عن عقد الماضي وتداعياته".

ويتعرض الأطفال في العراق إلى انتهاكات خطيرة أبرزها استعانة الجماعات المسلحة بهم لتنفيذ عمليات تفجيرية بأحزمة ناسفة أو باستخدام الدراجات، حيث تمكنت السلطات العراقية الشهر الماضي من اعتقال ستة فتيان تصل أعمارهم إلى 15 عاما تم تدريبهم في مدينة الموصل (400 كم) شمالي بغداد لتنفيذ عمليات انتحارية ضد تجمعات الجيش والشرطة العراقية والجيش الأميركي ومجالس الإسناد (الصحوات) فضلا عن اعتقال خلايا أخرى مشابهة شمالي بغداد.

وقد أدت الأوضاع الأمنية غير المستقرة في العراق إلى هجرة آلاف الأطفال لمقاعد الدراسة في المراحل الدراسية الأولية والعمل في مهن لا تتلاءم ومستويات أعمارهم والبنية الجسمانية كمهن الحدادة وإصلاح السيارات وتجارة الخردة ونقل النفايات والزبالة، فيما تقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونسيف" عدد الأطفال الأيتام بنحو أربعة ملايين طفل، مشيرة إلى أنهم في تزايد جراء استمرار الأعمال المسلحة.

وتسعى لجنة المرأة والطفولة في البرلمان العراقي إلى تشكيل لجنة عليا لرعاية الأطفال في العراق ترتبط برئيس الحكومة لتجاوز كل المنظمات التي فشلت في تقديم الدعم لهذه الشريحة الهامة من المجتمع.

وقال جمال حسن العتابي، المدير العام لدار ثقافة الأطفال بوزارة الثقافة العراقية: "ما تزال خطط وبرامج الحكومة العراقية ضيقة لإشاعة ثقافة جديدة بين الأطفال حيث يقتصر نشاط الدار على بغداد فقط فيما تفتقر المحافظات إلى مراكز متخصصة في إشاعة الثقافة بين الأطفال".

وأضاف: "أننا بحاجة إلى جهد حكومي ومن المنظمات الدولية لوضع برامج حديثة للارتقاء بثقافة الطفل في جميع الاتجاهات في مجالات المطبوعات والمسرح والموسيقى والرسم والألعاب وإحياء مكتبة الأطفال".

وأوضح العتابي "أن ضعف الدعم الحكومي لفتح آفاق جديدة لتنمية مهارات الأطفال وضعف الرقابة على الاستيراد فسح المجال أمام انتشار ألعاب محرضة على العنف وبيعها بأسعار مقبولة مما ولد إقبالا منقطع النظير وفسح المجال أمام شيوع ثقافة العنف عند الأطفال وهذا أمر خطير وستكون له انعكاسات سلبية في المستقبل".

وقال المدير العام لدار ثقافة الأطفال "لا بد من صدور قرار حكومي لمنع استيراد مثل هذه الألعاب القتالية مستقبلا والدعوة إلى استيراد ألعاب وأجهزة تنمي قدرات الأطفال العقلية والجسمانية فضلا عن إلزام وزارة التربية لحث التلاميذ في مراحل الدراسة الأولية على تنمية قدراتهم في دروس الرسم بالاستعانة بالمناظر الطبيعية وصور الحيوانات بعيدا عن رسم مشاهد القتال والدبابات والطائرات".

وأضاف: "بصراحة لا يوجد أي تنسيق مشترك بين جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني بشأن تطوير واقع الطفولة وأعتقد أن هذا الضعف قاد إلى قيام المسلحين باستغلال أوضاع الأطفال ومن ثم زجهم في أعمال العنف".

ورغم أن مرحلة ما بعد الإطاحة بنظام (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين شهدت ظهور عشرات المنظمات الإنسانية المهتمة برعاية الطفولة، ومن أبرزها منظمة هيئة رعاية الطفولة في العراق، إلا أنها ما تزال جميعا عاجزة وبعيدة كل البعد عن الاهتمام بواقع الطفولة.

ويبدو أن الحكومة العراقية أصبحت ملزمة في الوقت الحالي، بعد التحسن الملموس في الجانب الأمني، بالعمل على وضع خطط للارتقاء بواقع الطفولة من خلال الاستعانة بخبرات متخصصين بشؤون الأطفال عبر المحطات التلفزيونية والمدارس وإصدار المطبوعات وتنمية قدرات الأطفال في مجالات الرسم والتمثيل والموسيقى.

التعليق