سليمان الموسى: رجل وثائق أغرقت مؤلفاته المكتبات الأردنية

تم نشره في الجمعة 13 حزيران / يونيو 2008. 09:00 صباحاً
  • سليمان الموسى: رجل وثائق أغرقت مؤلفاته المكتبات الأردنية

 

أ.د. سعد أبو دية

عمّان- عرفت سليمان الموسى أول ما عرفته من خلال كتبه ومنها كتاب تاريخ الأردن في القرن العشرين ومنها كتاب لورانس العرب وكان الكتابان ضمن مقتنيات أسرتنا ومن يومها استمرت صلتي به حتى قابلته بعد سنين طويلة في مديرية التوجيه المعنوي يوم كانت هناك حركة دعم علمي ثقافي في نشر الكتب أو المقالات.

لا أنسى ابتسامته في ذلك اليوم والترحيب الكبير ثم رافقته في زيارة للعراق ولم أتركه دقيقة واحدة وفي نفس الفترة تزاملنا في اتحاد الأدباء والكتاب الأردنيين وبدأ يهديني بعض مؤلفاته وأهديته مؤلفاتي ولقد خصصت له في مكتبتي جناحاً خاصاً والحق يقال أن الرجل أغرق المكتبة الأردنية بكتابات عديدة عن الأردن وهو من الرواد الذين كتبوا عن (الحسين بن علي) عام 1939م ولم ينشر الكتاب إلا في عام 1957م بعد أن قرأه الشيخ فؤاد الخطيب وفخري البارودي وشكري شعشاعة ومحمد علي العجلوني وسعيد الدرة وخيري حماد وعيسى الناعوري وأثنوا على الكتاب ولكن لضيق امكانات الأردن فإن النشر تأخر حتى قيض الله لسليمان مدير مطبعة دار النشر والتوزيع والتعهدات بإدارة عبد الرحمن الكردي.

تأسست هذه الدار في عام 1956م لتعمل على النهوض بمستوى الكتاب الأردني الأدبي والعلمي والمدرسي وإيصاله إلى القارئ على أحسن وجه وبأيسر ثمن ونشرت عشيات وادي اليابس (ثمنها 25 قرشاً) ومع الناس لمحمود الإيراني (15 قرشاً) وكنت في مراكش لماجد غنما وثمنها (12 قرشاً) والبرامكة في التاريخ لعبد الحليم عباس (20 قرشاً) وصورة دوريان جراي ترجمة بشير الشريقي (20 قرشاً) وفي طريق الأمان لشكري شعشاعة (12 قرشاً) وأتوقع أن هناك كتابا على الهامش لسعد جمعة.

كان ثمن كتاب الحسين بن علي (30 قرشاً) وهو أغلى كتاب ضمن تلك السلسلة، وقد أهدى الكتاب إلى الحسين ابن طلال وكتب الإهداء تحت صورة الحسين ولقد أعيد طبع الكتاب بعد سنين فأصبحت المكتبة الأردنية مغرقة في الكتب، لم ينجح الكردي في مهمته وكان آخر كتاب يطبعه هو كتاب سليمان الموسى. لقد ترك طموحاته الثقافية وانصرف إلى التجارة (الدهانات).

كان يراجع المطبعة من المفرق إلى عمان كل أسبوع لتدقيق الكتاب وشاءت الظروف أن يتم اعتقاله في أحداث نيسان 1957م المعروفة بأحداث الزرقاء ولم تدم فترة اعتقاله إذ أطلق سراحه في أيار والمفاجأة أنه تم تعيينه بعد الاعتقال في حزيران 1957م وكان من أسباب تعيينه أن كثيراً من موظفي الإذاعة تم سجنهم ومنهم مدير الإذاعة حافظ عبد الهادي إذ أرسل إلى الجفر، وبسبب الشواغر في الإذاعة عُين سليمان في الإذاعة. وانتقل سليمان إلى عمان ونال كتابه تسليطاً من الضوء إذ نشر إعلان عنه في الصحف دفع ثمنه عبد الرحمن الكردي وكتبت عنه جريدة الجهاد وعلق عليه محمود الشريف في الإذاعة.

مصادرة الكتاب

لقد صادرت دائرة المطبوعات الكتاب في كانون الثاني 1958م ولما ذهب إلى مدير المطبوعات (مدحت جمعة) قال له إن رئيس الوزراء (سمير الرفاعي) طلب ذلك بناء على طلب من السفير السعودي أحمد الكحيمي الذي قال أن الكتاب فيه ما يسيء للعلاقات الطيبة مع السعودية وأن عملاً كهذا لا يصدر إلا عن شيوعي.

تم وضع خيارات أمام سليمان إما إتلاف الكتاب أو نزع الصفحات. فاختار نزع صفحات ما بين 173-185 ووضعت صور مكانها. وهنا لام عبد الرحمن الكردي سليمان لأنه تصرف دون علمه كان يجب الإتلاف في نظره مقابل التعويض ثم يعاد طبع الكتاب مرة ثانية. لقد عوض مدحت سليمان بترتيب رحلتين له واحدة للعراق والثانية لبريطانيا.

ونلاحظ هنا دور الأشخاص في الدعم للكاتب وأن هذا النمط من الأشخاص كان حريصاً كل الحرص على هذا الهدف ولذلك كان يأخذ بالاعتبار خاطر الكاتب وعلى سبيل المثال فإن مدحت لم يترك الأمر هكذا دون أن يطيب خاطر سليمان، وفي العراق باع (100) نسخة من كتابه واشتراها رئيس التوجيه في العراق محسن محمد علي وفي محاكمات المهداوي لاحقاً اتهم بتبذير المال العام بشراء الكتاب.

الانتقال للمطبوعات

انتقل سليمان إلى المطبوعات بعد أن نشرت مجلة رسالة الأردن العدد (2) ست صفحات منقولة عن الكتاب ولما اجتمع مع مدير الدائرة منيب الماضي قال له منيب استلم رئاسة تحرير مجلة رسالة الأردن... وهكذا رب ضارة نافعة.

ارتاح في المطبوعات أكثر وهناك مع منيب ماضي أخرج كتابه (تاريخ الأردن في القرن العشرين) في خلال سنة وشهرين (14 شهراً) فقط.

اعتقل منيب وجاء من بعده صبحي الكيلاني وتوفي 1961 ثم جاء سيف الدين الكيلاني وفي هذه الفترة أصدر كتابه الرابع لورانس العرب وأصدر كتاباً لاحقاً (كتاب الأردن السنوي) وحاول الانتقال من المطبوعات دون جدوى ويذكر بيت شعر

تقدمتني أناس كان خطوهم

                  وراء خطوي لو أمشي على مهل

وهذا البيت سمعته من الراحل بهجت التلهوني مراراً وكان يكمل الأبيات الرائعة.

وفي عام 1966 أرسلته الحكومة في عهد وزارة عبد الحميد شرف إلى لبنان من أجل اتمام كتاب الثورة العربية في ذكرى مرور (50) عاماً عليها وأقام أسبوعاً قابل فيه كبار قادة الثورة الأحياء مثل توفيق السديري وساطع الحصري وفايز الغصين ومحمد العجلوني.

وفي عام 1967 سمح له الأمير رعد بالاطلاع على أوراق الأمير زيد فأصدر دراسة في كتابين وفي هذه الفترة رفض العمل في الصحف عندما دُمجت الصحف وعرض عليه الشريف عبد الحميد شرف ذلك.

تقدير الحكومة

وهكذا لاحظت أن الحكومة لم تغفل عن رعاية الاستاذ سليمان الموسى ودعمه طوال هذه الفترة وأن قمة التقدير هي وسام الحسين في مطلع السبعينيات.

العادات الشخصية

لاحظت أن الأستاذ سليمان لم يتعلم قيادة السيارات إلا بعد أن بلغ (53) عاماً وأنه في هذا يلتقي مع الأستاذ يوسف العظم الذي لم يتعلم قيادة السيارات طيلة حياته.

إلى وزارة الثقافة وأمانة عمان

ذهب لوزارة الثقافة في عام 1978م ومن هناك انتدب إلى المنظمة العربية للثقافة والعلوم لخمسة أعوام حتى 1984 إذ أحيل للتقاعد ويشكر من ساعده الشريف فواز شرف ومعن أبو نوار.

وفي 1984 عرض عليه (عبد الرؤوف الروابدة) أمين عمان أن يعمل في الأمانة مستشاراً وأثناء تلك الفترة اضطلع بترتيب الملفات في الديوان الملكي بمعدل يومين في الأسبوع وعددها (609) ملفات وبعد عشرة أعوام صدرت محتويات تلك الملفات بناء على تكليف تم لآخرين.

مبادرة عبد الرؤوف الروابدة

في خريف عام 1994م كنت على وشك السفر إلى اليابان أستاذاً زائراً في جامعة ناغويا، وفوجئت بدعوة من وزير التربية لحضور اجتماع في الوزارة للمشورة في منهاج التربية الوطنية وهناك وجدت الأخ سليمان الموسى. من سوء الحظ أنني كنت على سفر وقد تابع الأخ سليمان وحده الموضوع ولم أسأله بعد عودتي ماذا جرى ولكن ظلت مبادرة عبد الرؤوف الروابدة ذات أصداء حسنة في ذهني طوال الوقت.

اختلفت مع سليمان الموسى في موضوع أن الثورة العربية أو النهضة العربية لم تكن ضد العثمانيين بل كانت ضد الطورانين وعندما تركت العمل الدبلوماسي وانصرفت للكتابة والتدريس في الجامعات فإنني كتبت عن هذا الموضوع وفي هذا الإطار وكنت أول أكاديمي في هذا الصدد.

في مسألة التقدير

لاحظت أن الأخ سليمان عاش في فترة كان المسؤولون يعرفونه ويعرفون إنجازاته، وساعدوه إذ ساعده عبد الحميد شرف ومعن أبو نوار وغيرهما ولاحظت أن هذا الدعم من أشخاص موجودين في مؤسسات ويضاف إلى ذلك الدعم حماس سليمان المفرط للكتابة والقراءة التي بدأت منذ أن ذهب إلى يافا زائراً لمدة ثلاثة أعوام قبل أن يعود إلى قريته ويكتب كتاب الحسين بن علي الذي لم يكتب عنه سوى أشخاص قلائل وبدعم من الجيش ومثال على دعم الأشخاص ومعرفتهم بالشخص تصرف عبد الحميد شرف إذ ذكر هو هذه القصة أنه يوم عمل صرح الشهيد كان رئيس الديوان الملكي عبد الحميد شرف لاحظ أن المحتويات وأسلوب العرض ليس عربياً فنادى سليمان وطلب منه تصحيح كل شيء وكتب هو بنفسه ما يلي:

أنني حظيت في بلدي على تقدير وتكريم فائقين. الملك حسين منحني وساماً وحصلت على أرفع الجوائز التي تمنح للكتاب في الأردن

جائزة الملك عبد الله وجائزة الدولة التقديرية واحتفت بي وسائل الإعلام مرات ومرات ونشرت لي مؤلفات في حلقات على صفحات الصحف الأردنية أكثر مما نشر لأي كاتب أردني آخر وقامت مؤسسات عدة بتكريمي.

لا شك في أن آخرين منحوا تقديراً لا يستحقونه ولكن هذا لا يحجز عني مقدار ما حظيت به. رحمه الله بإيمان.

رسائل من القراء

وصلت رسائل من القراء ومنها هذه الرسالة

تحية طيبة وبعد

كنت أتوقع بأن انتهائي من الجامعة وتخرجي منها سوف يغلق باب المعلومات القيمة التي كنا نأخذها منكم في مجمل المحاضرات في الجامعة ولكن الباب بقي مفتوحاً من خلال ما يتم طرحه من تقارير في جريدة الغد.

أرجو لكم دوام الصحة والعافية

أسامة مطر

Abudayeh@hotmail.com

التعليق