هل تعود السينما المصرية إلى عصرها الذهبي؟

تم نشره في الأحد 25 أيار / مايو 2008. 10:00 صباحاً
  • هل تعود السينما المصرية إلى عصرها الذهبي؟

 

القاهرة- احتلت السينما المصرية منذ أوائل القرن العشرين صدارة الحقل السينمائي في منطقة الشرق الأوسط، فالبلد الذي يلقب بـ"هوليوود الشرق" أنتج أفلاما وصلت إلى العالمية، كما صدّر نجوما إلى السينما العالمية أمثال عمر الشريف والمخرج يوسف شاهين.

 إلا أن السينما المصرية مرت بفترات هبوط طويلة، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الرقابة المشددة التي تفرضها أجهزة الدولة، بالإضافة إلى احتكار إنتاج الأفلام من قبل عمالقة الثراء في مصر، والذين ساهموا في إنتاج أفلام تجارية هابطة المستوى، وفقا لعدد من المراقبين.

 ويوافق النجم العالمي عمر الشريف، الذي شارك في بطولة أفلام عالمية مهمة مثل "لورنس العرب" و"الدكتور زيفاغو"، على هذا الرأي، حيث يقول "لدينا في مصر الاستوديوهات وجميع الوسائل التي تخولنا الوصول إلى العالمية، إلا أننا على الجانب الآخر نمتلك رقابة مشددة.

فعلى هذه الجهات قراءة النص قبل التصوير، ومن ثم الموافقة عليه. فالنص الجيد بنظر الرقابة يجب أن يخلو من أية إشارة سيئة نحو العروبة، والدين، وهو ما أدى إلى خسارتنا الكثير".

 إلا أن الوضع تغير اليوم، فهناك مجموعة من المخرجين الشباب الذين قرروا التصدي لجهاز الرقابة ومناقشة موضوعات محظورة، للوصول بالسينما المصرية إلى آفاق جديدة ومهرجانات عالمية.

 أحد هذه الأفلام كان فيلم "عمارة يعقوبيان" والذي شكل تحولا مهما في مسار السينما المصرية، حيث أن ميزانية الفيلم هي الأعلى في تاريخ السينما، كما أنه يتضمن مشاركة عدد كبير من نجوم مصر يتقدمهم النجم عادل إمام والنجمة يسرا.

 والأهم من ذلك كله، هو أن الفيلم يناقش موضوعات حساسة لم تسبق مناقشتها في مصر كالإرهاب والعلاقات بين المثليين، متحديا بذلك أجهزة الرقابة والتحفظ الديني.

وحول هذا الفيلم، يؤكد مخرجه مروان حامد أنه ناقش النص مع الرقابة قبل التصوير حتى تمت الموافقة عليه، ويضيف "أعتقد أنه من المهم أن نناقش موضوعات حساسة في السينما، ولكن في ذات الوقت علينا أن نكون حذرين لأننا لا نريد أن يترك الجمهور صالة السينما ويخرج، خصوصا وأن هذا الجمهور ينتمي إلى مجتمع محافظ".

 ويستكمل حامد حديثه بالقول "لقد جلست مع مدير دائرة الرقابة في مصر أكثر من مرة لمناقشة موضوع الفيلم، وكان متعاونا للغاية لأنه في الأصل ناقد سينمائي ورجل متحرر للغاية.

 لا أعتقد أن الموضوع يكمن في شجاعة السينمائي على الخوض في المحظورات، بل إن الذكاء يكمن في كيفية تسلية الجمهور بشكل لا يخدش حياءهم".

 من جهته، يؤكد علي أبو شادي، مدير دائرة الرقابة المصرية، أن الرقابة أصبحت أكثر انفتاحا بالنسبة لمناقشة الموضوعات الحساسة في السينما، ويقول "أعتقد أن الرقابة أعطت مساحة أكبر من الحرية للأفلام التي أنتجت مؤخرا إذا ما تمت مقارنتها بالماضي، فهناك جرأة في بعض الأفلام مثل "عمارة يعقوبيان" وأفلام المخرج يوسف شاهين، والتي لو مرت خلال الرقابة قبل عشر سنوات لما تمت الموافقة عليها أبدا".

ويضيف أبو شادي "في بعض الأحيان، يمكن استخدام الرقابة لحماية نظام سياسي معين أو للتصدي لأفكار دخيلة على مجتمع محافظ.

 فمصر، كغيرها من الدول العربية، تعاني من موجة متشددة ومحافظة، والتي خلقت نوعا من المواجهة بين المبدعين من الشباب والجهات المتشددة".

 إلا أن أبو شادي يرى مستقبلا مشرقا بانتظار السينما المصرية، حيث يقول "أود القول إن المناخ السياسي المنفتح، ومساحة الحرية التي اتسعت في السنوات الأخيرة، سيساعدان في خفض نسبة الرقابة في السينما ورفع نسبة الإبداع".

 ومن أحدث الأفلام المصرية التي شكلت مؤخرا تحديا كبيرا في وجه الرقابة فيلم "هي فوضى" للمخرج يوسف شاهين، حيث يناقش الفيلم قضية الفساد في السلطة والعنف لدى أجهزة الشرطة في السيطرة على الشارع المصري بالإضافة إلى عدد آخر من الموضوعات الحساسة.

 وليس الفنانون وحدهم هم المسؤولون عن هذا الانفتاح في معالجة الموضوعات الحساسة، فهناك شركات إنتاج افتتحت مؤخرا كانت مهمتها إنتاج أفلام تخوض في المحظورات، ومنها شركة "غودنيوز فور فيلم"، والتي قامت بإنتاج فيلم "عمارة يعقوبيان"، كما أنها تعمل حاليا على إنتاج مجموعة أخرى من الأفلام الجريئة.

 أحد هذه الأفلام، التي تجري حاليا آخر العمليات الفنية فيه ليكون جاهزا للعرض في مهرجان كان، هو فيلم "ليلة البيبي دول"، والذي رصد له المخرج عادل أديب ميزانية تصل إلى سبعة ملايين دولار، وهي الميزانية البسيطة في هوليوود، ولكنها تصنع المعجزات في السينما المصرية.

 يقول عادل أديب "نحن ننتج أفلاما ونفكر سينمائيا بالطريقة ذاتها التي يفكر فيها الأميركيون في هوليوود. فكلما زادت ميزانية الفيلم، ارتفعت جودته. وبالإضافة إلى إنتاج أفلام بالعربية، نطمح إلى إنتاج أفلام بالإنجليزية كذلك إذا ما أردنا الوصول إلى العالمية.

 فالسينما لديها القدرة على التواصل بين شعوب العالم متخطية الحدود الجغرافية". ويضيف: "أكبر مثال على ذلك هو الجينز والهامبرغر الأميركي، فالسينما الأميركية هي التي عرفتنا إلى هذه الأشياء. وأعتقد أن العالم سيتعرف إلينا عبر السينما المصرية".

وتطمح الشركة من خلال فيلمها الجديد إلى إزالة الصور النمطية حول العرب في الشرق الأوسط والمتمثلة في إطلاق الرصاص والرقص الشرقي، حيث يناقش الفيلم سوء الفهم الحاصل بين العرب والأميركيين بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).

من ناحية ثانية، بدأ جيل جديد من السينمائيين تخرج من المعهد العالي للدراسات السينمائية في مصر بإنجاز أفلام مهمة تضاهي بجودتها أفلاما عالمية، ومن بين هؤلاء السينمائيين مجموعة من النساء اللاتي ينتجن أفلاما واعدة وفقا للنجم المصري عزت أبو عوف.

 يقول أبو عوف "إحدى هؤلاء السينمائيات هي المخرجة هالة خليل، التي قامت بتصوير فيلم "أحلى الأوقات" والذي فاز مؤخرا بجائزة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كما لدينا المخرجة ساندرا نشأت، التي نفذت كذلك أفلاما جريئة ومهمة في تاريخ السينما المصرية. أعتقد أن السينما المصرية بخير مع وجود هذا الجيل المتميز من السينمائيات الشابات".

ومع كل ذلك، تبقى هناك مجموعة من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، فقد وجهت العديد من الانتقادات مؤخرا للمخرج خالد يوسف على إثر عرضه قبلة ما بين مثليتين في فيلمه الأخير "حين ميسرة"، حيث طالب العديد من الرقابيين زجه والممثلتين في السجن بتهمة "خدش الحياء العام".

ويرى المخرج مروان حامد أن مثل هذه الخطوط ستبقى، وأن على السينمائيين مواجهتها شاؤوا أم أبوا، ويقول "الجيل الجديد من الشباب هو القادر على مواجهة هذه الرقابة لأنه يمتلك الشجاعة والعقل المبدع، والمتعطش لإحداث تغيير جذري على مسار السينما المصرية".

التعليق