حوادث السير: نزف دائم من الأرواح

تم نشره في الثلاثاء 20 أيار / مايو 2008. 10:00 صباحاً
  • حوادث السير: نزف دائم من الأرواح

مهتمون يدعون إلى تقييم الأداء المروري في الأردن

 

عمان- الغد- "القيادة سلوك حضاري وثقافة اجتماعية"، مقولة تتردد على مسامعنا كل يوم، حتى ليخيل إلينا أننا نعيش في مجتمع تتجذر المعايير الأخلاقية للقيادة فيه.

إلا أن الواقع ينطق بعكس ذلك تماما، فوسائل الإعلام المختلفة تخبرنا يوميا عن المآسي العديدة التي تخلفها حوادث السير بجميع أصنافها، تاركة وراءها قتلى وجرحى وحزانى وأيتام.

وفي سياق متصل، ما يزال يسار الخصاونة، الذي فقد أولاده الثلاثة في الحادث المروع على طريق جرش في كانون الثاني (يناير) الماضي،  يستذكر الزهور التي انقصفت قبل أوانها.

ولا يعترض الخصاونة على مشيئة الله، وما ابتلاه به، إلا أنه يرى أن "المسبب الرئيسي لحوادث السير هو سلوك الأفراد الذي يحتاج إلى التقويم".

التقويم، بحسب الخصاونة، لا يأتي من خلال قانون يعظم العقوبات المالية فحسب، بل من خلال تغليظ العقوبات الجزائية.

ويضيف: "قوانين دائرة السير ينبغي أن تعالج السلوك البشري، لا أن تكون وسيلة جباية للأموال".

ويسعى الخصاونة إلى توجيه الحكومة لعمل دورات تدريبية لمعالجة السلوك، "من أجل إيقاف نزيف دم الأبرياء". ويأمل من صانعي القرار أن يتم "احترام القانون من أهل الاختصاص أولا، وأن لا يكون التطبيق على أفراد المجتمع المحلي فقط".

ويرى الخصاونة انه لا ضير أن يشارك المجتمع المحلي في سن القوانين مع الحكومة، ويقول: "المشاركة في سن القوانين ووضع المعالجات تؤدي إلى تخفيف الخلل وإصلاح الذات والسلوك".

خالد مصطفى شاب أمضى القسم الأكبر من حياته في معالجة جسده ونفسيته جراء حادث سير تعرض له وهو في السادسة عشرة من عمره.

خالد الذي يبلغ السابعة والثلاثين من العمر اليوم، أصيب حينها بكسر في العمود الفقري، نتج عنه شلل نصفي.

وبعد قضائه سنتين في المستشفيات الأردنية، استطاع خالد أن يسير على قدميه من جديد، وإن كان بصعوبة كبيرة.

الحادث كذلك تسبب في عدم إكمال خالد لدراسته، بسبب ما عاناه من متاعب جسدية ونفسية.

"بفضل الله وبفضل أصدقائي الذين ساندوني تحسن وضعي الصحي والنفسي"، يقول خالد الذي اشترك في جمعية النهضة للتحديات الحركية منذ بدايات محنته، حتى وصل اليوم إلى استلام منصب نائب الرئيس فيها. وفي السياق يقول: "نذرت حياتي للعمل التطوعي".

ويشعر خالد بالأسى الكبير كلما سمع عن حادث سير، ما ترك وراءه حالة وفاة أو جرحى "أتمنى على كل شخص يقود مركبته أن يتحلى بالمسؤولية، فالأرواح غالية والحياة جميلة، ومن حق أي شخص أن يستمتع بها".

"كثرة الحوادث التي نراها ونسمع بها يوميا، ولدت في أنفسنا الضغط والخوف الشديد على الأرواح التي ننقلها"، يقول سائق الباص خالد عصفور الذي أصبح أكثر حرصا على الالتزام بقواعد السير، وأكثر حذرا ويقظة على الطرقات.

ويقول عصفور انه في كل يوم يكون مسؤولا عن 50 بيتا، ويحرص على عدم هدم هذه البيوت.

ويحمل عصفور الكثير من المسؤولية على "سائقي السيارات الخصوصية" التي يغفل عن بعضها رجال الأمن، حيث أنهم لا يتقيدون بالشواخص المرورية وزيادة السرعة والقيادة بهمجية من دون تحمل المسؤولية.

ويرى عصفور أن هناك حوادث تكمن أسبابها في "طمع بعض أصحاب الباصات بإنتاج اكبر، ما يولد ضغطا نفسيا على السائق"، فيصبح أكثر سرعة لتحقيق مآرب المسؤول عنه.

زيادة أسعار قطع السيارات والحافلات، سبب آخر غير منظور لحوادث السير، بحسب عصفور، إذ أدت الزيادة في أسعاره إلى إهمال إصلاحها وغض الطرف عن الأعطال، ما يؤدي إلى وقوع عدد كبير من الكوارث.

حادث السير المروع، الذي أودى بحياة الشاب حكمت قدورة، الذي أرّق المجتمع الأردني، ليصبح "قضية رأي عام"، كان وراء انطلاق حملة مكثفة من أجل الحد من ظاهرة الحوادث.

وبمجهود أهل حكمت قدورة وعدد من المنظمات، تم إطلاق حملة سميت "حملة حكمت للسلامة المرورية"، تهدف إلى جعل الطرق أكثر أمنا، خاصة عند المناطق المدرسية.

وتسعى استراتيجيات هذه الحملة إلى تخفيض حجم الوفيات والمصابين بنسبة 40% وتقليلها بين الأطفال من عمر خمس سنوات إلى عشر سنوات بنسبة تقل عن 50%.

ووفق استراتيجية حملت عنوان "كن المغير... اجعل شوارعنا آمنة" وإطلاقها لبرنامج حكمت للسلامة المرورية للمشاة والسائقين والطرق والقوانين التي تحكم هذه الممارسة. ما يتطلب تأهيلا وإعدادا جديدين لهذه العناصر الأربعة.

وحسب والد الضحية ماهر قدورة، فإن "الاسترتيجية تأتي تعبيرا عن تلاحم المواطنين لوقف مثل هذه الحوادث التي تودي بحياة أبنائنا، ولنكون يدا واحة للوصول إلى السلامة المرورية وطرقات آمنة في الأردن".

وتسعى الاستراتيجية إلى رفع مستوى البنية التحتية لجعل الطرق أكثر ملاءمة للمشاة وفقا للمعايير الدولية. وتطبيق مخططات مراقبة السرعة من دائرة السير والدوريات الخارجية والجهاز القضائي.

وبحسب دراسة رسمية، يقع حادث سير كل 5 دقائق، ويقتل طفل دون الثامنة عشرة كل 35 ساعة، وشخص أتم الثامنة عشرة كل عشر ساعات، ويصاب شخص كل 29 دقيقة نتيجة حادث مروري.

ووفق الدراسة، فإن قرابة 92.7% من إجمالي الحوادث تقع في فصل الصيف عكس المتوقع من فصل الشتاء نتيجة الانزلاقات وعدم وضوح الرؤية.

وبلغت نسبة الوفيات من الحوادث المرورية التي وقعت العام قبل الماضي 1% ونسبة الجرحى 8% والأضرار المادية 88% وحملت الدراسة المسؤولية على العنصر البشري 99.4% وعيوب الطرقات 0.2% والمركبات 0.4%.

السائق الخصوصي علاء حمدان يرى نفسه مسؤولا عن كل من حوله، لذلك فإنه يحرص على عدم مخالفة قواعد المرور.

وبرأيه يمكن الحد من بعض هذه الحوادث وذلك "بنقل المدارس عن الشوارع الرئيسية"، ووضع كشافة أو منظمي سير أمام المدارس، وعمل محاضرات توعية وتثقيف مرورية للطلبة، والتزام المشاة بممراتهم المخصصة لهم".

ومن جهته، يرى مخلد السلايطة وهو سائق تكسي أن السبب الرئيسي في حوادث المرور "هو حصول الشخص غير المؤهل على رخصة السواقة وذلك من خلال الواسطة".

ويضيف السلايطة انه يجب اتباع العديد من وسائل الأمان للتخفيف من الإصابات والحوادث، ومن ضمنها "لبس حزام الأمان، وعدم الاستماع للمسجل أو الراديو، لأن ذلك يسبب شرودا في ذهن السائق، والصيانة الدورية للمركبة".

"مسؤولية حوادث السير تتحملها جهات عدة؛ الطريق والمركبة والسائق والمشاة والركاب"، يقول الناطق الرسمي باسم الأمن العام الرائد محمد الخطيب.

ويؤكد أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق السائق لعدم انتباهه ولسرعته الزائدة. أما مسؤولية المشاة فهي بالتزامهم بممراتهم المخصصة لهم.

ويلقي اللوم أيضا على الركاب، "حيث يشغلون السائق بالأحاديث الجانبية وكثرة حركة أطفالهم في المركبة ما يعيق الانتباه وبذلك تتم الكارثة".

ويعترف الخطيب بوجود طرق غير مؤهلة للسير عليها، إضافة إلى نقص السلامة الفنية في المركبات وعدم الصيانة الدورية لها.

ويضيف أن هناك العديد من المؤسسات التي تسعى للحد من هذه الكوارث المرورية منها وزارة الأشغال العامة والإسكان وأمانة عمان الكبرى ووزارة التربية والتعليم التي تعمل على نشر الوعي المروري اللامنهجي.

كما تعمل دائرة الأمن العام على توسيع دائرة الرقابة من خلال توزيع الدوريات وإعادة هيكلة في الدوريات الخارجية، وزيادة عدد الكاميرات على الإشارات والطرق الخارجية والداخلية.

جهات غير رسمية أخرى تساهم في زيادة الثقافة حول مخاطر حوادث المرور، مثل جمعية "الحوادث وحماية الطرق".

رئيس الجمعية محمد الدباس يقول ان الجمعية "تطوعية" تعمل على رصد الحوادث وإعطاء تقارير هذه الحوادث وأسبابها وحلولها للجهات المختصة.

ويضيف الدباس أنها جمعية تمثل قوة ضاغطة على أصحاب القرار وتقدم النصح. وتعمل هذه الجمعية منذ 33 عاما، وقدمت العديد من اقتراحات قوانين السير الأردني.

ويرى الدباس أن أسباب الحوادث "عدم احترام القانون، وعدم وجود سلطة رادعة، وانحراف سلوكي سببه الضغط العصبي والفقر".

ويوضح أن هناك أمورا معيقة لسير هذه الجمعية، ومن أهمها عدم استجابة الجهات المختصة لبعض مقترحات الجمعية، رغم أنها اقتراحات تساعد على الحد من حوادث المرور، وبرأيه أنها ايجابية وينبغي أخذها بعين الاعتبار.

ويبين الدباس بعض الاقتراحات التي لقيت الدعم مثل المرشدين والمرشدات في المدارس "أعوان المرور". ووضع النقاط على مخالفات السير.

التعليق