حليم: الأسمر الذي أطرب العرب.. وقلبه حزين

تم نشره في الأحد 30 آذار / مارس 2008. 10:00 صباحاً
  • حليم: الأسمر الذي أطرب العرب.. وقلبه حزين

رشا عبدالله سلامة

عمّان- بملامحه السمراء الفلاحية، غنى للحب وللحياة. أطرب العالم، ولكن قلبه بقي عامرا بالحزن الذي تلبسه في سنواته الأولى.

عبد الحليم حافظ مطرب من نوع خاص، لم تؤثر فيه خطواته المتعثرة في بداياته الفنية، بل استطاع الصمود وسط عدد من عمالقة الغناء العربي، ليثبت نفسه واحدا ممن أسهموا في بناء منظومة الغناء العربي الرومانسي الحديث.

"لطالما أدفأت تلك السمرة برد ليالي الحرب، ولطالما أضاءت شمعة فنه ليالي زمن الرومانسية الجميل"، بكلمات تعبق بالإعجاب الممزوج بحنين الذكريات تتحدث سميرة رجائي (54 عاماً) عن سنيّ شبابها التي كانت أغنيات عبد الحليم حافظ أبرز مفرداتها.

وتضيف "لم أكتف بمسامرة أغنيات حليم حينها فحسب، بل حفظتها عن ظهر قلب، ومن ثم نقلتها لأبنائي وبناتي الذين أراهم يعيدون حالة عشقه برغم مضي سنوات عديدة على رحيله"، واصفة ذلك بـ "الظاهرة الجميلة" التي تميز عائلتها في ظل عصر "يمتاز برداءة معاييره الفنية وحتى الرومانسية".

وكان عبد الحليم حافظ، واسمه الحقيقي عبد الحليم شبانة وُلد في مطلع عشرينيات القرن الماضي في قرية الحلوات المصرية لينشأ يتيماً بعدما توفيت والدته في أعقاب ولادته ومن ثم تبعها والده بأشهر معدودة، قد اشتهر بأغنيات عدة ما تزال متداولة حتى الآن رغم مرور 31 عاماً على وفاته متأثراً بمرض البلهارسيا وما ضاعفه من مشاكل صحية على بنيته الضعيفة لعل أحدها تليّف الكبد.

وتضحك لبنى سعادة (27 عاماً) كلما تذكرت كم استنزف مسلسل عبد الحليم حافظ، الذي عُرض في شهر رمضان قبل سنوات، من وقتها وأحلامها لدرجة إثارة غيرة زوجها من حليم، قائلة "منذ نعومة أظفاري وأنا أستمع لأغنياته في بيت أهلي، كبرت وكبرت أغانيه معي، فمن الأغاني الخفيفة مثل ضحك ولعب وجد وحب وأغنية دقّوا الشماسي، وجدت ذاتي أسبر عمق فنه شيئاً فشيئاً نحو زي الهوى وقارئة الفنجان وماذا أقول".

وتسهب لبنى في وصف مدى تأثرها بمسلسل حليم، إذ تقول "كنت قد قرأت باقتضاب قبل عرض المسلسل عن حياة حليم، ولكني لم أتصور إطلاقاً أنه عاش كل هذه الشجون والمآسي، ولعل من أكثر ما آلمني قصة عشقه بجنون لمحبوبته البرجوازية التي توفيت إثر مرض عضال، وكيف بقي حتى سويعاته الأخيرة يغني لها ويتذكرها".

وعن ذات القصة التي تطرقت إليها لبنى عن عشق حليم لتلك السيدة البرجوازية، دارت تكهنات عدة لعل من أهمها ما صرّحت به زوجة سفير عربي سابق د. لوتس عبد الكريم، والتي كانت ذات اطلاع على حيثيات القصة، إذ قالت "قصة الحب المشهورة تلك لم تكن حقيقية، رغم أنها كانت حديث الصحافة والوسط الفني في منتصف الستينيات، إذ كانت تلك السيدة المتزوجة من أحد الأثرياء ملكة جمال مصر ومن أغنى نسائها كما كان أهلها من الإقطاعيين"، مردفة "كانت تحضر حفلات عبد الحليم حافظ، كما كانت تدعوه أسرتها لقصورهم كي يحيي الحفلات الخاصة، ولكن قصة حب من أي نوع لم تنشأ بينهما بل تسببت إشاعات تلك القصة في الإساءة لها ولأسرتها".

وتذهب عبد الكريم إلى ما هو أبعد من مجرد كونها إشاعة أطلقها العامّة، إذ تقول "لقد كان عبد الحليم يسعى لترويج تلك الإشاعة من خلال أصدقائه من كبار الصحافيين، وحتى طلاق تلك السيدة من زوجها الثري لم تكن له علاقة من قريب ولا من بعيد بعبد الحليم حافظ كما أُشيع".

ويصف أحمد ضامن (56 عاماً) ظاهرة عبد الحليم حافظ بـ "التمرد الفني الذي أحدث انقلاباً غير مسبوق في موجة غناء ذلك العصر الذي كانت تتسيده أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وغيرهم، إن حليم أول من أدخل إيقاعات غربية نوعاً ما على أغاني  تلك الحقبة".

ويعقّب ضامن بأن جزءاً كبيراً من نجومية حليم كان جرّاء غنائه لـ"العهد الناصري والقضايا القومية وعلى رأسها الفلسطينية ولعل من أشهر تلك الأغنيات: عبد الناصر حبيبنا، وثورتنا المصرية ويا أهلا بالمعارك"، مستذكراً ترديده وأبناء جيله مقاطع كثيرة من إحدى أغنياته لفلسطين والتي يقول مطلعها "إزاي إزاي في اللد وفي الرملة كانت العملية مأساة كاملة. استشهد أخويا في أراضيها وبين زرابيها. وحبيبته خطيبته ما أنساش لوعتها وكلامها لصورته: إزاي يا حبيبي غشوك بسلاحك وبإيدك قتلوك".

ذات الشجون تلتهب في قلب فاطمة صالح (51 عاماً) كلما سمعت أغنية "عدّى النهار" التي غناها حليم بلسان العالم العربي برمّته في أعقاب نكبة 1967، واصفة لحظة إذاعتها بـ "التاريخية، إذ ربما لم يبق منا أحد إلاّ وانتحب عليها، بينما كان يصدح بكلماتها قائلا: عدّى النهار. والمغربية جايّة تتخبى ورا ظهر الشجر. وعشان نتوه في السكة غاب من ليالينا القمر. وبلادنا عالترعة بتغسل شعرها. جاها نهار مقدرش يدفع مهرها".

وتردف صالح قائلة "كذلك عندما صدح حليم في حفلة تاريخية في قاعة ألبرت هول بلندن بأغنيته الشهيرة (المسيح) التي كتبها عبد الرحمن الأبنودي ولحنها بليغ حمدي على لسان أحد أبناء القدس، والتي يقول مطلعها: يا قدس ابنك زي المسيح غريب غريب. تاج الشوق فوق جبينه وفوق كتفه الصليب. خانوه نفس اليهود. ابنك يا قدس زي المسيح لازم يعود على أرضها".

فيما لا ينظر أبو موسى (43 عاماً) بنظرة إعجاب، كتلك السائدة، لأغاني حليم الوطنية والثورية، بل يصفها بالتي "ساهمت أيما إسهام شأنها شأن أغاني أم كلثوم في ذلك الحين في تضخيم الأحلام العربية التي تكسرت على وقع هزيمة 1967"، مضيفا إلى حليم "جميع الشلة التي كانت تكتب وتلحن هذه الأحلام من أمثال صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وكمال الطويل".

هذا وتعاون عبد الحليم حافظ مع نخبة من شعراء وملحني ذلك الزمن ومنهم الشاعر نزار قباني وإيليا أبو ماضي وكامل الشناوي ومحمد الموجي وبليغ حمدي ومحمد عبد الوهاب الذي تشارك وإياه في شركة صوت الفن. إلى جانب تمثيل حليم ما يزيد على ستة عشر فيلما سينمائياً من أشهرها لحن الوفاء وأبي فوق الشجرة ومعبودة الجماهير.

ورحل حليم، صاحب أغنيات كـ "قلي حاجة، وأي دمعة حزن، وأنا لك على طول، وسواح، وفاتت جنبنا، وتوبة و...."، عن عمر يناهز 47 عاماً في الثلاثين من آذار (مارس) عام 1977، ليمشي في جنازته ما ينوف على 250  ألف شخص، ولتسجّل حالات انتحار بين صفوف معجباته في جميع أرجاء الوطن العربي.. مخلداً بذلك ظاهرة فنية قلما تتكرر، قوامها سمرة وشجن وفن بديع.

التعليق