الخط الحديدي الحجازي: معلم حضاري أنشأه السلطان العثماني ودمره البريطانيون

تم نشره في الاثنين 24 آذار / مارس 2008. 09:00 صباحاً

دمشق - ما تزال محطة الحجاز الحديدية إلى يومنا هذا تشكل إرثاً تاريخياً يعود إلى أكثر من مائة عام منذ بدء إنشاء خط حديدي حجازي في العام 1900 في زمن السلطان العثماني عبدالحميد وما يزال البناء شاهداً حياً على جمال العناصر المعمارية في هذا المعلم التاريخي.

كان المسلمون في القرن التاسع عشر يواجهون صعوبات كثيرة في الوصول إلى الديار المقدسة وكان على موكب الحج الشامي ان يقطع من دمشق إلى المدينة المنورة ما يقارب أربعين مرحلة تستغرق زمناً يقدر بخمسين يوماً للذهاب وهذا ما جعل العثمانيين خلال احتلالهم لسورية يفكرون بإنشاء خط حديدي يربط سورية بالأردن والسعودية.

تم الإعلان عن هذا المشروع في عهد السلطان عبدالحميد الثاني (1876-1909) حيث أقام له دعاية واسعة في العالم بأن الهدف من انشائه هو تسهيل سفر الحجاج وتأمين الراحة لهم بالإضافة إلى كونه مشروعاً دينياً خيرياً يجب على المسلمين إنشاؤه لربط البلاد الإسلامية بعضها مع بعض وإحكام السيطرة عليها.

وتم جمع تكلفة المشروع وتنفيذه من تبرعات المسلمين فكانت دمشق محطة انطلاق الخط الحديدي الحجازي وفيها كان ينتهي مسار سيره..

وصل أول قطار إلى المدينة المنورة قادماً من دمشق في الثاني والع  العام 1908 ميلادي في رحلة استغرقت زهاء خمس وخمسين ساعة وجرى الافتتاح رسمياً للمحطة في العام نفسه.

من محطة القدم جنوب مدينة دمشق، كان ينطلق وعبر غوطتها الغناء يتغلغل ليسير في استقامة عبر سهل حوران فيقطع السهل ليصل إلى محطة درعا ومن درعا يتفرع فرع حيفا متجهاً نحو البحر، أما الخط الاساسي فيبقى مستمراً نحو الجنوب ثم يقطع وادي نهر الزرقاء ويصل إلى عمان ثم يخرج باتجاه معان وهي المحطة المتوسطة للخط الحديدي الحجازي.. يخرج من معان ليخترق الصحراء إلى العقبة ثم يهبط ليصل إلى المدورة فيدخل أراضي الجزيرة العربية فمدائن صالح وأخيراً المدينة المنورة.

عند نشوب الحرب العالمية الأولى، استخدمت الدولة العثمانية هذا الخط لخدمة الحرب من خلال تنقلات الجيش والعتاد وعند قيام الثورة العربية الكبرى قام الإنجليز بتخريب الخط لكونه منافساً قوياً لقناة السويس كذلك لأنه وسيلة اتصال بين العرب ويشكل خطراً على المستعمرين بعد الحرب العالمية الثانية وأثناء الانتداب الفرنسي على سورية حلت لجنة إصلاح الخط الحديدي الحجازي إلا أن هذه اللجنة بالرغم من إمكاناتها المتواضعة تمكنت من تسيير قطار المدينة المنورة ودمشق.

حتى هذه الفترة كانت هناك مائة وعشرون قاطرة بخارية جاهزة للاستخدام بالإضافة إلى ألف ومائتي شاحنة ومائة عربة للركاب وعشرين شاحنة للبريد، أما بعد الانتداب الفرنسي على سورية فقد تم تشكيل لجنة تولت مهام استثمار الخط وإدارته، وإلى يومنا هذا ما تزال المحطة تقوم بذات المهام والوظائف التي قامت بها فيما مضى من نقل للركاب في رحلات منتظمة في قاطرات ديزل حديدية وأحياناً في قاطرات بخارية قديمة.

أما داخل المحطة فنجد في المدخل الرئيسي قاطرة تعد من أقدم القاطرات في سورية وهي ألمانية الصنع يعود تاريخها إلى 1908، كذلك تضم المحطة قاطرتين بخاريتين صنعتا في عام 1849 وهما قاطرتان فريدتان أثريتان وتجري صيانة وإصلاحات لهاتين القاطرتين بغية استثمارهما وإعادة الألق والحيوية لهما لأداء دورهما كما كان في الماضي.

كما تم إجراء عملية صيانة للقاطرتين بنوعيهما القديم والحديث وإصلاح أربع قاطرات ديزل إضافية بالاعتماد على الخبرات الوطنية وإجراء الصيانات اللازمة لإعادة تشغيل قاطرتين بخاريتين صنعتا في العام 1894 بجاهزية (90) بالمائة ووضعتا في الاستخدام السياحي على خط دمشق سرغايا، كذلك أعيد تجهيز وصيانة العديد من الناقلات العمالية ووضعت قاطرة بخارية قديمة الصنع عند مدخل محطة الحجاز كرمز للمؤسسة يلفت انتباه السياح.

يصل عدد القاطرات في المحطة اليوم إلى حوالي (31) قاطرة تنقل الركاب على خط دمشق سرغايا، كما تم تسيير رحلات منتظمة إلى الأردن من دمشق إلى عمان وبالعكس وقد وظفت هذه الخطوط بشكل سياحي إضافة إلى ذلك أن الزائر للمحطة باستطاعته الاضطلاع على معلومات شيقة عن القاطرات البخارية بشكل دقيق ومشاهدة الصور التي تشير إلى الخط الحديدي الحجازي بين القديم والحديث.

التعليق