الجندي ترسم الطريق إلى المطار خوفا من تكرار الحرب الأهلية اللبنانية

تم نشره في الاثنين 25 شباط / فبراير 2008. 10:00 صباحاً

بيروت- عزفت ريم الجندي على وتر ملتهب يحزم حقائبه للرحيل في وطن يرقص على حد السيف ويقبع على برميل حرب ولا ينقصه سوى اطلاق صفارة البدء باستعمالها.

قرأت الجندي واقعها بألوان مزخرفة وهاجرت إلى عالم تملؤه الاقدام المغادرة والحقائب المكتنزة ليس فقط بالمحفوظات اليومية وانما بالذكريات والارصفة والحكايا المتنوعة عن بلد التناقضات والانقسامات المؤلمة.

سكنتها الهجرة ففعلتها ريم الجندي على ورق وقماش وقررت ألا تعقد صداقة مع حرب أهلية ثانية أخذت من عمرها الأول كل ربيعه وقررت الجندي أن تحرق المراحل وتنتقل فورا الى دنيا الهجرة المصنوعة من ايقونة بيزنطية تتدافع فيها الأقدام وتأشيرات الدخول عند طريق المطار.

هذا المناخ تولد لدى ريم الجندي بعد محاولات عدة لممارسة مواطنيتها في بلد تقول إن العيش فيه بات مخاطرة بعد سلسلة الأزمات التي ألمت به عقب انتهاء الحرب الاهلية التي دارت بين عامي1975 و1990.

يتخبط لبنان في أزمة سياسية حادة بين تحالف الغالبية المدعومة من الغرب والمعارضة المدعومة من سورية وايران منذ اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري في شباط(فبراير)2005 تركت البلاد بلا رئيس منذ تشرين الثاني(نوفمبر) الماضي وانزلقت مرات عدة الى مواجهات دموية.

وتختصر ريم الجندي معرضها الذي اقيم في بيروت ويحمل عنوان "طريق المطار" بعبارة وضعتها على بطاقات الدعوة تقول "الروح مسجونة في قاعة ترانزيت والحقيبة موضبة تنتظر الفيزا".

هكذا تخرج الجندي روحها من القاعة وتحبسها مجددا في(34) لوحة تصب كلها في تشعبات معنى الهجرة التي يعانيها اللبنانيون وخصوصا الشبان منهم والتي توحي الفنانة نفسها انها كانت احدى ضحايا فكرة الهجرة ذات يوم.

وتقول الجندي "منذ فترة يقلقني تفكير واحد هو الهجرة. اشعر أننا ذاهبون الى مكان بشع جدا في هذا البلد. اشعر أن الحرب دنت...ولأنني انتمي الى جيل الحرب لا اتصور ابدا ان باستطاعتي أن اعيش حربا ثانية خصوصا وانه اصبح لدي ابن. كأم لا اتخيل أن ابني سيعيش نفس البشاعة التي عاشها ابناء جيلي".

ولأن عمل ريم الجندي يبدأ من مكان شخصي فهذه المرأة التي تحل في معظم اللوحات "هي أنا. أنا لست بورتريه. أنا حالتي النفسية أنا الاشياء التي اعيشها مع اليوميات والافكار التي تمر على رأسي".

بدأت الجندي العمل على هذا المعرض قبل خمس سنوات حيث كانت منشغلة بدراسة الايقونات الشرقية التي صبغت عملها وتقول "هذه أول مرة اشتغل الاشخاص بتقنية الايقونات التي تبدأ من اللون الغامق المحروق للجسد ثم وضع طبقة وراء طبقة للوصول الى الضوء... هذا الشغل يذكرنا بتاريخنا الفني القديم... العناصر التي اشتغلها هي عناصر معاصرة اي الطائرات وجوازات سفر حيث هناك الكثير من الفرق الزمني بينه وبين الايقونة".

وكتبت على بطاقة الدعوة "علمني أسلاف خفيون أن ابدأ من جسم ترابي داكن لأصل الى روح مضاءة بالابيض".

تكثر في لوحات ريم الجندي الاجنحة التي قد تكون أتت من مكان ايقوني لكنها ايضا مرتبطة بأجنحة الطائرة ورغبة البشر بالطيران والذهاب الى مكان افضل.

وتخلط الجندي الامور في لوحاتها حيث الروحاني لم يعد روحانيا والواقع لم يعد واقعا بل هو مزيج بين هذا وذاك.

اشتغلت ريم الجندي على السطح التصويري لقماش لوحتها وألصقت على سطح اللوحة بأسلوب الكولاج الكثير من العناصر المادية الى جانب الالوان الذهبية والتقنيات المتنوعة وأدخلت بعض العناصر الثبوتية مثل أوراق تأشيرات مثلا واوراق من جواز السفر حتى انها قلدت صفحات جواز السفر التي تحمل صورة الشخص مع رقمه بالارقام النافرة على سطح الورقة.

وتقول الناقدة التشكيلية والاستاذة في معهد الفنون بالجامعة اللبنانية مهى سلطان إن الجندي عرفت ان تقطف معضلة موجودة بالراهن اللبناني. أهمية المعرض أن العنوان لافت الى هذا الحد ويتحدث عن موضوع يعاني منه المجتمع اللبناني هو الهجرة بسبب الاحداث الاخيرة حيث يكفي أن يقوم شخص ما بزيارة للسفارات حتى يرى كمية طوابير الناس الذين يهاجرون".

وتضيف سلطان "بأسلوبها كفنانة هي دائما تتحدث عن الاشياء التي تخاطب ذاتها هي. كان لديها اشكالية الهجرة أم البقاء وهو ما طرحته بهذا المعرض".

دمجت الجندي ما بين العناصر القادمة من الأيقونة البيزنطية لاسيما الالوان الذهبية واشكال الملائكة والقديسين بأسلوبها الفني الذي طغت عليه الواقعية التي لا تخلو من المعاناة الإنسانية.

كما ركزت على جسد الإنسان وعلى حركة الرجلين دليل انتقال وحقائب السفر التي زخرفتها بأسماء الأمكنة وخصوصا مقاهي بيروت التي تفتقدها. صحيح أن الناس يهاجرون ولكنهم يأخذون معهم في حقائبهم كل محفوظاتهم وذكرياتهم واسماء الشوارع والمقاهي والأماكن الحميمة.

وتقول سلطان "حاولت أن تحيط بموضوع الهجرة والسفر من مختلف الجوانب. استخدمت تقنيات متنوعة وأدخلت عملية اللصق ادخلت أوراقا وأشياء خشنة تجد أن السطح لديها احيانا مصقول واحيانا محبب حسب ما يقتضي الموضوع".

التعليق