درويش يوقع "أثر الفراشة" حاملا صرخته حتى تخوم الكلام

تم نشره في الأحد 24 شباط / فبراير 2008. 10:00 صباحاً
  • درويش يوقع "أثر الفراشة" حاملا صرخته حتى تخوم الكلام

محمد جميل خضر

 عمان - وسط حشد جماهيري ملأ مسرح البلد وادراجه والطريق اليه وسط العاصمة, وقّع الشاعر محمود درويش إصداره الجديد "أثر الفراشة" الذي قال درويش عنه في مستهل حفل التوقيع انه "استعصى بالنسبة لي على التعريف, نثرا ام شعرا ام نصوصا تقف على التخوم".

وتوافد مبكرا بضعة آلاف مهتم بتجربة درويش الابداعية ومتابع لمساحته التي تواصل الصعود والاتساع, وبقي معظمهم خارج المسرح الذي اكتفى بمائتين منهم ملأوا مقاعده وانتظروا حتى السادسة و 45 دقيقة قبل ان يطل صاحب "مديح الظل العالي" عليهم في حشد غير مسبوق بالنسبة للمكان الساكن قاع المدينة, الا عندما وقع درويش نفسه فيه قبل زهاء السنة "كزهر اللوز او أبعد" .

 وبحضور نائب امين عمان الكبرى المهندس عامر البشير ومقدم الامسية الشاعر زهير ابو شايب قرأ درويش ستة نصوص من الديوان الصادر عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت في 282 صفحة من القطع المتوسط .

وبصوت متهدج قرأ صاحب "لا تعتذر عما فعلت " نصوصا من الكتاب الجديد بعد ان شكر الشاعر زهير ابو شايب ومسرح البلد والجمهور الذي يمده دائما "بالايمان وبأن الشعر ما زال ممكنا وضروريا".

 واستهل درويش الامسية بالنص الأول في الديوان "البنت/ الصرخة " صوّر فيها ترجيديا الفتاة الفلسطينية هدى غالية التي قتلت قذيفة إسرائيلية جميع افراد اسرتها بينما كانوا يتنزهون عند شاطئ غزة:

 "على شاطىء البحر بنتٌ. وللبنت أَهلٌ وللأهل بيتٌ.

 وللبيت نافذتان وبابْ...

 وفي البحر بارجة تتسلّى بصيد المشاة على شاطئ البحر:

أربعة, خمسةٌ, سبعةٌ يسقطون على الرمل, والبنتُ تنجو قليلاً لأنَ يداً من ضباب يدا ما إلهية أسعفتها, فنادت:

أبي يا أبي! قم لنرجع, فالبحر ليس لأمثالنا! لم يجبها أبوها المُسجّى على ظله في مهب الغيابْ دَمُ في النخيل, دم في السحابْ يطير بها الصوت أعلى وأبعد من شاطىء البحر. تصرخ في ليل برية, لا صدى للصدى.

فتصير هي الصرخة الأبدية في خبر عاجل, لم يعد خبرا عاجلا عندما عادت الطائرات لتقصف بيتا بنافذتين وبابْ!".

ومروراً من هذا الاستهلال المؤلم عندما ينجرح الفلسطيني من ان البحر ليس لأمثاله, ولج صاحب "ارى ما اريد" الى النص الثاني في الامسية التي تابعتها وكالات أنباء ووسائل اعلامية مرئية ومسموعة ومقروءة كثيرة, ووصف في "البيت قتيلا " كيف تنتهي بدقيقة واحدة حياة بيت كاملة:

"البيت قتيلا هو ايضا قَتْلٌ جماعي حتى لو خلا من سكانه. مقبرة جماعية للمواد الاولية المُعَدَّةِ لبناء مبنى للمعنى, او قصيدة غير ذات شأن في زمن الحرب.

 البيت قتيلا هو بَتْرُ الاشياء عن علاقاتها وعن اسماء المشاعر.

 وحاجة التراجيديا الى تصويب البلاغة نحو التبصر في حياة الشيء.

 في كل شيء كائن يتوجع...

 ذكرى اصابع وذكرى رائحة وذكرى صرة.

 والبيوت تقتلُ كما يقتل سكانها. وتقتل ذاكرة الاشياء:

 الحجر والخشب والزجاج والحديد الاسمنت تتناثر اشلاء كالكائنات.

والقطن والحرير والكتان والدفاتر والكتب تتمزق كالكلمات التي لم يتسن لاصحابها ان يقولوها.

 وتتكسر الصحون والملاعق والالعاب والاسطوانات والحنفيات والانابيب ومقابض الابواب والثلاجة والغسالة والمزهريات ومرطبانات الزيتون والمخللات والمعلبات كما انكسر اصحابها".

وعبر المجاز المتواري من مجد الانتصارات وخيبات الخسائر، القى صاحب "الجدارية" نص "البعوضة" التي لا يعرف اسم مُذكّرها, ما شكل مساحة مناسبة لتأمل مهارة درويش في صناعة الصورة وخلق متوالياتها: "تفاوضها على هدنة بصوت وُدِّي:

 نامي لأنام!

 تظن انك اقنعتها فتطفئ النور وتنام. لكنها وقد امتصت الزيد من دمك تعاود الطنين انذارا بغارة جديدة.

وتدفعك الى معركة جانبية مع الارق.

 تشعل الضوء ثانية وتقاومهما, هي والارق، بالقراءة.

 لكن البعوضة تحط على الصفحة التي تقرؤها, فتفرح قائلا في سرك: لقد وقعت في الفخ.

 وتطوي الكتاب عليها بقوة:

 قتلتها... قتلتها!

وحين تفتح الكتاب لتزهو بانتصارك, لا تجد البعوضة ولا الكلمات.

 كتابك ابيض!. البعوضة, ولا اعرف اسم مذكرها, ليست استعارة ولا كناية ولا تورية.

انها حشرة تحب دمك وتَشُمُّهُ عن بعد عشرين ميلا.

ولا سبيل لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة

: أن تغير فصيلة دمك!".

وفي "بقية حياة" اقام صاحب "حالة حصار" حوارا ساخرا مع الطريق المؤدي الى المقبرة:

"أعد غدائي الاخير أصب النبيذ بكأسين:

لي ولمن سوف يأتي بلا موعد ثم آخذ قيلولة بين حلمين لكن صوت شخيري سيوقظني..

ثم انظر في ساعة اليد:

 ما زال ثمة وقت لأقرأ اقرأ فصلا لدانتي ونصف معلّقة وأرى كيف تذهب مني حياتي الى الاخرين, ولا اتساءل عمّن سيملأ نقصانها ووضع في "بندقية وكفن " يده على الجرح الفلسطيني الجديد, عندما تاهت بوصلة الرصاص وتصاعدت بورصة التسميات شهيد ام قتيل, وبلغت لغة الخيبة ذروتها في النص الذي يعاين فيه درويش المشهد الفلسطيني وحالة الاقتتال الموجعة بين الاخ واخيه.

وختم صاحب "سرير الغريبة " قراءاته التي سبقت توقيعه للحضور على الديوان بآخر قصيدة فيه "انت منذ الآن, انت".

 وقدم ابو شايب درويش بكلمة معبرة غائصة في عمق تجربة صاحب "ذاكرة للنسيان" ورأى ابو شايب ان محمود درويش لا يحتاج الى اي مقدمات او تعريفات لانه "الشاعر الذي به نعرّف على ذاتنا العميقة ونضيء على عتماتها ".

وقال ابو شايب :

"وهنا في "اثر الفراشة", يفاجئنا محمود درويش بكتابة اخرى يتنقل فيها , كما يتنقل الفراش, بين قصائد تغار من بساطة اليومي ونصوص نثرية تغادر من الشعري, ويتحدى الشعر بالنثر والنثر بالشعر ويبحث في اليومي عن الابدي وفي العابر عما لا يزول".

وذكر ان مفردة (يوميات) التي ذيل بها عنوان الكتاب "ليست مفردة تصنيفية بل هي عنوان اخر فرعي يعيد الشاعر من خلاله تعريف الشعري وتعريف اليومي, فالشعري هنا ليس المتعالي ولا الكثيف فقط واليومي ليس ما يتساقط منا من احداث, بل هو ايضا ما يترسب فيها من مشاعر واحاسيس ومذاقات بعد ان يمر الحدث".

التعليق