فيلم "جوجيان رول" : تحولات المجتمع الأميركي على مدار عقود

تم نشره في الأحد 10 شباط / فبراير 2008. 10:00 صباحاً
  • فيلم "جوجيان رول" : تحولات المجتمع الأميركي على مدار عقود

 رشا عبد الله سلامة

عمّان- ربما تلخص عبارة السياسي الأميركي باتريك جيه بوكنان "ما من أمة شهدت تحولاً جذرياً كذلك الذي شهدته الأمة الأميركية" مجمل أحداث الفيلم الهوليوودي الجديد (جورجيا رول) للمخرج جاري مارشل.

ثمة مفردات مشتركة بين بوكنان، الذي تنبأ في كتابه (موت الغرب) بأن الغرب برمته وعلى رأسه أميركا في طريقه نحو الهاوية، وبين مارشل الذي استعرض من خلال فيلمه الآنف ثلاثة أجيال أميركية متمثلة بالجدة والابنة والحفيدة، وما تتضمنه علاقتهن من مفارقات دينية وأخلاقية وتربوية وحتى مدنية- ريفية.

وأهم هذه المفردات: الأسرة، العلاقات الجنسية الحرة، السلوكيات الجنسية غير السوية، الرفاهية والترف الفاحش، الكحول والحبوب المخدرة.

وبقدر صخب المعلومات والإحصائيات التي ساقها بوكنان، كان صخب المراهقة راشل، التي أدت دورها الممثلة لندساي لوهان، إذ لم تكن سلوكياتها وأخلاقها منحدرة فحسب، بل ومبادئها الدينية كذلك، ما دفع والدتها ليلي، التي أدت دورها الممثلة فيلستي هوفمان، إلى إيداعها في عهدة الجدة المعروفة بصرامة قوانينها ومبادئها، والتي لعبت دورها الممثلة جين فوندا.

وكان من بين عبارات بوكنان، التي ساقها للبرهنة على أن تخلي الأميركيين عن مبادئهم الأخلاقية هو بداية الانحدار، قوله "حتى نهاية الخمسينيات في أميركا كان الطلاق يعد فضيحة، والعيش معاً بلا زواج قمامة بيضاء، والإجهاض تقززاً، فيما العلاقات الشاذة كانت الحب الذي لا يجرؤ أحد على النطق باسمه. أما اليوم غدت كل هذه المحرمات ممارسات مألوفة ومسموح بها وغير مستهجنة".

ذات العبارة يترجمها مارشل من خلال ذهول الجدة أمام الأفكار الجنسية الإباحية التي تؤمن بها الحفيدة، عدا عن استيائها من زج الحفيدة باسم الرب والمصطلحات السوقية شأنها في ذلك شأن معظم مراهقي أميركا، إلى جانب وجومها أمام زجاجات الخمر الذي تحتسيه ابنتها وحفيدتها ومحاولتها التخلص منه انصياعاً منها لمبادئها الدينية المورمونية.

وإن كان بوكنان لفت في كتابه إلى الطفرة الاقتصادية الأميركية وما ألقته بظلال على المجتمع، قائلاً "عندما دخل فقراء أميركا إلى الطبقة الوسطى، وعندما صارت الطبقة الوسطى ميسورة، والميسورة ثرية، فإن كل طبقة باتت تتقمص حياة الأخرى التي التحقت بها مؤخراً ليبدأ الجميع في تقليص حجم الأسرة" فإن مارشل ألمح إلى ذلك أيضاً ليس من خلال السلوكيات الاستهلاكية للابنة والحفيدة فحسب، بل من خلال الملابس البالغة التأنق والسيارات الفارهة التي تناقض ملابس الجدة المتحشمة البسيطة ونمط حياتها الزاهد المتزن.

ولم يقف بوكنان عند حد التطرق للظاهرة فقط، بل ساق مثالاً عن تفريط الشعب الأميركي بالمعيار الأخلاقي لحساب الاقتصادي، قائلاً "أنقذ الأميركيون بيل كلينتون من فضيحته الأخلاقية مع مونيكا لوينسكي، لأن حزبه وشعبه لم يكونوا راغبين في تعريض مكتسبات العَقد الاقتصادية إلى الخطر في حال الإطاحة بمهندسها، ما يعني أنهم أعطوا الأولوية للاقتصاد على الأخلاق".

المبدأ ذاته عرّج عليه راشل عندما كان زوج الأم يتحرش بالابنة المراهقة، ملجماً إياها بالسيارات والعطايا المادية نظير سكوتها، حتى تمكنت الجدة من كشف الحقيقة.

أميركا بين أخلاقياتها ومثالياتها التي تقبع في أحلام كثيرين، وبين واقعها الأخلاقي المتردي كانت نصب عيني بوكنان ومارشل. بدءاً من تشبيه بوكنان أميركا بمن "ألقت بوصلتها الأخلاقية في عرض البحر بعدما وجهتها هذه البوصلة لمائتي عام"، مروراً بإحصائياته المرعبة التي ساقها عن المجتمع الأميركي ومنها أن "أربعين مليون حالة إجهاض تمت من عام 1973 إلى 2000، ثلث أطفال أميركا يعيشون مع والد واحد فقط، وصلت نسبة الطلاق إلى 350% منذ عام 1962 حتى الآن"، وأخيراً وليس آخراً بالعلم الأميركي الذي أراده مارشل مرفرفاً على بيت جورجيا طوال الفيلم لتذكير الأميركيين من خلالها بالنموذج الأخلاقي المزمع لدولتهم منذ مائتين واثنين وثلاثين عاماً خلت.

التعليق